لأول مرة..الشاباك ينشر وثائق عن نشأة "حماس" من تحقيقات قيادات الحركة بالسجون

تابعنا على:   16:18 2013-11-09

أمد/ تل أبيب : نشرت صحيفة يديعوت أحرونوت العبرية تحقيقا موسعا عن حركة حماس من الداخل منذ نشأتها وتشكيلها على يد الشهيد أحمد ياسين مرورا بصراعها مع حركة فتح والمنظمات اليسارية واعتقال قادتها وابعادهم إلى لبنان وصولا للوضع الراهن الذي تتواجد فيه الحركة والذي يحيط به كافة أنواع الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والشعبية.

التحقيق المنشور في الصحيفة العبرية يكشف معلومات خطيرة من خلال سرد مستندات داخلية لجهاز "الشاباك" الإسرائيلي تنشر لأول مرة إلى جانب لقاءات حصرية مع قادة رفيعي المستوى وباحثيين إسرائيليين يكشفون "كيف ساهمت إسرائيل في صنع حماس وكيف ضيع جهاز الدولة اللحظة التي تحولت بها لتنظيم جهادي وفرصة استئصاله".

و"أمد" ينشر التحقيق من مصادره العبرية:

الحلقة الأولى:

وتحتوي على معلومات هامة وتنشر لأول مرة من وثائق جهاز الشاباك الإسرائيلي وتركز على :

- التحقيق مع الشهيد أحمد ياسين

- كيف ولدت حركة حماس

- كيف ساهمت إسرائيل في دعم حماس وتمويلها

- تجاهل إسرائيل لنشاط حماس بهدف ضرب شعبية عرفات

- حادث على ساحل غزة ( خليل الوزير وأحمد ياسين)

- كيف نظرت إسرائيل لحماس وفكرها الأيدلوجي

لرونان برغمان

في العاشر من إبريل , 1984 بموقع تابع للشاباك , تلقى الشيخ أحمد ياسين صفعة مؤلمة بغرفة التحقيق خلال التحقيق معه صفع هذا الفلسطيني الذي تم إعتقاله قبل وقت قصير وتم تكسيره وهو على كرسيه وأيضا قام المحققون بدفعه للحائط وأثر ذلك على عينيه وأصيب بالصدمة فتلك الصفعات كانت نادرة جدا بتلك الفترة , ولكن من هول المفاجأة تمهلوا فهو سيدلي بمعلومات ولكن سيتبين بأن الصفعة التي تلقاها هي صفر ولا شيء مقابل الصفعة التي سيتلقاها جهاز الشاباك : ولأول مرة هم فهموا " الشاباك" أن أحمد ياسين , الشيخ المعاق صاحب الصوت الشيشاني " المبحوح" يبني هذا منذ زمن من تحت الصفر أيضا يبني قوة عسكرية جديدة .

هكذا ولدت حماس

تقريبا قبل ثلاثة عقود وهذا جاء متأخرا جدا في صالون البيت وأنا أنظر إلى يد ضخمة وضعت تلك الصفعة , لرئيس الشاباك " ميخا كوبي "  وأيضا على المدى البعيد فهو لايبدو كشخص أردت أن أتورط معه بإحدى المشاكل .

كوبي : أحد مؤسسي قيادة الأركان العامة وهو أحد الباحثين البارزين في جهاز الشاباك , فهو يفرك يديه الكبيرتان الواحدة بالأخرى على تلك الأيام بعد أن فهم هو ونظيره بالخدمة أنهم سقطوا ضحايا لإحتيال محكم .

الفلسطيني الذي تم التحقيق معه بهذا اليوم أوصل سلسلة كبيرة من المعلومات المهمة  عن تجهيزات فتح بغزة ولكن شيء ما بتلك الصورة لم يأتي كما ينبغي مع كوبي : ولكن من لحظة لأخرى تبين له بأن العمل يسير بسهولة جدا , فالفلسطيني أعطى معلومات كثيرة جدا لكي يحرف مجرى المحادثة والتحقيق من قضية لأخرى ومن الممكن أن تكون أهم بكثير من تلك التي يريد أن يخفيها .

