الإعلام وحروب الجيل الخامس

تابعنا على:   10:04 2021-12-04

د. محمد عمارة تقي الدين

أمد/ "أعطوني فضائية وخذوا العتاد العسكري الذي تريدون"، هكذا وبتلك المقولة صوَّر المخرج العالمي مصطفى العقاد الأهمية البالغة لوسائل الإعلام ودورها المركزي في التغيير، لكنَّ ذلك كان منذ عقود، وقبل أن يعتلي الإعلام قمة كل السلطات على الإطلاق مُبالغاً في تأثيره وفارضاً سطوته على الجميع.

 ومن دون شك فنحن نعيش الآن عصر سمته الأساسية القلق والاضطرابات السياسية وتصاعد ما يُسمّى بحروب الجيل الخامس حيث الإعلام التقليدي وغير التقليدي هو أداته الأكثر فتكاً.

ولكن ماذا يعني مفهوم حروب الجيل الخامس، وما هي أدواتها، وكيف يجري توظيف وسائل الإعلام بها؟ وما علاقتها بنظرية المؤامرة؟

 يتفق كثير من الباحثين على تقسيم الحروب لأجيال متعاقبة لكل منها أساليبه وسماته الخاصة، وهي:

حروب الجيل الأول: وفيها كانت الجيوش النظامية تحارب بعضها البعض، فهي الصورة التقليدية للحروب القديمة، وهو النظام من الحروب الذي بدأ بعد معاهدة ويستفاليا عام 1648م، تلك المعاهدة التي اعتبرها البعض تدشيناً لنشأة الدولة القومية الحديثة، والحروب النابليونية هي أبرز الأمثلة على هذا الجيل من الحروب.

حروب الجيل الثاني: فهي أشبه بحروب العصابات، والجيوش المتحاربة فيها كانت تتكتل في تحالفات، وتنتشر الجيوش بها في خطوط دفاعية وهجومية معاً، ومعارك الحرب العالمية الأولى هي أبرز الأمثلة على هذا الجيل من الحروب.

حروب الجيل الثالث: وهي حروب استباقية، أو حروب وقائية، أو أنها حرب المناورات واستخدام المدرعات والطائرات لنقل القوات لقلب جيش العدو، وتتسم بسرعة الحركة، وتوظيف عنصر المفاجأة، والحرب خلف خطوط العدو عبر إيجاد طابور خامس، وأبرز مثال عليها هو خطط الجيوش إبان الحرب العالمية الثانية.  

حروب الجيل الرابع: وقد اعتمدت على الميديا بشكل أساسي، أي وسائل الإعلام التقليدي منها أوالجديدة، وتتمتع باللامركزية إلى درجة كبيرة، وهي تقوم بعمليات الإرهاب والتخريب ونشر الفوضى وزعزعة الاستقرار ومفاقمة الدعوات الانفصالية والهجوم الفكري والثقافي عبر استخدام شبكات الاتصالات، وتتبدى في شكل تنظيمات منتشرة حول العالم لها خلايا نائمة تنشط لضرب مصالح من تعتقد أنه عدوها .

وتعتمد على  العامل النفسي بكثافة، وقد عرَّفها البروفسير ماكس ج مانوارينج    Max G. Manwaring  أستاذ الدراسات العسكرية والاستراتيجية بأنها:"الحرب التى تندلع لأجل إفشال الدولة وتقويض استقرارها ومن ثم يتهيأ المسرح لفرض واقع سياسي جديد".

 ومصطلح حروب الجيل الرابع تم استخدامه لأول مرة من قبل ويليام لِندWilliam Lind  وفريق باحثين مصاحب له بالولايات المتحدة عام 1989م في مقالة بحثية بعنوان "الوجه المتغير للحرب: نحو الجيل الرابع".    

