غازي حمد : عقدتان حلهما بيد الرئيس عباس .. المفاوضات والمصالحة

13:43 2013-11-10

أمد/ غزة: كتب القيادي في حركة حماس الدكتور غازي حمد مقالةّ ، قال فيها أن بيد الرئيس محمود عباس انجاح المصالحة وحل عقدة المفاوضات ، وجاء في مقالته التي نشرها اليوم الاحد على وسائل الاعلام :

(1)

هناك فرق نحن أمام معضلة ( لا مفاوضات ناجحة ولا مصالحة منجزة ), بمعنى بسيط : مصيرنا السياسي مجهول .. والبيت الفلسطيني مهدد بمزيد من الازمات والضياع . لكن هناك فرق : المفاوضات عليها شبه اجماع وطني بالرفض , والمصالحة عليها اجماع وطني بالقبول . المفاوضات محكوم عليها بالفشل لان اسرائيل تقوض بنيانها من القواعد , والسلطة عاجزة عن استبدال الفشل ولو بأمل كاذب , والشعب والفصائل لم يعد له أدنى ثقة بها , أما المصالحة , فرغم عثراتها , الا انها مطلب وطني قابل للنجاح والتحقيق , فأي الفريقين أحق بالجدية والاهتمام ؟ المشكلة تبدو في حالة الخلط بين الاثنين مما ينتج " طبخة" لا طعم لها ولا مذاق !! الرئيس أبو مازن له حساباته السياسية الحساسة و"المشربكة" جدا , يوازن بها بين مستقبل التفاوض (المجبر عليه والمحبط منه) وبين المصالحة ( المتعشم لها والمتوجس منها) , لكنه في نهاية المطاف لم ينل هذه ولا تلك , وبقيت كلاهما مثل امرأتين مطلقتين معلقتين , ربما لان حساباته " لم تزبط " !! حماس نفضت يدها من المفاوضات وطلبت ايقافها , وهي مطالبة بأن تقدم بديلا سياسيا واقعيا ومقبولا على المجموع الوطني , وفي نفس الوقت حركت عجلة المصالحة من خلال حراك ايجابي مع القوى السياسية , يحتاج الى ان يستمر بقوة ودافعية أكبر تزيل الشك من رأس من يعتقدون ان حماس متشبثة بالحكم ومعرضة عن المصالحة.

(2)

 أزمة تلازم بين التفاوض والمصالحة كنت سؤال نفسي سؤالا ساذجا لكنه واقعي .." اذا كان الرئيس ابو مازن قد تحمل ضغوطا هائلة , وقرر ان يعود للمفاوضات لتسعة أشهر (حمل كامل) مع قناعته انه حمل كاذب لن يلد الا ريحا , وان مفاوضيه يُجرون اليها بالسلاسل , وصبر على أذى المستوطنات وتصريحات نتنياهو الكريهة بأنه لن يقدم تنازلات للفلسطينيين , لماذا لم يصنع الشيء نفسه – أو أقل من ذلك - مع مسيرة المصالحة ويتحمل قليلا من( تعب) حماس وطلباتها .. لماذا لم يقرر العودة الى المصالحة (رغم الضغوط الشعبية الهائلة لانجازها ) بلا شروط , وان يستمر بها , ليس لتسعة اشهر, لكن لثلاثة فقط كفيلة بإخراجها من حالة الجمود ؟؟

(3)

ما الذي جنته السلطة ؟؟حينما نسأل انفسنا بصراحة ودون تحيز , وبحسبة الارقام والحقائق :( ما الذي جنته السلطة الفلسطينية بعد سنوات طويلة من التفاوض ..ما الذي يجعلها معلقة بهذا الحبل السري ؟) .لنسمع مبررات السلطة للاستمرار في المفاوضات : نريد تجنب الضغوط الدولية .. تجنب الملامة بأننا مسئولون عن فشل مسار التفاوض .. تجنب العقوبات المالية والاقتصادية المحتمل فرضها من قبل تل ابيب وواشنطن , ثم السبب الرئيس انه لا يوجد لدينا خيار اخر .

