كيسنجر وكينيدى ومستقبل أمريكا..

تابعنا على:   11:22 2021-09-16

سمير مرقص

أمد/ الإيكونوميست ومستقبل القوة الأمريكية..

قبل أسبوعين، كنا أشرنا إلى تخصيص دورية «الإيكونوميست» لمساحة نقاش على منصتها الرقمية، عنوانها بالإنجليزية:«By Invitation»؛ تطرح من خلالها سؤالًا كبيرًا يشغل الرأى العام العالمى، وتدعو كبار الشخصيات الدولية: السياسية والفكرية للإجابة عنه بتركيز شديد. فى هذا الإطار وعقب انسحاب الجيش الأمريكى فى منتصف أغسطس الماضى من أفغانستان، طرحت «الإيكونوميست» سؤالًا حول «مستقبل القوة الأمريكية»؛ ودعت مجموعة من الشخصيات للإجابة عنه. وكنا قدمنا فى إشارتنا المذكورة - فى هذا المكان منذ أسبوعين - رأى ما وصفناه - مبكرا - بكاتب/ بمؤلف النهايات «فرانسيس فوكوياما» الذى اعتبر ما جرى فى أفغانستان بمثابة: «نهاية إقصائية ومبكرة للهيمنة الأمريكية على العالم».

فى هذا السياق، تواصل «الإيكونوميست» طرح السؤال الكبير وتدعو كبار المعنيين للإجابة عنه.. وممن دعتهم «الإيكونوميست»: «هنرى كيسنجر»، و«بول كينيدى»..

(2)

« كيسنجر: أمريكا تفقد الرؤية الاستراتيجية»

دون تجمل، تحدث «هنرى كيسنجر» (98 سنة) عن الإخفاق الأمريكى المدوىّ للمشروع الإمبراطورى الأمريكى، وطرح عدة أسئلة، منها: لماذا انسحبت أمريكا من أفغانستان دون تشاور مع الحلفاء الذين انخرطوا بقوة فى المسألة الأفغانية وقدموا كثيرًًا من التضحيات على مدى عشرين سنة؟.. ولماذا تم رسم صورة للانسحاب الأمريكى للعامة فى أرجاء العالم وكأنه بمثابة خيار بيّن إما السيطرة التامة على أفغانستان أو الانسحاب الكامل منها؟.

وأثار «كيسنجر» قضية استراتيجية بالغة الأهمية تتعلق بتدخلاتها المتعاقبة منذ فيتنام، وكيف أنها تحمل أهدافا استراتيجية وسياسة غامرت من أجلها بأرواح جنودها وفرضت على آخرين أن يشاركوها هذه التدخلات.. ومن ثم لابد من تفسير الخروج للداخل الأفغانى وللعالم بأنه ستكون هناك استدامة للوضع الداخلى الذى تم الصراع من أجله.. وفى تقدير «كيسنجر»، فإن الحصاد النهائى للوجود الأمريكى فى أفغانستان قد تعرض لمأزق حاد نتيجة عدم التحديد الدقيق لأهداف التدخل فى أفغانستان والتى كانت تقوم على مواجهة جماعتى القاعدة من جهة وطالبان من جهة أخرى كجماعتين إرهابيتين متمردتين، إضافة إلى «بناء الوطن» الأفغانى. فلقد كانت الأهداف العسكرية شديدة الإطلاق وصعبة التحقيق بالرغم من بعض الإنجازات التكتيكية. كما كانت الأهداف السياسية شديدة التجريد وغير محددة المعالم. وبالأخير، فقدت الولايات المتحدة الأمريكية رؤيتها الاستراتيجية من وجودها فى أفغانستان.

ومع مرور الوقت، انخفض سقف الأهداف الاستراتيجية الأمريكية حيال الإرهاب من التجفيف إلى الاحتواء.. وهو ما وصفه «كيسنجر» بالانتكاسة، خاصة أن أفغانستان تحتل وضعية جيو- استراتيجية حساسة فى آسيا بحكم الأدوار الطامحة لدول الجوار من حولها.. ومن ثم باتت هناك ضرورة لابتكار استراتيجية شاملة ومستدامة، مستعيرًا النموذج البريطانى التاريخى الذى دافع عن الهند ـ المستعمرة - عبر الشرق الأوسط لقرن دون التورط المادى العسكرى الكامل.

(3)

«بول كينيدى: هل نشهد ميلاد القرن الصينى؟»

وحول مستقبل القوة الأمريكية، يبدأ إجابته الجيوسياسى والمؤرخ الكبير صاحب المؤلف الأشهر «صعود وسقوط القوى العظمى» «بول كينيدى» (76 عامًا) بسؤال: «هل الصعود الصينى يعنى السقوط الأمريكى؟».. ينطلق «كينيدى» قائلا إن: التغيرات فى السياسة الكونية وفى ميزانى القوى والاقتصاد العالميين باتت تهدد الولايات المتحدة الأمريكية فى تفوقها وأوليتها فى قيادة العالم.. ما يرد على السؤال الذى كان يتردد فى أوساط مفكرى الشؤون الخارجية لسنوات حول مدى احتمالية تدهور الولايات المتحدة الأمريكية كقوة عالمية.

وفى نظر «كينيدى»، فإن كلًا من الخروج الأمريكى من أفغانستان والذى لا يعتبر الأول فى آسيا تاريخيا، وكذلك الصعود المنظم والمنضبط للصين، يمكن اعتبارهما ردًا عمليًا على السؤال السابق.. ما يعنى حلول ما أطلق عليه «القرن الصينى».. إن المتابع للمسرح العالمى يمكنه أن يلحظ بيسر كيف تتمدد الصين على طول وعرض هذا المسرح!.. والسؤال الذى يفرض نفسه بقوة فى هذا السياق: هل يمكن للولايات المتحدة الأمريكية أن توفر ثمن البقاء كقوة عظمى سابقة الجميع؟، وهل وضعيتها الاقتصادية الراهنة قادرة على ضمان استمراريتها كقوة أولى للعالم؟.

وبعد.. يبدو أننا أمام جدل يتعلق بالشأن الأمريكى، ولكن الأفكار والأسئلة المثارة تشير كلها إلى أننا أمام نظام عالمى جديد قيد التشكل، ما يحتاج منا إلى انتباه واشتباك مع ما يثار، خاصة أن انسحابًا أمريكيًا من العراق على الأبواب.