حروب الجيل الخامس: (Fifth Generation Warfare)، وتُعرف اختصاراً هكذا (5GW)، ظهر هذا المصطلح في الغرب منذ بداية القرن الواحد والعشرين، وهي نسخة مطورة من حروب الجيل الرابع، إذ تهدف إلى احتلال عقول البشر بدلًا من احتلال الأرض، لإسقاط الدول من الداخل وتفتيتها، وتحويلها لمجموعات متناحرة تحارب بعضها، ونشر حالة من الإرباك عبر إشاعة الفوضى، كما يتم استخدام المواطنين كسلاح ضد دولتهم عبر إضعاف الانتماء وقتل الروح المعنوية لهؤلاء المواطنين.

وفي تلك الحروب يجري توظيف كل القوى الناعمة بشكل مكثف، فهدفها المركزي هو إفشال الدولة المستهدفة من دون تدخل عسكري، فهي تهاجم الشعوب بالأساس وليس الجيوش، وهي بمثابة حرب فكرية، تعتمد بشكل أساسي على بث الفتنة والشائعات بين الشعوب، واللعب على أوتار الخلافات الدينية أو العرقية أو المذهبية وغيرها، كما تسمى (الحروب بالوكالة)، إذ يخوضها وكلاء أو مرتزقة نيابة عن الجهة الفاعلة والمُخطِّطة لإجبار الدولة المستهدفة على الرضوخ لمطالب قد تتنافى مع مصالحها العامة.

أو عبر خلق دوامة من العنف(Vortex of Violence) والفوضي عبر توظيف كل من القوى التقليدية وغير التقليدية، غير أنها تبدأ عادة بإعلان حرب نفسية شاملة على الجهة المستهدفة، فالإحباط الذي تصنعه تلك الحرب النفسية، وفقاً للبعض، هو المحرك الأساسي لها، إذ يجري إلحاق هزيمة نفسية بالعدو عبر إيهامه بأن مقاومته لا جدوى منها وبالتالي يستسلم دون أدنى مقاومة، أي إحداث حالة من القصور الذاتي للدول وهو ما يؤذن بانهيارها الداخلي، من هنا يمكن أن نفهم قول الفيلسوف والخبير العسكري الصيني صن تزو مؤلف كتاب (فن الحرب) بهذا الشأن:" إن أعظم درجات المهارة هي تحطيم مقاومة العدو من  دون قتال".

كما يجري في تلك الحرب دعم أحد التنظيمات الإرهابية ماديًا وعسكرياً ومعلوماتياً ومن ثم توجيهه لتنفيذ عملياته الإرهابية ضد الدولة المستهدفة.

يرى البعض أن حروب الجيل الخامس هي في فلسفتها امتداد لنظرية عالم الاقتصاد والسياسة الأمريكي جوزيف شومبيتر حول التدمير والبناء distraction and creative))، تلك التي تبنتها كوندليزا رايس وزيرة الخارجية الأمريكية ومن ثم أطلقت تصريحها حول الفوضى الخلاقة(Creative Chaos) عام 2005 م، أي نشر الفوضى الخلاقة في الشرق الأوسط، ليتشكل على إثرها "الشرق الأوسط الجديد".

 جدير بالذكر أن مصطلح الفوضي الخلاقة هو مصطلح قديم، إذ كان يتردد في أدبيات الفكر الماسوني،  كذلك ذكره الكاتب الأمريكي الشهير دان براون في مؤلفاته.  

 لقد عرَّف توماس بارنت حروب الجيل الخامس بأنها القدرة على تعطيل كل من: دفاعات العدو، ووعيه بالخطر.

فهي حرب شاملة: حرب نفسية، وثقافية، واقتصادية، ومالية، وبيئية، وبيولوجية وفيروسية، يقودها الإعلام ووسائل الاتصال بصفة أساسية، كما تعد الحرب السيبرانية استراتيجية مركزية في حروب الجيل الخامس.

فأبرز ملامحها هو تراجع الأداة العسكرية كأداة مركزية وفاعلة في الصراع مقابل تصاعد دور الأدوات الإعلامية والمعلوماتية والاقتصادية والمالية وغيرها.

 يؤكد الجنرال المتقاعد توماس هامز، في كتابه "الحبال والصخرة"، الصادر عام ۲۰۰٦م، أن حركات الاحتجاج والتمرد، إذا ما تم توظيفها، يمكنها تحطيم الدولة من الداخل، كما يجري مهاجمة عقول صانعي القرار ومن ثم تحطيم إرادتهم السياسية، وتعمد الإضرار بالمصالح السياسية والإقتصادية والإجتماعية والعسكرية للدولة.

