في رحاب مدينتي "بيت لاهيا"

تابعنا على:   07:29 2021-11-28

د.حكمت المصري

أمد/ جملةٌ تتردد بين جنبات وأزقة وشوارع بيت لاهيا، من فئاتها المختلفة بكل الاعمار والأوقات، (تفضل نزقيك شاي) هذه الجملةُ البسيطة توحى لك بأنّ صفة الكرم هي صفةٌ متأصلة في خلايا هؤلاء الناس البسطاء والفلاحين، الذين رغم ما مر عليهم من تغيراتٍ وتطوراتٍ وزيادةٍ في نسبة التعليم، إلا أن هذه العادات ما زالت مستمرة فيهم: الكرم، حسن الاستقبال، البشاشة، حب الغير، التعاون، التكافل، العطاء، التسامح وغيرها من الخصال الحميدة التي لا يختلف عليها اثنان ممن عاشروا وتعاملوا مع أهل هذه المدينة الطيب أهلها والتي تستحق ما أطلقه عليها البعض بأنها: (المدينة الواعدة ذات الأسرة الواحدة).
بالأمس القريب كنت أمشي في أحد شوارع المدينة، فإذ بسيدةٍ عجوزٍ تجلس أمام منزلها، ألقيتُ عليها السلام، ورغم كبر سنها إلا أنّها وقفت لتسلم على مسرورةً، وأخذت تسأل عن: أبنائي، وبناتي، وأمي، فأيقنت حينها أن الذاكرة لا تسعفها لتذكر العديد من الأشياء؛ لكنني قمت بمجاراتها في الإجابة دون أن أشعرها بشيء.
انتهى الحديث بيننا فطلبتْ مني الدخول؛ لتناول الشاي (تفضلي نزقيك كباية شاي) فرفضت وشكرتها، ولكنها أصرت وأصرت دون جدوى حتى تركتها، وأكملت طريقي وأنا أفكر في كلام بعض النسوة عنها قبل فترة بأنّ "الزهايمر" قد أخذ من ذاكرتها ما أخذ.
كنت أتسأل كيف نسيت كل شيء وبقي الكرم شامخاً في ذاكرتها التي تشبه ذاكرة السمكة؟!
واصلت طريقي وأنا أتلقى الدعوة تلو الأخرى أما لشرب الشاي أو القهوة؛ فقلت في نفسي الحمد لله الذي أكرمني لأكون ابنة هذه المدينة التي أصبح حرى أنه نطلق فيها شعار "هذه المدينة التي لا يجوع فيها غريب" والقصص التي تؤكد هذا الأمر كثيرة وكثيرة.
كيف لا؟ وهي التي يتصف أهلها بالجود والكرم والطيبة والتسامح وتربطهم علاقات اجتماعية قوية في الأفراح والأتراح وما زالوا يطبقون سنة نبي الله -صل الله عليه وسلم- في إعداد الطعام لأهل كل متوفي في المدينة امتثالاً لقول نبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- : (اصنعوا لآلِ جعفر طعامهم، فقد أتاهم ما يشغلهم)، وهذه العادة ما زالت حتى يومنا هذا.
وإذا انتقلنا للحديث عن الموروثات الشعبية والأمثال الفلسطينية التي تردد في فلسطين فمنها: "من شابه أباه فما ظلم"، و"ثلثين الولد لخاله"، "اقلب الجرة ع تمها تطلع البنت لأمها"، هذه الأمثال أكدت من علم الوراثة الذي ينسب نصف الصفات الوراثية للأم والنصف الآخر للأب بشكل متساوي.
أيضاً من أمتلك بعض الصفات كـ: الكرم أو الصدق أو التسامح أو أي صفة كانت ايجابية أم سلبية؛ فإن هذه الصفة ستنعكس على خلايا الإنسان العصبية، ثم ستتكون على إثرها جينات تحمل تلك الصفة، وبالتالي تنتقل إلى الأجيال، وهذا ما أكده القرآن الكريم في قوله تعالى: (إنّ الله اصطفى آدم ونوح وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين) فسبحان الخالق المصور الذي قال في كتابه العزيز {وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ}.
لمن لا يعرف (بيت لاهيا) فهي مدينةٌ تبعد عن مدينة غزة بحوالي (6 كم) تلك البقعة الخضراء التي تقع أقصى شمال غزة تبلغ مساحتها الجغرافية (21000كم) رغم أن مساحتها كان تقدر بـ (509 كم) قبل عام 1948 م، ويزيد عدد سكانها عن (100000) نسمة، يحدها من الشمال قرية (هريبا) المهجرة ومن الجنوب مدينة جباليا ومن الشرق مدينة بيت حانون ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط.
سميت بهذا الاسم لأنها كانت بيتاً ومكاناً للآله في العهد الروماني، حسب ما ذكر المؤرخ الروماني (زمانوس)، وقد وجدت بعض بقايا الآثار القديمة التي تؤكد ذلك.
اشتهرت مدينة بيت لاهيا قديماً بزراعة (التفاح اللهواني) الذي كانت رائحته تفوح في المدينة والقري المجاورة، بالإضافة إلى أشجار الجميز والتوت البلدي الحمضيات واللوزيات والخضروات المتنوعة، وتمتاز بالمياه الحلوة والتربة الرملية. أما الآن فأكثر مزروعاتها من (الفراولة)؛ لذلك يطلق عليها منذ سنوات اسم مدينة (الذهب الأحمر).
هذه بيت لاهيا الجميلة بكل ما فيها، والتي قال فيها شاعرها المرحوم (عمر خليل عمر):
"حي عند الصباح بيت لاهيا..
وتأمل وقل بها أوصافا..
عانقن الأثلة القديمة فيها..
واحتضن في ساحتها صفصافا".

اخر الأخبار