مركز الزيتونة: إعداد ورقة عمل بعنوان "التَّغيُّرات التي طرأت على أوضاع الحركات والاتجاهات الإسلامية المشاركة في السلطة السياسية"

تابعنا على:   15:13 2021-09-28

مركز الزيتونة

أمد/ غزة: قدم مركز الزيتونة للدراسات والأبحاث، ورقة عمل من إعداد د. أسامة جمعة الأشقر، بعنوان: :التَّغيُّرات التي طرأت على أوضاع الحركات والاتجاهات الإسلامية المشاركة في السلطة السياسية وأثرها على حركات المقاومة الإسلامية الفلسطينية.

ورقة العمل:

مدخل عام:

لعل الإسلاميين هم الفئة الأكثر استفادة من ثورات الربيع العربي والأكثر حضوراً في أحداثها المتتالية، حيث استطاعوا بسرعة الانخراط فيها والوصول إلى الصدارة في إدارة مشهدها، بعد أن كانوا في جملة الأسباب للوصول إليها.

ونظراً لأن المجتمع قد تحرك هذه الحركة الكبيرة؛ فإن الزلزال السياسي قد فرض على الطبقات الحاكمة التعامل مع هذه الحركات، على الرغم من تخوّفاته الشديدة منها، باعتبارها الأقدر على المنافسة في قيادة البلدان، والأكثر حضوراً وشعبية وتنظيماً من غيرها.

وقد قدّمت الحركات الإسلامية نفسها بقناعات منفتحة تتمثل في اعتماد الديموقراطية سبيلاً للعمل السياسي، والتزام الاعتدال في النهج الفكري والسلوكي، ومواجهة الأفكار المتطرفة والعصبيات السياسية، والالتزام بحقوق الإنسان.

الأنظمة الشمولية في المقابل لم تجد مناصاً من التعامل المباشر مع هذه القوة الصاعدة المسنودة شعبياً دون أن تتغير قناعاتها الأساسية فيها، ونظراً لخبرة هذه الأنظمة في إدارة المجتمعات والمنظومات الأهليّة فقد عملت على استيعابها ورميها في أتون العمل السياسي الثقيل، ولا سيّما في مربع الخدمات والسلطة التنفيذية الميدانية، وهي المجالات التي يشتد النقد الشعبي فيها إزاء أيّ تقصير أو غفلة أو إهمال أو ضعف خبرة، وهو المربّع الأكثر عرضة للاتهام والتعريض والنقد مهما بلغت درجة الخدمة وجودتها.

والنتيجة الحتمية لهذه المشاركة هي في انخفاض إقبال الناس على هذه الحركات التي لم تجرّب في معظمها السلطة من قبل، فضعف حضورها، وضعفت قناعات الناس بإمكانية نجاحها.

وقد انخرطت بعض هذه الحركات في السلطة إلى حدّ التماهي معها، واتُّهمت بتجاوز الخطوط الحمراء لدى حاضنتها الشعبية المحافظة والمتدينة، بل وُجِّه الاتهام لبعض هذه الحركات بمحاولة علمنة الدين وقيمه، وإخراجه من المشهد السياسي، وتحويله إلى قضية جدلية تتنازعها النخب في المكاتبات.

ونلاحظ أن جميع الدول التي قبلت بمشاركة الإسلاميين في السلطة لم تقم بأيّ محاولة لإقامة جسور ثقة معها، بل كان السلوك القولي والفعليّ والنمط العام يكشف دائماً عن نزعة رافضة لمشاركتهم والسعي لإقصائهم وإفشالهم وإعادة إخراجهم، وتتفاوت هذه الدول في مستوى هذه النزعة، ولكنها تشترك جميعاً في فلسفة الاحتواء الحاسم أو المتدرج وصولاً إلى أدنى حضور ممكن وصولاً إلى الإلغاء أو هامش بقاء.