 هل هي مبررات كافية ومقنعة ؟ أم انها سياسة هروب الى الامام ؟!! .الأدهى من ذلك وجود قناعة قوية لدى السلطة وقيادة فتح بان المفاوضات لن تقود الى مخرج سياسي رغم النشاط الدبلوماسي الامريكي والاحتضان الاوروبي وتشجيع دول "الاعتدال" العربي .اذن لماذا المشي في التيه ولماذا الاتكاء على أوهام ؟النهج السياسي للرئيس عباس , منذ عقود , لم يتغير على المستوى الاستراتيجي أو التكتيكي , وهنا مكمن الخطورة , اذ اتبع نهج "الخط الاحادي (التفاوضي السلمي ) مع دولة عنجهية متغطرسة , تكذب وتخدع , ولا تستحي ولا تؤمن الا بمصلحتها ومستوطناتها .. فما الذي يجبره ان يقيد يديه بنفسه اذا كان الله قد فتح له من الخيارات الكثير , ووضع بين يديه أوراق قوة لم يستخدمها ولم يستثمرها .. ما الذي يجبره ان يقعد على رصيف المفاوضات دون أمل ؟ لا يريد الرئيس عباس تغيير جياده في المعركة وكسر حلقة التفاوض والذهاب الى مواجهة مع الاحتلال .

 حتى اللجوء الى المؤسسات الدولية فان الرئيس عباس يذهب بأيدي مقيدة وجهد خجول لا يحشر اسرائيل " في الزاوية " ولا يصنع حقائق على الارض, واخشى ان المجتمع الدولي يشارك في " صناعة الوهم " للسلطة وتغميض العين عن جرائم اسرائيل , ويمنحها طمأنينة انه لن يجري معاقبتها على تقويض عملية السلام الا "بوخزات" صغيرة مثل وضع Labels على منتجات المستوطنات !! هذا مثل الذي يحرمون قتل الشعب السوري بالكيماوي لكنهم يسمحون للنظام بقتله بالمدافع والطائرات وبراميل النابالم .. موت أهون من موت !!ان مبررات السلطة سبق أن أعيد استنساخها واستهلاكها مئات المرات , وهي لا تمل من اجترارها, فما الذي يجعل السلطة تضع نفسها بنفسها في قفص الاتهام كي تدافع عن مواقفها وعن تجارة بائرة لا مستقبل لها ؟.

 ان اسرائيل نفسها اصبحت تستمرئ هذه اللعبة , لأنها لا تسمع ولا ترى من السلطة الا الشكوى والتذمر , ومن الاوربيين الا الاحتجاج الناعم , ومن الامريكان الا غض الطرف ,ومن ثم يقول نتنياهو لمفاوضيه " اكسبوا الوقت ولا تعطوهم شيئا ..لاعبوهم بالحجر والبيضة ..سنبني مزيدا من المستوطنات رغم انفهم "!!السلطة بحاجة الى قرار جرئ للخروج من هذا المستنقع الاسن الذي طال أمده ومن هذه اللعبة الخاسرة . صحيح ان السياسة لها حساباتها وتوازناتها ومناوراتها , لكن هذه لم تعد كذلك , وتعدت الى ان تكون حالة احباط وفشل مزر, ومظلة لدولة الاحتلال لممارسة الخديعة والكذب . لكن السؤال : هل يملك الرئيس الشجاعة والقدرة لكي يفعل ذلك , أم انه سينتظر الى نهاية الحمل الكاذب لكي يبرهن للامريكان والاروبيين ان اسرائيل تتحمل فشل المفاوضات ؟؟ ولو فعل ذلك فأي نصر حققناه وأي انجاز فعلناه , وأي تغيير يترتب على ذلك..؟؟ هل سيأتي الرئيس بعد هذا ليقول انه صمد ولم يتنازل ؟؟ هل " سيحرد " ويعود ليقرر وقف التفاوض مرة اخرى ؟؟ هل سيقرر ان يوجه قبلته الى الامم المتحدة التي تغط في نوم عميق عن سرطان الاستيطان وتأزم المفاوضات . ان الجدران مسدودة في الاتجاهات الاربع , ما من باب ولا نافذة .

