شجرة الذاكرة

22:48 2013-11-10

يحيى رباح

في الذكرى التاسعة لرحيله، يحضر فينا الرئيس ياسر عرفات بشكل مدهش حتى أننا نجد أنفسنا في معظم الوقت نتحدث عنه بصيغة الحاضر!!! أعتقد أن الملايين من الفلسطينيين في وطنهم التاريخي فلسطين - حيت الاتصال العادي بين أجزائه مستحيلة- كما الفلسطينيين في شتاتهم الواسع الذي يزداد شتاتاً، يلاحظون هذه الظاهرة، لماذا؟؟؟ لماذا مازلنا نتحدث عن ياسر عرفات بصيغة الحاضر، من النادر بل و من المستهجن أن نستخدم صيغة الماضي الغائب؟؟؟ أعتقد أن ياسر عرفات بالنسبة للشعب الفلسطيني هو رمز مركب، أنه زعيم سياسي من الطبقة الأولى، و هو بطل تراجيدي في نفس الوقت!!! و كزعيم سياسي فإنه انبثق من الضرورات الملحة التي لا يوجد ما هو أولى منها و لا أقدس منها، ضرورات لدى شعب فقد وطنه قسراً و من الملح أن يكون له وطن!!! و فقد كيانه تحت ضغط أقوى الأقوياء و من الملح أن ينبثق له كيان، و تبعثرت هويته في الأرض مع هبوب العواصف الهائجة، و من الملح أن يلملم هويته.

و كزعيم سياسي:

فإنه أدرك في وقت مبكر، و في وقت صعب أيضاً، أن شعبنا الفلسطيني لا يستطيع أن ينتظر أحد لكي يحقق له ضروراته الملحة، بل عليه أن يبرأ نفسه، و أن يعتلي خشبة المسرح، و أن يلعب الدور الأصعب، و أن يكون الرقم الصعب.

إنه اكتشاف مذهل و خارق الصعوبة إلى حد المستحيل، و لكن ياسر عرفات الزعيم السياسي حول هذا الهاجس الضخم إلى تفاصيل على أرض الواقع، بدأها بصياغة العناوين، قاتل مع عبد القادر الحسيني في وقت مبكر، و قاتل مع الفدائيين ضد الإنجليز في منطقة قناة السويس، و أنشا و هو في كلية الهندسة جامعة القاهرة رابطة الطلاب الفلسطينيين لتكون عنواناً أول، ثم أسس حركة فتح مع زملائه المؤسسين، و كان كل فلسطيني في العالم يسأل نفسه صباح مساء، ماذا نفعل؟؟؟ فإنتمى الفلسطينيون على مضض إلى الأحزاب القائمة، و كانت عبقرية تأسيس حركة فتح أنها ألهمت الفلسطينيين أن لهم كياناً يأوون إليه، ثم أصبحت فتح هي العمود الفقري لمنظمة التحرير الفلسطينية و الثورة الفلسطينية المعاصرة، و واصل ياسر عرفات و رفاقه تسجيل فلسطين في دفاتر الحضور عبر قرارات في غاية الخطورة و الشجاعة.

أما ياسر عرفات البطل التراجيدي، فهي أنه كان يعرف الثمن الفادح لما يفعل و ما يختار، كان مثل قبطان سفينة أسطورية ذاهبة في المحيط إلى جبل المغناطيس لتصطدم به و تتحطم أشلاءً، و لكن البطل التراجيدي يعرف سلفاً أقداره الكبرى و لا يهاب.

كل مرة كان ياسر عرفات يقول فيها نعم، كان يعرف أن هذه "النعم" سوف تقلب الأمور رأساً على عقب!!! و كل مرة كان يقول فيها لا كان يعلم أنه بقولها في وجه أعتى الأقوياء في العالم فأن الثمن سيكون فادحاً بما يفوق الخيال!!! و لكنه لم يتردد لحظة واحدة في أن ينطق بنعم أو ينطق بلا، مادام ذلك يقضي إلى لحظة من الحضور الفلسطيني.

يعيش معنا ياسر عرافت يوماً بيوم، و لحظة بلحظة، كل ما يجري إما حببنا فيه أو حذرنا منه، و هو لم يفعل ذلك مجاناً، بل بجهد خارق يفوق الاحتمال، و بتضحية لا يحتملها سوى الأنبياء و الشهداء!!! و لذلك فإننا نحي ذكراه بصفته الحاضر و ليس بصفته الغائب، فإن تضحياته و معاركه و مواقفه ممتدة فينا إلى زمن قادم.

[email protected]

[email protected]