ويطلق عليها مسمى حرب المناطق الرمادية(Grey Zones) ، فلا هي حرب ولا هي سلم، أي هلامية الخطوط الفاصلة بين حالتي السلم والحرب، كذلك تسمى الحروب الهجينة(Hybrid Warfare)، حيث كل الوسائل مباحة: تقليدية وغير تقليدية فلا قيود عليها، فهي دمج تام لكل الإمكانات المتاحة:عسكرية أوغير عسكرية عبر توظيف كل ما يمكن توظيفه في ذلك، من حصار اقتصادي وضغط دولي، وتوظيف شائعات، وتمويل لجماعات ضغط، سواء كانت سياسية أو مسلحة.

 لقد أضحت مواقع التواصل الاجتماعي ساحات مفتوحة لشن الحروب العقلية والنفسية والمعلوماتية، بل إن الأقمار الصناعية جرى توظيفها في تلك الحروب عبر المساهمة في خدمات التجسس وشل القدرات الإلكترونية للعدو وغيرها.

وتعد الحرب النفسية من أهم أساليب ووسائل كسر الإرادة  وإحداث قدر هائل من الفوضى، يقول الزعيم البريطاني تشرشل:"كثيراً ما غيّرت الحرب النفسية وجه التاريخ" مؤكداً الأهمية البالغة للحرب النفسية كواحدة من محددات دفع عجلة التاريخ، ومن دون شك فالشائعة هي واحدة من أقوى أساليب الحرب النفسية بل هي أهمها على الإطلاق.

 تتحدث المرويات التاريخية القديمة، وكما يذكر محمود أبو النيل، عن استخدام نيرون سلاح الشائعة بعد أن أحرق روما، إذ بث شائعة تتهم المسيحيين الذين كانوا يعيشون داخل روما وقتها بأنهم من أشعلوا تلك النيران، وكان نتيجة ذلك أن طارد مؤيدوه المسيحيين وقتلوا عدداً كبيراً منهم.

 كما وظّف المغول سلاح الشائعة في حروبهم فكانت البلدان تنهزم لهم حتى قبل أن يدخلوها، لترويجهم الشائعات حول قوتهم الأسطورية وما يرتكبوه من مجازر بحق من لا يخضع لهم.

 وفي الحرب العالمية الثانية عمدت ألمانيا إلى تسريب شائعة تقول أن القوات البريطانية تمكنت من تدمير محطة قطار برلين، ومن ثم تناقلتها وسائل الإعلام البريطانية باعتبارها انتصاراً كبيراً، إلا أن السلطات الألمانية دعت صحفيي العالم لمشاهدة المحطة والتي كانت سليمة تماماً وتعمل بطاقتها القصوى فاهتزت الثقة بالإعلام البريطاني عبر تلك الشائعة.

وهناك شائعة المخزن رقم 13 التي روج لها جوبلز وزير إعلام هتلر بأن هذا المخزن يحوي كماً كبيراً من الأسلحة المتطورة والفتاكة التي من شأنها القضاء على الأعداء وإبادتهم بشكل نهائي، كما ترددت شائعة تقول أن الألمان يقومون بغلي الجثث في قدور ويصنعون منها الصابون.

وفي تلك الحرب، حروب الجيل الخامس، يجري استخدام الشبكات الرقمية بصورة مكثفة في إدارة المعارك في ساحات شتى هي: البر والبحر والجو والفضاء الكوني والفضاء الإلكتروني، حيث القدرة على تنفيذ الأعمال الإرهابية والتخريبية عبر توظيف شبكة المعلومات الدولية في ذلك، وهو ما يطلق عليه الحرب الرقمية.