(4)

 لا أرباح ..لا نتائج ..لا بدائلالرئيس يجد سلواه من انغلاق الأفق التفاوضي في زياراته الخارجية التي ضربت رقما قياسيا. مقابلة " مثمرة " مع اوباما .. كلام جميل من اشتون , واخر من ميريكل ومقابلة دافئة مع اولاند ودعم سياسي من كاميرون, ليعود ليقول ان العالم يتفهم موقف السلطة !! لكن لا شيء على الارض .. لا شيء !! ان هؤلاء يمارسون النفاق السياسي على أعلى مستوى من الحنكة والتسويق !!يمكن القول يقينا ان السلطة لا تملك " بدائل استراتيجية " للخروج عن جبهة التفاوض السلمي مع دولة الاستيطان , ويبدو ان زيارات الرئيس الى العواصم الاوروبية والبيت الابيض وعواصم " الاعتدال العربي " أقنعته بقوة الا يتحول عن الخط الذي يسير فيه مهما كان الثمن كبيرا ومهما كانت النتائج متواضعة !! الرئيس يسمع من الامريكان والأوروبيين أكثر مما يسمع من شعبه !!من البديهي ان نسأل أي شركة تجارية : كم تربح في السنة ؟. ومن البديهي ان نسأل السلطة عن ربحها من "تجارة " المفاوضات : كم حجرا زحزحته من المستوطنات .. كم مترا من الارض منعت سلطات الاحتلال والمستوطنين من الاستيلاء عليه؟؟ .. كم بيت مقدسيا منعت هدمه أو الاستيلاء عليه ؟؟ الى مدى نجحت في تغيير الرأي العام الاسرائيلي ( بعد الخطابات الكثيرة للرئيس ) في تغيير موقفه من حكومته أو من السلام ..

كم نجح الرئيس عباس في فرض قواعد جديدة في فن التفاوض والمناورة لجلب مزيد من الضغوط على الاحتلال لإبداء مرونة او التراجع درجة عن حدة الاستيطان او التخلي عن " ثوابته" ( لا عودة الى حدود عام 67 ولا تنازل عن القدس عاصمة لاسرائيل ولا قبول بحق العودة ) ؟؟ والسؤال الاهم من هذا كله : كم أقنعت الشعب الفلسطيني أنها على صواب ؟؟وأيضا نسأل في المقابل , كم خسرت السلطة : كم خسرت من مصداقيتها السياسية .. كم خسرت من التأييد الشعبي والفصائلي ..ان الرئيس بحاجة الى قرار " عرفاتي " شجاع يكسر هذا الروتين القاتل والممل , وهذه الحلقة المغلقة والفارغة , وقبلها الاعتراف أمام الشعب انه فعل ما استطاع ولم يعد أمامه ما يقدمه . لا يجب ان يخجل الرئيس من الاعتراف بالفشل , لان هذا خير له من ان يسجل في صفحاته أنه أمضى حياته مفاوضا بلا نتيجة !!

(5)

 المصالحة وحسابات الرئيس حتى في المصالحة !! الرئيس يمارس السياسة نفسها : الموازنة بين المتناقضات .. الحسابات الكثيرة .. الانتظار .. التأني ثم الاستماع الى سيمفونية بعض الخصوم الذين لا يرون في المصالحة خيارا. قلتها دائما ان مشكلة الرئيس انه يضع قدما في المصالحة وقدما في التفاوض . يرسل المبعوثين الى غزة لجس النبض وإعطاء حماس جرعات للانتظار دون ان يقول صراحة "لا " .. يبقى شعرة المصالحة قائمة لكن هذه الشعرة لا تصمد طويلا .طبيعة الرئيس انه لا يغير أحصنته بسرعة. يقلب الامور كثيرا .. يطيل الحسبة .. ثم يقرر ان يبقى الامور على حالها : التفاوض والمصالحة على حد سواء .

