ذاكرة السادس من أكتوبر!!!

تابعنا على:   00:33 2013-10-06

يحيى رباح

أعتقد أن كل إنسان عربي يدرك و لو بالحد الأدنى ماذا يدور جوله في العالم، و متصالح و لو بالحد الأدنى لأنسابه العربية، لابد أن يشعر بالاعتزاز و المسئولية تجاه ذلك الانتصار الخارق الذي تحقق على يد الجيشين المصري و السوري في السادس من شهر تشرين أول أكتوبر 1973، فلقد كانت الأمة العربية بكل ملامحها و مكوناتها و موروثها الحضاري تواجه محنة كبيرة في السنوا الست العجاف التي سبقت الانتصار العظيم، ذلك أنه بعد هزيمة الخامس من حزيران أشتغلت كل معاول الهدم من القوى الداخلية المعادية و من الأمم التي تحمل في جيناتها ثارات قاسية مع أمتنا، و لقد بلغ الاستهتار إلى حد أن أحد أبرز جنرالات إسرائيل "موسى ديان" كان يردد بنوع من فقدان التوازن العاطفي أنه يجلس إلى جانب الهاتف منتظراً أن يقرع جرس ذلك الهاتف ليجد على الخط الآخر القادة العرب يطلبون الاستسلام دون قيد أو شرط.

انتصار أكتوبر لم يحطم فقط أسطورة النصر الإسرائيلي و أسطورة الهزيمة العربية بل إنه أعاد صياغة المعادلة بشكلها الحقيقي، بأن عوامل القوة و هي عوامل متغيرة في المكان و الزمان، و أن من يمتلكها اليوم قد يفقدها غداً، و هذا ما حدث مع الإسرائيلين و حلفائهم، فقدوجدوا أنفسهم فجأة تحت ضغط فقدان القوة و لم يعد في وسعهم سوى الاستغاثة التاريخية البائسة بنفس القوى التي إخترعتهم من الخرافة.

و الأهم في اتصار أكتوبر:

أنه لا ينتمي إلى أي عنصر غيبي، و لم ندخل فيه و لو بنسبة واحد في المليون قوة الصدفة، بل هو القرار الشجاع، و قوة التخطيط المحكم لدرجة أن عشرات الآلاف من الجنود المصريين و السوريين الذين قاموا بالقفزة الأولى، كان كل واحد منهم من أكبر جنرال إلى أصغر جندي كان يعرف ما الذي يجب أن يقوم به، و أن ذلك الانتصار استثمر بالحد الأقصى كل الإمكانيات المتاحة في تلك الحرب، ليس فقط على مستوى السلاح بأنواعه، بل كذلك التمويه و الخداع الإستراتيجي و السرية المطلقة و إحداث المفاجآت التي هي جزء من آليات الحرب نفسها.

و أنه في ذلك الانتصار التاريخي، فإن الأمة استنفرت جيوشها فكان الفعل العربي قوياً و حاسماً في إنجاز ذلك الانتصار المذهل، فقد احتشدت الأمة بمستويات متعددة لتؤكد قدرتها على الحياة و الحضور، و أنها حين تقرر أن تنتصر فإنها تصبح بالفعل قادرة على ذلك.

اعتبر نفسي واحداً من أجيال ذلك الانتصار، و واحداً من جنوده أيضاً، فقد كنت المفوض السياسي للكتيبة الثانية من قوات العاصفة التي كانت ترابط في السفوح الغربية لجبل الشيخ في منطقة العرقوب، في راشيا الفخار و كفر شوبا و كفر حمام و الهبارية و مزارع شبعا حين بدأن الحرب، و رغم أن قوات فلسطينية كبيرة من جيش التحرير الفلسطيني و من قوات العاصفة كانت موجودة عملياتياً على جبهة قناة السويس و جبهة الجولان، لكننا استطعنا أيضاً المشاركة الفعالة في جبهة ثالثة هي جبهة جنوب لبنان، و اكن من حقنا أن نكون جزءاً من ذلك الانتصار الخارق و جزءاً من تداعياته أيضاً.

و على امتداد أربعين سنة بقيت أتابع ما قيل عن تلك الحرب، و عن بطولاتها من الجانب المصري و السوري، و قد قرأت اعترافات خطيرة لجنرالات إسرائيليين شاركوا في تلك الحرب و اعترفوا بما واجهوه فيها من مفاجأت صادمة و خسائر كبيرة، و إشادات محفوظة بالغيظ طبعاً للكفاءة العالية التي أدار بها الجيش المصري معركته في سيناء، و التي أدار بها الجيش السوري معركته في الجولان، و قرأت عن ما يشبه الأساطير نفذها الجيش المصري و السوري، كما قرأت من جانب بعض الساقطين و المنافقين و الرجعين في جسد هذه الأمة، أقاويلهم المريضة عن بطولات تلك الحرب، بأنها حرب متفق عليها، حرب تحريك لا تحرير، حرب لم تفعل شيئاً إلى آخر هذه المهاترات التي لا يتثبت بها سوى أقذر أنواع الأعداء الداخليين!!!

و لكن هؤلاء انثروا، و عادوا ثانية و اندثروا، و لا مصير لهم سوى الاندثار، فقد سمعنا صراخهم الأسود عن هزيمة عام 1967، كان كل فريق منهم له ثأر مع شعبه و أمته و بالتالي تحولوا إلى فريق دعاية مجاني لصناعة خرافة الجيش الإسرائيلي الذي لا يقهر، و عند اعتراف هذا الجيش الإسرائيلي نفسه بأنه قهر في ميادين القتال عاد المرجفون و المنافقون و التافهون يبحثون عن أقاويل ما أنزل الله بها من سلطان.

تحية لكل الرجال الشهداء و الأحياء الذين صنعوا انتصار أكتوبر، و تحية للأمة التي ساهمت في صنع هذا النصر و تستعيد ذاكراته اليوم لتأكيد حقها بالحياة.

[email protected]

[email protected]