وفي العموم فإن الإسلاميين لديهم قدرة عالية على الصمود في الأزمات والصبر في المحن، ولديهم قناعات داخلية ومعتقدات راسخة تساعد على نمو مشاعر التحدي والإصرار لديهم مما يجعلهم خصوماً أشداء في العمل السياسي، لذلك يشتد استهدافهم وتتكاثر التحالفات الداخلية والخارجية المناوئة لهم؛ هذا الإصرار جعلهم يتجهون بعدة اتجاهات في السنوات العشر الماضية، وهي اتجاهات وصفيّة تقريبيّة حاولنا في تقريرها أن نجمع الأوصاف المتقاربة لكل اتجاه مع مثاله التقريبيّ، الذي يمكننا إلحاقه به مع إمكانية اشتراك المثال مع اتجاه آخر في بعض الأوصاف:

1. فهناك اتجاه براجماتي يدفعهم نحو مزيد من التنازلات على الصعيد الفكري والسياسي مما يمسّ بعض الثوابت، على اعتبار أنها تنازلات انتقالية مرحلية لها ما يبررها، ضمن فضاء المقاصد، وإكراهات السلطة، وضرورات المرحلة، وفقه التدرّج، واكتساب الخبرة القيادية، وتثبيت قيمة الحريات السياسية وعدم الانقطاع عن الجماهير، وأن المرحلة تتطلب اقتناص الفرص المتاحة، والتعامل مع التحديات المستجدّة، والقبول بوظيفة الديكور الأساسي أو ترس الماكينة الدوّارة أو حوش الدار، ولعل تجربة حركة النهضة التونسية وتجربة حزب العدالة والتنمية المغربي من أوضح الأمثلة على ذلك في تقدير كاتب هذه السطور، ولكن تطورات المشهد التونسي والمغربيّ القاضي بإقصاء هذين التنظيمين، مرة عبر إجراءات رئاسية غير دستورية، ومرة عبر إخراجهم من بوابة الانتخابات التي دخلوا منها، أضعفَ منطق هذا الاتجاه، وعزز منطق الاتجاهات الأخرى، وثبت لهم عدم القدرة على تحقيق معادلة "اللعب وفق قواعد الملكية، لَكن من دون الاصطفاف كليّاً مع القصر".[2]

2. وهناك اتجاه لم يعُدْ يؤمن بإمكانية المشاركة السياسية مع هذه الأنظمة مع قناعة هذه الحركات بالعمل السياسي، وترى أن المنطقة العربية والإسلامية ما تزال مسكونة بديكتاتورية قوية متحكّمة، وثقافة شعبية مهادِنة لا تدافع عن حقوقها السياسية الأساسية، وترفض المراجعات السياسية وتعدّها تراجعات، وأن الجميع في أزمة، وأنها معركة عضّ أصابع يجب الصمود فيها حتى النهاية وتحصينها وتقوية مناعاتها والالتفاف حولها، وأن جميع المحاولات للمشاركة السياسية المعتدلة وُوجهت باستبداد عنيف، ولم تستطع المشاركةُ فتْحَ أيّ نافذة في جدار الديكتاتورية السميك. وتعاملت هذه الحركات مع دعاة المراجعات الداخلية بسياسة متشددة تخدم الديكتاتوريات العربية، وتشيع التردد في الصف الداخلي والجيوب التنظيمية الضارة، وأضرّت بالمكوّن المتين المدرّب على مواجهة الديكتاتورية، وأنهم عزّزوا ما سموها بالتقشّرات اللِّحائيّة في الأجسام الداخلية؛ وبالتالي تندفع هذه الحركات نحو استئناف عملها الدعوي وتطوير أساليبها، وتجديد محاولات استئناف حراكها النقابي والمجتمعي وتطوير أدائها الحقوقي والإعلامي من منصات الخارج لإضعاف هذه الأنظمة ودفعها لتغيير سلوكها الشرس، وتمثل حركة الإخوان في مصر بعد الانقلاب على رئيسها نموذجاً لهذا الاتجاه.

3. وهناك حركات أخرى أيقنت أن المشاركة السياسية يجب أن تتأسس على نظام فوقيّ يزيل جميع العقبات من الأعلى نهائياً، ويقوم على تنزيل مبادئ الشراكة السياسية وفق رؤية مغايرة لكل الأنظمة، وأن هذا التنزيل يستلزم استخدام قوة قاهرة تفرض هذا النمط عبر مقاومة هذه الأنظمة وإزالتها، وليس إضعافها أو تفكيك سلوكها المعادي، مهما بلغت التضحيات، وتمثل حركة طالبان النموذج الأوضح لهذا الاتجاه. وهناك حركات عديدة باتت تعيد التنظير لهذا الاتجاه عبر بعض منصاتها غير الرسمية، لكنها عاجزة ولا تملك القدرة على التغيير، فتضاءلت تنظيمياً وعملياً وكادت تختفي عن العمل السياسي، أو خرجت منه، وتكيّفت مع ظرف الجمود أو السكون التنظيمي، وتبنت سياسة البقاء السلبي ضمن الظروف الراهنة. وبعضها قرر المشاركة العسكرية ضدّ الأنظمة والتشكيلات العسكرية المتنفذة حتى لو كانت قدراتها محدودة مثل الحركات الموجودة في ليبيا وسورية، كما شاركت في جميع التشكيلات السياسية المعارضة والائتلافات؛ ويبدو النموذج الأفغاني الطالباني الآن مغرياً جداً للتعبئة واستقطاب الشباب الغاضب المحافظ المندفع. ويتوقف نجاح النموذج على قدرة طالبان على رفع مستوى هذا النموذج من خلال ممارسة ناجحة على الأرض بعد سيطرتها الكاملة على السلطة.

