مستقبل العرب بين يدي المعلمين

تابعنا على:   07:57 2021-12-17

د. فايز أبو شمالة

أمد/ في الخامس من اكتوبر في كل عام، يحتفلون بيوم المعلم، بتوصية من منظمة اليونسكو، ومنظمة العمل الدولية، ولا بأس في تذكير المجتمعات بفضل المعلم، وتخصيص يوم لهذه المناسبة، تلقى فيه الكلمات، وتقام الاحتفالات.

ولا يختلف اثنان على أن المعلم رسول المعرفة والتربية والأخلاق، وهو النموذج الذي يحاكيه الطالب بانضباطه وثقته بنفسه، وسعة معرفته وقوة شخصيته، صفات تفرض نفسها على المعلم والمعلمة، وتستحث العاملين في حقل التعليم أن يرتقوا بأنفسهم، قبل أن يطالبوا بحقوقهم من المجتمع، الذي سيرتقي في تبجيلهم بمقدار ما يبجلون هم أنفسهم.

في بلاد العرب بشكل عام لا مكانة مرموقة للمعلم، ولا تقدير لمجهوداته، وتأتي مهنة معلم في ذيل قائمة المهن، وهذه أحسن وصفه لمن أراد تدمير المجتمعات العربية، فبناء الإنسان يبدأ من المدرسة، ومن حقل التعليم، لذا تتبعت رواتب بعض المعلمين والمعلمات في بلاد العرب، فاكتشفت أن أدنى الرواتب على مستوى العالم يتقاضاها المعلم العربي، حتى أن متوسط راتب المعلم في اليمن قد يصل إلى 40 دولار شهرياً، إنه مبلغ لا يفي باحتياجات العائلة، ولا يؤسس للمستقبل، وهذا ما نلاحظه على رواتب المعلم في مصر، إذ يبلغ متوسط راتب المعلم 1500 جنية مصري، ما يعادل 300 شيكل إسرائيلي، وهي أقل من مئة دولار أمريكي، أما في العراق فإن متوسط راتب المعلم قد يصل إلى 500 دولار شهرياً، وهو مبلغ قريب من متوسط راتب المعلم في غزة المحاصرة والضفة الغربية، أما في الأردن، فقد يصل راتب المعلم إلى 700 دولار تقريباً، وفي المغرب متوسط راتب المعلم 350 دولار أمريكي، وفي الجزائر يصل متوسط راتب المعلم إلى 250 دولار أمريكي. أما راتب المعلم الشهري في تونس فقد يصل إلى 440 دولار أمريكي تقريباً، لتبقى دولة قطر الاستثناء، فقد يزيد راتب المعلم فيها عن 3 آلاف دولار شهرياً، وهو الأعلى في بلاد العرب.

إهمال المعلم في معظم بلاد العرب التفت إليه بقية دول العالم التي تحترم مستقبلها، وتؤسس لجيل قادر على مواكبة العلم والتطور، ففي ألمانيا على سبيل المثال، يصل راتب المعلم إلى 5 آلاف دولار شهرياً، بينما يصل متوسط راتب المعلم في إسرائيل إلى 13 آلاف شيكل، ما يعاد 4 آلاف دولار شهرياً،  بينما يصل راتب المعلم في اليابان إلى 3 آلاف دولار شهرياً، خلافاً لمنافع الرفاهية، مثل المصاريف الطبية ، مصاريف ولادة طفل ، منحة مواجهة الكوارث.

في مقالي هذا أطالب بتحسين أجور المعلمين بشكل خاص، أسوة ببقية البلاد الراقية والمتحضرة، وهذا حقهم، وإنما نطالب بإنصاف المعلم في التعامل والتقدير والتبجيل الذي يستحقه، فبالقدر الذي نرفع فيه من شأن المعلم، فإننا نرفع من شأن الأجيال، ونبني مستقبلاً أكثر إشراقاً من حاضرنا.

قبل دخولي السجن، قدم لي طلابي في مدرسة دير البلح الإعدادية بعض ثمار البلح، ولكنني رفضت، فلم أحبذ أن يراني طلابي وأنا أمضغ أمامهم حبة البلح، فأنا أستاذهم، ولن أسمح للطالب أن يراني إلا في نقاوة الملائكة، وطهر الأولياء، وما كان للطالب أن يحترم دروسي وتوجيهاتي دون هذه الهيبة، فاقتناع الطالب بالمدرس شرط لاقتناعه بأهمية المادة التي يتعلمها، كنت مقتنعاً أن المدرس قدوة الطالب بشكلة وحديثه وملبسه، وقد التزمت بهذا النموذج النقي من الشوائب بعد ذلك لمدة عشر سنوات في غرف السجن، كنت أستيقظ فجراً قبل الجميع، حتى لا أزاحم السجناء على الحمام؛ الذي لا يحتمل ضغط عشرين سجيناً في لحظة واحدة، كنت أحرص على حلق لحيتي، ولبس ملابس السجن مع الفجر، حتى لا يراني السجان أو السجين بلا هيئة كاملة، وبلا هيبة، وكنت حريصاً على النظافة والنظام والالتزام، فطالما كنت القدوة، فعليك أن تشيل الحمل، وأن تصبر، فالعيون تعشق النماذج الرائعة، يا أيها المعلمون.

قال لي طلابي الذين التقيت معهم في سجن نفحة الصحراوي: كنا ننتظر حصتك بشوق ومحبة!

اخر الأخبار