 وهي معادلة أثبتت انها عقيمة .يقولون ان الرئيس يتعرض لضغوط كبيرة من دول لعدم الذهاب الى مصالحة مع حماس . في بعض الاحيان يقولون انه يرفض هذا المنطق ويصر على ان المصالحة اتية لا ريب فيها , لكن على ارض الواقع الرئيس يتجاهل كثير من الاشارات والمبادرات والرسائل التي تقول له بوضوح ان حماس تريد المصالحة , ليس عن ضعف ولكن عن قناعة وطنية. هناك من تسول له نفسه ان يهمس في أذن الرئيس " دع حماس تغرق .. انهم في أزمة .. مالك ومال غزة .. لماذا (تتعبط ) مسئولية اربعين الف موظف تدفع لهم حماس اكثر من خمسين مليون دولار شهريا .. لا تتعب نفسك بشأن غزة (بدري عليها ) فإنها لا تعاني من احتلال ولا من استيطان .. بإمكانك السير في التفاوض دون مضايقة حماس او مراهقتها السياسية .. حماس ستزاحمك في منظمة التحرير !! وكلها ترهات لا تنم عن وطنية ولا عن فهم صحيح للحالة .

من يتعامل مع المصالحة على انها توازن بين قوة هذا الطرف او ضعف ذاك, ثم يترجم ذلك كنوع من الشماتة , فهذا ينم عن انحسار اخلاقي وغباء سياسي مدقع . ليست المشكلة في الحديث عن أزمة لدى حماس لكن المشكلة في تجنيدها واستغلالها بطريقة قبيحة ووقحة .. تجنيدها لقتل المصالحة أو تجميدها . حماس منذ نشأتها الى اليوم وهي تواجه أزمات وتحديات , كبيرة وخطيرة , بل هناك من يصفها بأنها " بنت أزمات" , بمعنى تعودت عليها !! ولا أبرئ حماس من تحمل جزء من سبب بعض هذه الازمات .

 هذا يملي على حماس ان تطور من قدرات سياسية تجنبها أولا الوقوع في الازمات ,و ثانيا تعطيها رؤية أوسع في التعاطي معها للخروج منها بأقل الخسائر .

 كون حماس تركت قاعدتها القوية في سوريا وتأرجحت علاقتها بايران لفترة , وتأثرت لما حدث في مصر , فليس هذا معناه ان حماس ضعفت أو فقدت قوتها او انهارت كما يحلو للبعض ان يجنح بخياله . من يتصور ان علاقة حماس الخارجية مرهونة فقط بأنظمة وحكومات فهو بعيد عن الحقيقة , ومن يعتقد ان حماس تقفز بين حبال التحالفات بدون دراية أو بحثا عن مصالح حزبية فهو يفتقد للرؤية والفهم ** خلاصة عقدة المصالحة والمفاوضات بيد الرئيس وعليه ان يبحث عن حل لهما .معادلة الانتظار الطويلة – والمملة - لن تنجح ولن تجلب سوى مزيد من الخسارة . من يريد أن ينجح في مساره السياسي فليكن له قبل كل شيء غطاء وطني خصوصا من قبل الشعب والقوى السياسية , ومن يريد المصالحة فعليه ان بكسر حاجز التردد ويخرج عن المألوف . الحالة الفلسطينية لا تحتمل الانتظار الطويل , كما لا تحتمل المغامرات غير مضمونة النتائج .ملاحظة سريعة قبل ختم المقال : الذين يتحدثون كثيرا عن انتفاضة ثالثة عليهم ان يفكروا – قبل ذلك -عميقا عما اذا كان بامكانهم استثمار الانتفاضة لتحقيق مكاسب سياسية حتى لا يتحول الشعب الفلسطيني الى بنك دم فقط !!وليتذكروا اننا انجزنا انتفاضتين بعمر 12 سنة ولم تكن النتائج على قدر التضحيات الكبيرة والدماء التي سالت .