4. وهناك حركات تموضعت في حالة مزدوجة من الانفراد والمشاركة مع قناعتها الكاملة بالمشاركة وسعيها الدائم لبلوغها، ولكنها أدركت أن أيّ مشاركة ستواجه بتعقيدات مركّبة داخلية وخارجية، وأنها يجب أن تكون محمية بقوة غالبة تمنع الاستفراد بها وإضعافها والقضاء عليها. وهذا النموذج المعقد، يتمثل كثيراً في حركة حماس التي سعت للمشاركة السياسية بكل قوتها لتحقيق برنامجها المقاوم على الأرض، وحاولت أن تستخرج حدوداً دنيا للتفاهم مع البرنامج المقابل لمنظمة التحرير الفلسطينية (م.ت.ف)، لمنع الوصول إلى أيّ حالة اشتباك تخدم العدو المشترك. فظلت حماس تدعو إلى مصالحات فلسطينية وبرنامج وطني مشترك على قاعدة المقاومة بكل مستوياتها، وفي الوقت نفسه مكّنت حضورها العسكري ونفوذها الشعبيّ واستفادت من شبكة علاقاتها لحماية مكتسباتها على الأرض. وهي معادلة صعبة، وما تزال تصارع لإحداث اختراق دون جدوى بالرغم من اقتراب هذه السياسة من عقدها العشرين في ظلّ ظروف معاكسة، وما تزال المعادلة التي أعلنها رئيس المكتب السياسي لحماس الأستاذ خالد مشعل بعد فوز الحركة في انتخابات المجلس التشريعي سنة 2006: "كما أبدعت حماس في المقاومة فإنها قادرة على الإبداع في الجمع بين السلطة والمقاومة"،[3] غير متحققة في الحالة الفلسطينية التي تخضع لاحتلال متمكّن نافذ وسلطة مسؤولة وظيفيّاً عن الأمن المشترك للفلسطينيين والإسرائيليين تحت أيّ ظرف.

5. وهناك اتجاه اقتنع بضرورة القبول بالهامش المتاح له من السلطة التشريعية أو التنفيذية، وضمان استمرار الاعتراف به، وعدم التصعيد مع السلطة لئلا تعود الأمور إلى سابق عهدها من التعامل الأمني، والمناورة في بعض الملفات التي لا تثير حساسية السلطة، ولا ترى بأساً في المعارضة فيها، وضرورة الحفاظ على التنظيم وبنائه وأفكاره وحمايتها من ردود الأفعال المتطرفة، وردم شقوق التصدّع التي تنفتح في أثناء المواجهات السياسية مع الأنظمة.

6. وهناك حركات إسلامية كانت في مربع السلطة المسنودة عسكرياً، ولكنها فقدت السلطة بعد ثورة شعبية عليها، كما حدث مع الحركة الإسلامية السودانية بعد ثورة 18/12/2018، وقد تعرضت هذه الحركة للكثير من الاستهداف الذي حرمها من نفوذها وحضورها، وأعاد لها اهتمامها بملفاتها الداخلية وترميم أوضاعها والتكيّف مع واقعها الجديد، وتنظيم كياناتها وإعادة اكتشاف قدراتها وتصدير كوادر جديدة لها، ودخلت في مربع المعارضة عبر واجهات أخرى ذات طبيعة قبلية أو تحالفيّة.

7. وهناك حركات قررت تذويب حالتها التنظيمية بادّعاء عدم جدواها وعدم قدرتها على تحقيق التغيير المنشود في هذه الظروف، وأن الإطار المتاح حالياً؛ هو في الجهد الفرديّ الواعي غير المنظّم، والذي يقوم القادرون بدعمها دون تنسيق مسبق استناداً إلى وعيٍ أصيل بدعم أيّ اجتهادات تسهم في تعزيز الإدراك المجتمعي وتطوير قدرته على حماية قيمه، ويمثّل هذا التوجه بعض التنظيمات الخليجية الصغيرة.