هذا كان فقط تخمين , ولكوبي لم يكن القدرة على معرفة ما يخفي الفلسطيني ولكنه قرر أن يخاطر , فكوبي إنحنى إلى الأمام وكأنه أراد أن يخبر الفلسطيني بسر وأعطى له الصفعة الرنانة " أنا لا أريد أن أسمع هذه الأهواء التي تتكلم لي  , عنها , وقال له بالعربية " الآن أريد أن تبدأ بالحديث عن القضايا المهمة حقا  وإلا لن تخرج من هنا حي هذا اليوم ."

كان لا يجب أكثر من ذلك. ولكنه فعل ذلك مع نصف إبتسامة تحدي وكان يقول غالبية الوقت: أنتم الشاباك , تعتقدون بأنكم أذكياء , أنتم تعتقدون بأنكم تعرفون كل شيء , ولكن الحقيقة هي أنكم لا تعرفون شيء , لم تروا ما يحدث لكم تحت أنوفكم ."

فهو صدق , الأحاديث التي قالها بالتحقيقات فتحت أمام الشاباك نافذة أولى للعالم الجديد والتهديدي :

عالم الحركات الإسلامية المتطرفة وعلى رأسهم حماس .

ثلاثون عاما بعد تلك الصفعة وحماس- اليوم تسيطر على غزة – وهو التنظيم الذي يخرج "الإرهاب" الفلسطيني ضد إسرائيل , على مدى السنوات تم إنتقاد جهاز الأمن الإسرائيلي وإتهامه بأنه أغلق النظريات التآمرية وزواياها . والتي منها بالفعل كان إقامة حماس ومساعدته بالسلاح والمال.

صحافيين وباحثين جادين جدا بحثوا بهذا الملف وعرضوا قضية معتدلة جدا : إسرائيل فضّلت أن تتجاهل نشاطات حماس حتى ترجح كفة الميزان لحماس أمام عرفات وتأثيره في المناطق المحتلة عبر سلسلة محادثات خاصة مع قادة الشاباك بتلك الفترة , ومن المستندات الداخلية للتنظيم نشر لأول مرة بأن الصورة كانت معقدة جدا وسويا مع هذا تبينت حقيقة أخرى :

إسرائيل لم تستغل الفرصة بإستئصال حماس , وبالنهاية فهموا في جهاز الشاباك بأن هذه الجماعة الهادئة بعد دروس الإسلام بالمسجد خرجوا للجهاد ضد الكيان الصهيوني – وهذا كان متأخرا جدا .

حادث على ساحل غزة

خلال تدفق اللاجئين لقطاع غزة بعد حرب" الإستقلال" كان طفلان أحدهما  - يبلغ 13 عاما والآخر 11 عاما , وفي سن بلوغهم المستقبلي سيملؤون الشرق الأوسط بالدماء .

كان الأول هو خليل الوزير  والذي نزح لهناك مع عائلته من الرملة وكان يعرف بإسم أبو جهاد وهو يده اليمنى لعرفات والقائد العسكري لحركة فتح , والثاني الذي إنتقل لغزة من حي الجورة وهي ليس بعيدة عن المجدل هو أحمد ياسين .

فالشاب الوزير كان دائما صاحب شخصية فمنذ صباه سحب خلفه الشباب لعمليات عسكرية , ولكن ياسين كان هادئا ويسير نحو الهدف , وكلاهما إلتقوا بحركة الإخوان المسلمين  والتي نمت بغزة ولكن إعجابهم كان معكوسا :

فالوزير خشي أن يعرف بأنه ينتمي للإخوان المسلمين والذين كانوا يتناكفون ويقاتلون أهالي غزة والقيادة المصرية وكان يرى بأن هذا سيؤدي للفشل , ولكن ياسين شعر بأنه وجد هدفه في الحياة , وعرف بأنه صاحب علاقة خاصة مع المترافعين في الشريعة الإسلامية وأخذ يتعمق بالإسلام .