 وهي غزو ثقافي وفكري مطبق، ومن ثم يطلقون عليها(حرب احتلال العقول)، يقول أحد الباحثين :" هى حرب يتم فيها احتلال عقلك لا احتلال أرضك ... وبعد أن يتم احتلالك ستتكفل أنت بالباقى ... ستجد نفسك فى ميدان معركة لا تعرف فيها خصمك الحقيقى ... إنها حرب ستطلق فيها النار فى كل اتجاه ... لكن يصعب عليك أن تصيب عدوك الحقيقى ...إنها حرب تستخدمك أنت فى قتل ذاتك وروحك ... وفى النهاية ستجد نفسك وقد كنت تحارب بالوكالة لصالح آخرين".

ويضيف آخر: " في تلك الحرب تتلاشى الحدود بين ما يعد سلاحاً وما لا يعد سلاحاً، وبين ما يشكل أرضاً للمعركة وما لا يعد مسرحاً لها، وبين المقاتلين والمدنيين، وبين الدول والفاعلين من غير الدول، وبين ما يعد أفعالاً أخلاقية أو إجرامية وما لا يعد كذلك."

 ومن ثم يؤكد البروفيسور (ماكس مانوارينج) الباحث في الإستراتيجية العسكرية الأمريكية أن مهمة تلك النوعية من الحروب هي: "إنهاك إرادة الدولة المستهدَفة ببطء وبثبات وصولاً لتآكلها ومن ثم إرغامها على الرضوخ لإرادة أعدائها في النهاية، إذ يجرى اختطافها، والتحكم الفكري والسياسي بها".

ويُعد التفجير من الداخل هو الاستراتيجية الأكثر نجاعة في تلك الحروب لأجل هزيمة الخصوم، كما أنها حرب أشباح حيث انعدام اليقين حول الجهات المتورطة فيها والمُحرِّكة لها، يقول الباحث شادي منصور:" في بعض الأحيان، لا تدرك الدولة المستهدفة أنها في حالة حرب، فأحد السمات الأساسية لحروب الجيل الخامس هو تلاشي الحدود بين ما يُعد أرضاً للمعركة وما ليس أرضاً لها، وأضحت معامل الأبحاث والبورصات ووسائل الإعلام والمراكز الدينية والمؤسسات الاقتصادية والفضاء الإلكتروني وغيرها، بمنزلة ساحات للمعارك وإدارة الصراعات".

وتعد استراتيجية إغراق الدول المستهدفة بالمواد المخدرة من أجل تغييب وعي المجتمعات واحدة من الاستراتيجيات التي يجري الاعتماد عليها بشكل كبير في تلك الحرب.  

 أو عبر بث الخطابات المدبجة بالدين أو الطائفة أو المذهب أوالعرق أو حقوق الأقليات أو حقوق الإنسان، فهي مبادئ أو حقوق عامة تبدو منطقية وإنسانية جداً، ولكنها في النهاية يتم توظيفها لتفجير المجتمعات من الداخل وتعميق تناقضاتها.

يصف الكاتب الأمريكي جون روب تلك الحرب بأنها: "حرب تدار بأسلوب التدمير الفجائي لقوى الخصم معنوياً ونفسياً، بإطلاق عملية من شأنها إشاعة الإحباط لدى الخصم عبر الفضاء الالكتروني لنشر مشاعر الخوف، وفقدان الثقة بالنفس لدى المجتمع"، ويضيف العقيد فى القوات البحرية الأمريكية توماس هامز:" لقد صار العديد من الأفراد أكثر ارتباطًا بما يثار على شبكة الإنترنت على حساب الاهتمام بالمشاكل الحقيقية لمجتمعاتهم"، لذا فالفضاء الإلكتروني هو ساحتها المركزية.

وفي التحليل الأخير، ليس أمامنا إلا أن نُقِرّ أن الإعلام الجديد هو رأس حربة حروب الجيل الخامس، هكذا جرى توظيفه، إذ أضحت مواقع التواصل الإجتماعي هي مصدر الأخبار والمعلومات الأساسي، ليس فقط للجمهور بل للصحف والقنوات الفضائية التي أخذت تنقل عنها بشكل متزايد.