8. أما التجربة التركية التي كثيراً ما توصَف في منصات أصدقاء تركيا وأعدائها بأنها ذات مرجعية إسلامية، فهي لم تستطع حتى الآن تقديم نفسها فكريّاً إلى الحركات الإسلامية، على الرغم من الإعجاب بنجاحاتها الخدمية، وتطور حضور تركيا ووزنها في المشهد الإقليمي والدولي. ومردّ ذلك أن زاوية النظر إليها محصورة في نطاق الإعجاب والإسناد والاستفادة من الحياد الإيجابيّ لقوانين الدولة التركية، وسياسات حزبها الحاكم المنفتحة على قضايا الأمة والجوار، ولكن لا يوجد تواصل حقيقي من أجل فهم التجربة وخصوصياتها وإشكالاتها وعوامل نجاحها. فالترجمات من التركية إلى العربية محدودة، والحاجز اللغوي ما زال قوياً فاصلاً، وأكثر ما هو متاح خاضع للنظر الشخصي، والذين يملكون القدرة على النظر يعملون في أطر شخصية بعيداً عن منظومات الحركات الإسلامية بالرغم من علاقتهم القديمة بها.

الواقع الراهن للحركات الإسلامية وإمكاناتها:

يبدو واضحاً في النتيجة المشهدية أن الحركات الإسلامية التي دخلت العملية السياسة قد وصلت إلى حالة عجز، ذاتية أو خارجية، عن تقديم مقاربة هادئة مقنعة لحاضنتها؛ تجمع بين فضاء المبادئ الفكرية والسلوكية والاجتماعية، والمواقف السياسية التي تعتنقها وتلتزم بها نظرياً، وتلك الممارسات المستقرة التي تأسست عليها الدول التي ينتمون لها. وحالة العجز هذه وصفٌ للواقع؛ وليس يعني بالضرورة نهاية العمر الافتراضي لهذه الحركات سياسياً، فالمنطقة التي نعيش فيها تمتاز بسيولة سياسية سريعة لكثرة المؤثرات الداخلية والخارجية وسرعة التفاعل بينها بسبب منظومات الاتصال السريعة، ونموّ برامج التواصل العملية وعموم الخبرة بها.

وما تزال هذه الحركات تعاني من رفض منظومات السلطة وامتداداتها العميقة لها، كما تعاني من رفض المنظومات الإقليمية لها، والتي تضع جميع الحركات الإسلامية باختلاف توجهاتها ومرجعياتها الفكرية في سلة واحدة إذا قررت المشاركةَ السياسية باستقلالٍ عن ترتيبات الأنظمة وعن الأدوار المرسومة لها، وبالتالي فإن هذه الحركات ستُحرم من التواصل الطبيعي مع مجتمعاتها، وسيزداد الانفصال عنها بطول الزمن؛ وما تزال الحركات الإسلامية التي تشارك في السلطة واقعة بين كمّاشة الحوار والتفاوض مع شركائها في السلطة والاستجابة لمطالب الحاضنة الجماهيرية لها.

وتزداد القناعة بأن الأحزاب السياسية ذات المرجعية الإسلامية ستكون فائدتها محدودة وقليلة في المدى القصير والمتوسط على قضايا الأمة التي تتبنّاها هذه الأحزاب في أدبيّاتها التنظيميّة المؤسِّسة لوعيها الفكريّ الجماعيّ، ما دامت هذه الحركات المندفعة باتجاه المشاركة السياسية في مرحلة تثبيت الاعتراف بها، والقبول الطبيعيّ بمشاركتها كأيّ حزبٍ سياسي، لأن جُلّ تركيزها سيكون في قطاعات محلية تشغلها عن ممارسة أدوار خارجية، إلا في مربعات اهتمام خيرية ومعرفيّة تخدم أفكارها الأساسية ستقوم بها حاضنتها الشعبيّة والتنظيمية بشكل أساسي، وستشارك بها على مستوى سياسي إذا ترافق ذلك مع مصلحة سياسية تكتيكية تراها.