ووفقا للإصدار السائد بسنة 1953 , كان ياسين على شاطيء بحر غزة عندما إنضم لعدة شباب والذين تنافسوا من سيصمد أكثر بالوقوف على رأسه ولكن ياسين سقط وأصيب عميقا وتحول لمعاق .

وشلّت كلتا قدماه ولكنه لم يفقد إطلاقا الإحساس بباقي جسده السفلي والرؤية , وأنجب ياسين 11 ولد بعد أن تزوج من إمرأة من عائلته . وفي بداية الثمانينات إنتقل ياسين إلى الكرسي المتحرك بشكل دائم .

وإلتحق بتعلم الإسلام على الرغم من الصعوبات الجسدية , وأصبح من حوله يطلقون عليه العالم التقي والمرجع الديني المعروف .

في شهر يناير 1967 حلّت كارثة على الدول العربية وهي حرب الأيام الستة – والتي بنهايتها إحتلّ قطاع غزة  - وهذا الإحتلال وجّه الشابين لإستنتاجين مختلفين كليا : فالوزير آمن بأن القوة فقط هي من ستخضع إسرائيل ولذلك إنطلق بطريق "الإرهاب" , وأحمد ياسين آمن بأن الفشل هو نتيجة الأنظمة العربية العلمانية الفاسدة , والحل يأتي بالعودة للإسلام .

وكان الفرق واضحا : أبو جهاد توجه للحل العسكري السياسي وأحمد ياسين للحل الإجتماعي الديني .

ياسين بدأ بالعمل على إقامة المساجد ومؤسسات تعليم الإسلام وتشكيل شبكة إغاثة ومساعدات إجتماعية وتعمقت نشاطاته وفي نهاية سنوات الستينات كان ياسين واقعيا الزعيم الرسمي للإخوان المسلمين بقطاع غزة .

وفي عام 1973 أنشأ ياسين " حركة المجمع الإسلامية الجمعية الإسلامية " وبهذه المرحلة كان يعد المشرع الديني البارز وخاصة عند عامة الشعب " الناس البسطاء" , ولكن غالبية الأوساط الفكرية إستهترت به , فصوته الضعيف " المبحوح" وإعاقته وشكل جسده الممزق والرقيق الهش شكلوا عنه صورة لزعيم إجتماعي حساس .

ياسين إستغل هذه النظرة وطوّر حركته وعمّق روابطه بما في ذلك عرب إسرائيل , ولكن الشاباك الذي كان في تلك الفترة منتشر بالأراضي المحتلة عرف عن تلك النشاطات , وكان ياسين لا يعمل بالخفاء بعكس فصائل منظمة التحرير الفلسطينية المختلفة , وإستمر ياسين بالتطور وإلتقي مع قادة بالحكومة الإسرائيلية بمحادثات واسعة , فهو كان رجل متحدث ومميز ولديه المعرفة الكافية عن تاريخ الصهيونية والسياسة الإسرائيلية وكان حاد الذهن وممتع جدا كما كان يسترجع ويصفه مسئول الشاباك المعيّن في تلك الفترة في غزة وكان يطلق عليه " أرسطو"

ويستطرد قائد الشاباك بوصفه لياسين : كان ياسين مختلفا عن فدائيّي منظمة التحرير الفلسطينية الذين كنا نحقق معهم فنحن لا نعرف ماذا سنفعل : عندما تلتقي بشخص معاق فهذا الشيء يقرص قلبك وعلى الفور تشعر بنوع من التعاطف نحوه . ولكن التعامل مع ياسين لم يكن فقط قضية " قرصة بالقلب" .

وفي سنوات السبعينات حددت  منظمة التحرير الفلسطينية موقفها كمنظمة مقاومة محاربة تطالب بإبادة إسرائيل , بالمقابل إشتهرت المنظمة بالوسط الفلسطيني ولكن ليس أقل أهمية كان الإعتراف الدولي بها وبقائدها " عرفات " الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني فهذا زادها شهرة وكان القادة الإسرائيليون ينظروا لياسر عرفات كرجل "إرهابي" ولكنه حظي بإحترام الملوك وفرش له البساط الأحمر خلال زياراته للعديد من البلدان , و علمنا من مصادر سرية بأنه حتى الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا الغربية كلتا الدولتين المقربين لإسرائيل فتحوا قنوات سرية معه وحسب هذا رأت إسرائيل بياسين البديل عن منظمة التحرير الفلسطينية.