 كل هذا في ظل عدد لا نهائي من الشائعات والأخبار المغلوطة التي يجري ضخها في هذه الوسائل الإعلامية كل لحظة، والتي تجد طريقها للانتشار السريع بشكل يفوق الأخبار الصادقة، ففي بحث أجراه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بالولايات المتحدة الأمريكية، جاءت واحدة من نتائجه تقول: الأخبار الكاذبة تجد طريقها للانتشار على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة أسرع بما يقارب ستة أضعاف مقارنة بالأخبار الحقيقية.

من هنا حتمية وضع استراتيجية إعلامية شاملة من أجل الاشتباك مع هذا الواقع الجديد، لمواجهة وتفنيد أكاذيب وسائل الإعلام التي تمارس صناعة الإحباط وتصدير اليأس، كما أن على تلك الاستراتيجية تبعة تقويض المحتوى المتطرف والمحرض على الكراهية والانقسام الديني والعرقي والمذهبي بخطاب عقلاني يدعو لإرساء قيم المحبة والتسامح والتعاضد بين بني الإنسان.

فهل بالإمكان وضع ميثاق شرف إعلامي دولي تتبناه الأمم المتحدة وينطلق بصفة أساسية من القيم الإنسانية العامة: قيم الحق والخير والجمال؟ ذلك ما ندعو الجميع للتضافر من أجل إنجازه.   

ولكن علينا أن نحذر، كل الحذر، من التوظيف المفرط لنظرية المؤامرة وتضخيم الأمر، عبر الترويج لأن تلك الحروب، حروب الجيل الخامس، تدور في إطار مؤامرة كبرى، ومن ثم، وباسمها، وبذريعة التصدي لها يجري العصف بكل قيم العدالة والحريات وحقوق الإنسان بحجة أن (لا صوت يعلو فوق صوت المعركة)، وإنما علينا أن نتفاعل مع هذا الواقع الجديد بما يفرضه علينا من تحديات ويمليه علينا من إكراهات دون تهويل أو تهوين.

فالأمر ليس مؤامرة كونية كبرى وفي الوقت ذاته هو تحد حقيقي لا يجب السكوت عنه، أي أن نلتزم قاعدة الوسط الذهبي، كما ذهب أرسطو، حيث الاعتدال في رد الفعل من دون إفراط أو تفريط ونحن نحاول الاشتباك مع هذا الواقع الجديد الذي فرضته علينا مستجدات ما بعد الحداثة.

هذا لا يقلل من أهمية اتخاذ كل التدابير المعلوماتية والأمنية وغيرها أو عقد مؤتمرات وتحالفات لأجل مواجهتها، وبناء استراتيجيات مضادة من شأنها تبصير المجتمعات بحقيقة تلك الحروب وسبل التصدي لها.

ولكن قبل هذا كله يتحتم إطلاق جرعة مكثفة من الحرية والعدالة الاجتماعية في شرايين المجتمع وإتاحة المعلومات بشفافية للجميع عبر إصدار التشريعات الضامنة لذلك، ففي ذلك المناخ المتسربل بالحرية المسئولة لن تجد استراتيجيات حروب الجيل الخامس تربتها الخصبة التي يمكن أن تترعرع بها.

فالملاحظة المركزية هنا أن المجتمعات الأكثر عرضة للتدمير جراء تلك الحروب هي المجتمعات التي تفتقد للحد الأدنى من الحريات والعدالة الاجتماعية واحترام حقوق الإنسان.    

كما منطقي والتفريق بين خبيث الرسالة الإعلامية وثمينها(للمزيد بهذا الشأن راجع كتاب: محمد عمارة تقي الدين: الإعلام ومعركة الوعي: تفكيك آليات الخداع الجماهيري).

وفي النهاية، علينا أن نُعيد الاعتبار للإعلام كأداة بناء وليس وسيلة هدم، بناء الوعى العام الذي هو إنساني وقيمي بالضرورة، وذلك إذا ما أرادت البشرية الخروج من هذا النفق المظلم الذي ولجته في لحظة غاب عقلها ومات قلبها، ولاضوء يلوح في الأفق حتى الآن في ظل ثبات المعطيات الحالية التي يتحتم دفعها نحو مسار أكثر إنسانية وتراحمية.