ويجب النظر إلى طبيعة المجتمعات التي تتعامل معها هذه الحركات، فهذه المجتمعات ذكية بمجموعها، وتتحرك بموجب انطباعات قوية شديدة التحفيز ترتبط باحتياجاتها الأمنية والمعيشية والنفسيّة، وهي مجتمعات بطيئة الإجراءات لكنها قابلة للتحفيز ضمن شروط معيّنة؛ وفي العادة فإنها لا تنشط في فترات متقاربة إلا بوجود محفّزات أقوى، عند بروز قناعتها بوجود بدائل صالحة وقادرة ومتمكّنة وفق الانطباعات المجتمعيّة المتخلِّقة بالمدافعات الاجتماعية والسياسية.

أثر تجارب الإسلاميين في السلطة على الواقع الفلسطيني ومقارباته:

ينبغي التأكيد هنا، أن درجة استجابة الحركات الفلسطينية الإسلامية ولا سيّما حماس لهذا الواقع الذي تعانيه الحركات الإسلامية؛ لا يقع عليها بدرجة واحدة نتيجة لاختلاف مستوى الضغوط عليها من الاحتلال، والسلطة، والدول العربية، والأنظمة التي تعيش تحت مظلتها. فاستجابة الحركات في قطاع غزة مختلف عن استجابتها في الضفة الغربية، وفي الداخل المحتل، وفي جغرافيات الشتات الفلسطيني خارج فلسطين، وبين تجمعات كبيرة في مخيمات الجوار الفلسطيني أو الجاليات المنظمة في المغتربات؛ وإن كانت التنظيمات ذات القيادة الموحدة تظهر عادة بمظهر وحدويّ في استجابتها لهذه الارتدادات عليها، وتحاول تغطية التناقضات الطبيعية التي تتعرض لها أقاليمها الجغرافية التنظيمية؛ فقطاع غزة يقود حالة فريدة من السلطة المقيدة المعزولة التي تحميها قوة عسكرية ذات عقيدة قتالية متماسكة، ولكنها لا تحظى باعتراف سياسي ولا تمثيل في السلطة الرسمية؛ بينما واقع الضفة الغربية يعاني من الشلل التنظيمي الناجم عن استهداف ممنهج من الاحتلال والسلطة الفلسطينية، وأما أراضي الـ48 فالواقع الفلسطيني للحركات الإسلامية يعاني من قهر سياسي وأمني وقانوني في جغرافية لا تعترف بفلسطينيتهم وقضيتهم ابتداءً وتعدّهم أقلية ذات خصائص مشتركة في مجتمعها، وأما الشتات الفلسطيني فإن قدرة هذه الحركات على الظهور باسمها محدودة للغاية، وضمن ترتيبات أكثرها سرّيّ.

ونتيجة لخصوصية الحالة الفلسطينية وشدّة اختلاف ظروفها وكونها تعيش تحت احتلال استعماريّ متمكّن، فإن انعكاسات واقع الحركات الإسلامية عليها يظلّ محدوداً في مجال محاكاة التجارب، ويكاد يكون محدوداً جداً في مربع العلاقات والنشاط الخيري والتنموي العام والنشاط الإعلامي…، إلا أنه قد يتطور في بعض المراحل التاريخية كما حصل في مرحلة ما بعد الثورات العربية؛ حيث تطورت العلاقة مع قطاع غزة إلى انفراجات متعددة في التسليح والتدريب وتخفيف الحصار وآثاره على القطاع؛ ولكن ثمة مُدرَكات كلية يمكن لهذه الحركات الفلسطينية أن تناقشها في اكتشاف آثار تجارب هذه الحركات العربية والإسلامية عليها، منها:

1. إن تجارب الإسلاميين في أيّ قُطر من الأقطار تنعكس عليهم بدرجات متفاوتة، فهم يشعرون بتقارب روحيّ تلقائي، ويشعرون بأنهم امتداد لبعضهم، لكونهم يحملون أفكاراً متقاربة، وأن أيّ نجاح لأحدهم هو نجاح للآخر، وأن أيّ فشل أيضاً ينعكس عليهم، ولا شكّ أن الحركات الإسلامية في العالم تستمدّ جزءاً كبيراً من شعبيتها وشرعيتها من ارتباطها المعنويّ والروحي بحركات المقاومة الإسلامية الفلسطينية، وكلّ قصة نجاح وصمود فلسطينية تشكّل مدداً إعلامياً وشعبيّة تلقائيّة لهذه الحركات؛ كما أنها بالنسبة لهذه الحركات العربية والإسلامية بمثابة الدليل العمليّ القائم على إمكانية نجاحها في إدارة بلدانها بكفاءة. وفي الحالة الفلسطينية فإن مستوى التفاعل مع أيّ مشروع سياسي إسلامي يكون أكبر من غيره بسبب خصوصية القضية الفلسطينية، وأبعادها الدينية التي تشترك فيها ثقافة مستندة إلى نصوص شرعية تعظّم مكانة فلسطين وبيت المقدس، وتكثّف النظر إلى الفئة الدينية المذكورة في القرآن وتحذّر منهم ومن عداوتهم، وهي الفئة التي تحوّلت نخبتها إلى كيان عنصري يحتل فلسطين ويمارس فيها سياساته القاتلة. كما أن الحركات الإسلامية الفلسطينية تنظر في فلسفتها الاستراتيجية إلى العالم الإسلامي على أن له دوراً أساسياً في مشروع تحرير فلسطين، وأن أيّ مشروع إسلامي ناجح لا بدّ أن يكون له إسهامٌ في هذا الأمر، وبالتالي فإن حسابات الحركات الفلسطينية ترتفع وتنخفض مع واقع الحركات الإسلامية في المحيط؛ وتجربة الحكم المحدودة التي مارستها مدرسة الإخوان المسلمين مع بدايات الربيع العربي وسقوطها القاسي انعكست بشكل سالب على الحركات الفلسطينية الإسلامية، ولا سيّما في قطاع غزة بوصفها الإقليم الأكثر حضوراً في النشاط السياسي والعسكري والاجتماعي ولديها سلطة تنفيذية مسيطرة على الأرض، وفي انكشاف ظهر هذه الحركات وتعرّضها لضغوط كبيرة فوق الضغوط التي تتلقّاها من الاحتلال ومن أجهزة السلطة الفلسطينية. ومع أن هذه الضغوط تراجعت كثيراً إلا أن ظلالها ما تزال حاضرة بقوة في سياق العلاقات بين هذه الحركات والإدارة المصرية، وما تزال العلاقة حساسة يمكنها أن تتأثر بأيّ عارض صغير أو متوسط. ولا تجد أجهزة السلطة الفلسطينية حرجاً في إيقاع أشد السياسات بحق الحركات الفلسطينية الإسلامية المتمسكة بخط المقاومة لعدم وجود ظهير قوي ذي تأطير فكريّ تنظيمي لهذه الحركات في المحيط العربي والإسلامي يمكن أن يقدّم المساعدة المؤثرة للحركات الفلسطينية التي تحتاج إلى أيّ إسناد خارجيّ، ولا تبالي السلطة الفلسطينية بإعلان خطّ عدائي تجاه جميع الحركات الإسلامية السياسية، وتعدّها امتداداً لحماس وداعماً خلفيّاً لها. وأما علاقة بعض هذه الحركات الفلسطينية بالتوجه العام للحزب الحاكم في تركيا أو تشكيلة من الأحزاب الحاكمة ذات المنشأ المتقارب في ماليزيا؛ فهي مسنودةٌ برغبة الطرفين في التعاون في الملف الحقوقي العام وفي الملف الإنساني والإسناد السياسي العام للقضية الفلسطينية، الذي تشترك فيه السلطة الفلسطينية ولم يتطور إلى ما هو أبعد من ذلك، على الرغم من وجود مشاعر مشتركة إيجابية بين الطرفين، وذلك راجع بالأساس إلى طبيعة نظام الحكم في تركيا وطبيعة علاقاته التي أسسها الفكر العلماني الجمهوريّ التركيّ، وبالتالي فإن العلاقة مع تركيا هي علاقة مع حزب حاكم قويّ ذي مرجعية شعورية إسلامية منفتحة، أكثر من كونها علاقة مع فلسفة الدولة ونظامها ومؤسساتها وأحزابها؛ وكذا الحال مع الواقع الماليزي الذي يعدّ امتداداً للواقع العرقيّ وعمقه الإقليمي وهوية كل عرق وثقافته الجمْعيّة.

2. إن ما أصاب الحركات الإسلامية المشاركة في السلطة بدأ يرفع من الوعي الفلسطيني بأن مشاركة الأمة في مشروع التحرير لا يعني العمل مع الحركات الإسلامية فحسب؛ فالأمة لديها مكونات جمْعيّة تمثّل جماعات فكرية، ودينية، وطائفية، وثقافية، ومرجعيات مختلفة ينبغي العمل عليها لإقناعها بمشروع المشاركة، والعمل مع ذوي القناعات منهم بغض الطرف عن توجهاتهم ومرجعياتهم ما داموا يلتقون في محطة فلسطين، ويؤمنون ببعض الأصول الجامعة في قضيتها.