" بلا شك , وبدرجة خاصة نحن من كبّر حماس" قال لي رئيس " الإستخبارات الإسرائيلية – أمان " ورئيس هيئة الأركان الإسرائيلية السابق " أمنون ليبكين شاحك " بإحدى النقاشات الأخيرة التي طرحوها.

في الشاباك آمنوا بأن الحديث عن تنظيم ديني يعمل بالقضايا الإجتماعية والمدنية , وبفضل ذلك كان الشاباك مقتنعا بأن حماس ستأخذ قوة فتح ولم يكن يعلم أحد أن حماس ستصبح منظمة مسلحة " .

فهذا يبدو مغايرا , وإحدى الخطوات الأولى التي قام بها عامي أيلون  عند تعيينه رئيسا للشاباك في عام 1996 طلب الملفات المتعلقة ببداية مسار طريقها لحماس .

بسنوات الثمانينات دعم جهاز الشاباك الإعتقاد الذي يقول " لكي نخلق وزن ضد الحركة الوطنية سنأتي بإسلام ليس له عنصر قومي " كما قال أيلون .

الشاباك لم يرى ما يفعل الشيخ ياسين سرا : في المرة الأولى بتاريخ حركة الإخوان المسلمين . وهو إضافة مرحلة الدولة القومية في طريق رؤية الخلافات الإسلامية .

" عوديد راز " والذي كان ضابطا في الإستخبارات الإسرائيلية " أمان " وكان في وقت لاحق مسئول رفيع المستوى في جهاز الأمن العام الإسرائيلي " الشاباك " يقول : " بمسرح الإرهاب وفي قسم التحقيق " بأمان" كان الشعور , والتوقع بأن ينمو "الإرهاب" من الناس الذين يذهبون إلى المساجد أو إلى أماكن تحت غطاء ديني ضعيف جدا , ولكن كل القضية إتضحت بأنها مختلفة جدا ونما "الإرهاب" منهم وعلى عكس توقعات الشاباك".

رئيس الشاباك السابق " يوبال ديسكن" قال: أنا أقول هذه الأقوال بحذر شديد , فأنا بتلك الفترة التي يدور عنها الحديث كنت منسق وشاب بالخدمة في جهاز الشاباك ولكن بنفس الوقت  الجهات الإسلامية لم تكن تعطينا ما يكفي من التركيز وكان الإدراك بأن فتح والتنظيمات العلمانية الأخرى هم العدو الرئيسي بالمناطق الجنوبية وإذا سمحنا لحماس بالإزدهار والنمو ستعكس الموازين بهذا المنظور وهذا كان بلا شك خطأ إستراتيجي ".

فخطأ الشاباك نبع من سببين : نظروا – بإختلاف  لياسين المعروف بأنه مقرب من فصائل الإخوان المسلمين بمصر- وهو تنظيم معروف لدى المخابرات الإسرائيلية كتنظيم ساذج وتدين من جديد وليس كإرهابي .

الثانية : أنه الرجال المتدينين ومرتادي المساجد بتلك السنوات كانوا يعدّوا ضعفاء وهادئين ودون طموحات سياسية فهذين السببين كما سيتضح  بالدراسة سيتغيرّوا جذريا .

الحلقة الثانية من التحقيق ستحتوي على :

- العلامات التي أدت لتغيير فكر حماس من الدعوة للجهاد

- هجمات حماس على فصائل المنظمة وحرق مقر الهلال الأحمر

- علاقة احمد ياسين بيوسف عزام وكيف ساهم عبد الله عزام بانشاء القاعدة

- إنشاء غرف سرية عسكرية لحماس في غزة

- تحقيقات قاسية مع قادة حماس وكيف انهار صلاح شحادة