3. وتبدو الحركات الفلسطينية متفهّمة للواقع الصعب الذي تعيشه هذه الحركات منذ أن انخرطت باندفاع في مسيرة الثورات العربية ثم تراجعت في مراحل تالية، وباتت الآن أكثر تفهّماً لهذا الأمر. ومقياس هذا التفهّم يأتي في التعاطي الإيجابيّ الموحي بقبول إدراج القضية الفلسطينية في مربع الاهتمامات بفضاء العلاقات الخارجية أو السياسات الخارجية لأي حركة، وعدم التشدد في رفع مستوى القضية إلى مربع الأولويات في سياستها الخارجية، وعدم التشدد في إدراجها في الأولويات السياسية العامة في المجال الوطني، كما كان يحدث عادةً مع الأنظمة ذات المرجعية القومية أو البعثية أو الاشتراكية أو اليسارية.

4. كما تولدت القناعة لدى الحركات الفلسطينية التي تمرست في العمل السياسي نتيجة ظروفها الخاصة؛ أن الحركات الإسلامية الفاعلة في المنطقة ما تزال بحاجة إلى اكتساب الخبرة السياسية وصقل التجارب وتدريب الكوادر المتخصصة، وأن إضافة بعض الأبعاد الحساسة في القضية الفلسطينية عليها قد يدفع للإبطاء أو الهروب أو الانصراف عن الواجبات الملحة داخلياً، ولذلك ينبغي إمهال هذه الحركات حتى تكون مستعدة للعطاء وأداء واجباتها تجاه القضية الفلسطينية، فيما تتعاطى هذه الحركات مع كافة القوى النشطة سياسياً في هذه البلدان وتحاول جذبها لأدوار فاعلة تجاهها، ولكن الحركات الفلسطينية قد تجد نفسها أمام واقع جديد تجاه هذه الفئة من الحركات الإسلامية المنخرطة في النظام السياسي لبلدانها، وهي أن هذه الحركات قد تكتسب خصائص منظوماتها السياسية التقليدية الحاكمة بحكم المجاورة والاقتراب والمشاركة. وقد تكون عامل ضغطٍ عليها أكثر من كونها عامل إسناد، أو تكون حالة وسطية تمدّ يدها وتقبضه وفق المصلحة الكلية المقدّرة باعتباراتها الداخلية والخارجية، وربما تكون محايدة. وبالتالي فإن على الحركات الإسلامية الفلسطينية أن تعزز علاقتها مع حواضن هذه الحركات وتمكّنها أكثر من اعتمادها على تشكيلاتها السياسية، وهذه المقاربة مُقامة على فهمٍ اجتماعيّ يقرر أن كلّ حزب أسيرٌ لحاضنته الجماهيرية في نهاية المطاف، وأن أيّ حزب أو حركة يعتمد على امتداداته الجماهيرية في أيّ تغيير أكثر من اعتماده على النظام السياسي والشركاء السياسيين وأكثر من اللوائح التنظيمية أيضاً.

5. وهناك جانب مهم باتت تفتقر إليه معظم الحركات السياسية الإسلامية وهي أن مفهوم الجهاد لديها يتضاءل ويرتبط إلى حدٍّ كبير بمشروع الدولة، وأن قرار الحرب والسلم بيد الدولة، وأن المصلحة الوطنية هي الضابط في هذا القرار. وهذا التوصيف يبتعد عن أصل التنظير في الفكر الحركي الإسلامي؛ أن هذه الحركات تشترك مع بعضها في الهمّ العام، وكثيراً ما تتجه التنظيرات إلى وجوب نصرة كلّ حركة إسلامية تقاتل من أجل التحرر الوطني أو السياسيّ أو الحقوقيّ أو الإنسانيّ؛ ويكون هذا الأمر شديد الوضوح بما يتعلق بفلسطين. وبالتالي فإن هذه الحركات عند وصولها للسلطة تكون مفتقرة إلى إيجاد مقاربة سياسية تجمع بين أدبيات تفكيرها في المستوى الخارجي وبين واقع التزاماتها السياسية الوطنية المحلية؛ ومما يرتبط بهذا الشأن أن الحركات الإسلامية السياسية استقرت طبيعتها على تثبيت مفاهيم السلمية في قيمها السياسية، والابتعاد عن أيّ حركة ذات طبيعة عسكرية، ولعل الاستثناء الوحيد القائم يتمثل في العلاقة مع حركات المقاومة الفلسطينية. ولكن هذه العلاقة تتأثر بمواقف الأنظمة من هذه الحركات ارتفاعاً وانخفاضاً، كما تتأثر بمدى تطور العلاقة بين هذه الحركات الإسلامية مع المجتمع الإقليمي والدوليّ؛ حيث تميل بعض هذه الحركات إلى تقليص مستوى علاقاتها مع الحركات الفلسطينية والاكتفاء بالدعم الإعلامي والسياسي العام للقضية الفلسطينية.

6. ولعل نموّ العلاقة الفلسطينية مع الحركات الإسلامية في العالم العربي والإسلامي مرتبط أكثر —في علاقة طرديّة— بنمو المقاومة، ونجاحها، وقوتها في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، ومواجهة السياسة الدولية المتشددة تجاه المقاومة الفلسطينية وبرنامجها التحرري. فكل نجاح فلسطيني سيؤدي إلى تطور إيجابي في علاقاتها وتعميق هذه العلاقة وتحسين امتيازاتها وفتح آفاق جديدة لها، وكلّ تراجع سيرتدّ بشكل سالب على الحركات الفلسطينية المتفاعلة مع محيطها الفكريّ المقارِب لها. وهذا يتطلب من الحركات الفلسطينية إيجاد مؤسسات تُوازِن هذه العلاقة وتحافظ عليها، وتمنع اتجاهها نحو علاقات وهميّة غير مجدية، وتفتح قنوات تواصل فاعلة في بعض المجالات التنظيمية والشعبية إذا تضررت مجالاتها السياسية أو الفنية المتخصصة. وربما تحتاج هذه الحركات الفلسطينية إلى إيجاد صيغ داخلية لديها لاستيعاب بعض الكوادر المهمّين في تلك الحركات غير الفلسطينية، يكونون بمثابة جسور واصلة لاحقاً إذا كانت الظروف غير مواتية أو ستسبب ضرراً حقيقياً للطرفين، ولكن يجب أن تكون سياسة الجسور المقترحة هذه واضحة، ولديها رؤية قادرة على استثمارها في مربع التواصل الاستراتيجي، ولا نعني هنا مجرد التشغيل فحسب.

7. ونفترض أن الحركات الإسلامية الفلسطينية تحتاج الآن إلى إنجاز نموذج شراكة استراتيجية مع الحركات الإسلامية والوطنية خارج فلسطين، يقوم على برمجتها مشروعات قطاعية، يتفرع عنها خطط عمل منتجة… يخرجها من حالة التذبذب السياسي، حتى لو تباعدت مرحلياً لأيّ عارض سياسيّ، ويبقيها على مسافة قريبة فكرياً، ويحدّد الإطار العام للأهداف المشتركة، ويرسم دورها الممكن في مشروع مواجهة الاحتلال الاستيطانيّ؛ وينبغي التأكيد على وجوب أن يكون هناك التزامات لكل حركة إسلامية تجاه فلسطين تمثل الحد الأدنى من المشاركة الإيجابية ضمن شبكة خدمات متشعبة ذات إدارة موحدة أو مستقلة، وضمن رؤية في سياق استراتيجي سياسي أو فني أو إعلامي أو خدمي أو تنموي…، تؤكد من خلالها الانتقال من مربع التنظير إلى الفعل الملتزم والوعي المسؤول والمشاركة الميدانية، وتؤكد على إدراكها بالتحول من مواعظ الخلاص إلى برامج التخليص.

8. وفي الوقت نفسه، فإن على الحركات الفلسطينية أن تكون واعية بحساسية الأنظمة الشمولية وحتى الأنظمة المدنيّة ذات الأساس الشموليّ في ظروف نشأتها، وأن تكون واعية بأهمية عدم إثارة الأنظمة بعلاقاتها مع مكونات حزبية وشعبية محلية، وأن يكون هناك تواصل موزون مرن يُشعِر هذه الأنظمة بالطمأنينة، وأن هذه العلاقة الخاصة لا تمسّ أمنها ولا سيادتها ولا تصل إلى مرحلة إحراجها ووضعها في مربعات ضغط لا تقوى على مواجهتها، وينبغي أن يكون مفهوماً أن نموّ العلاقة يتأثر طرداً بنموّ حضورها في مجتمعاتها وتمكين علاقاتها الداخلية.

اخر الأخبار