العنصرية تجاه من يقع خارج الغرب

تابعنا على:   10:38 2021-09-13

عبد الاله بلقزيز

أمد/ العنصرية تجاه الآخر واحدة من أَظهر ظواهر التمركز الذاتي بؤساً في أي أمة أو مجتمع أو ثقافة؛ وفي أي عصر من عصور التاريخ الإنساني. إنها تعبير عن تضخّم مَرَضي للأنا الجماعية يزيد عن حد الاعتداد بالنفس والتبجيل الذاتي؛ بل وحتى النرجسية. ولكنها تعبير - في الوقت عينه - عن واحدة من أَرذل النتائج التي تقود إليها عقيدة التفوق وعُدتها - التكوينية والتشغيلية - من أوهام الفَرَادة والتميز ومتولداتها من منازع الاستعلاء والإنكار. والأنكى أن الأمم والمجتمعات المصابة بلوثة العنصرية كثيراً ما تبني عنصريتها المَرَضية على خرافات تافهة - لا قيمة لها في الواقع ولا في ميزان العقل والعلم - من قبيل «تميز» العِرق والدم واللون وما شابه! فَيَقِر في وعيها، ولا وعيها، أنها حقائق، وتطمئن إليها بوصفها يقينيات لا يرقى إلى أمرها شك ممّا يقودها، بالتالي، إلى إتيان أفعال ومسلكيات مؤذية للآخرين أشد الإيذاء.

غير أن الخرافات التافهة المؤسسة للعنصرية سرعان ما تتحوّل إلى مبدأ يُشَرعِن أفعال عدوان تجاه مَن يبْدون مغايرين لأولئك المسكونين بالخرافات تلك. ولقد تكون العنصرية، في الأغلب من أحوالها، فعْلَ عدوان رمزي، أو معنوي، على مَن يقع عليه فعلها؛ فتتمظهر في صور من الحط منه والاحتقار والمجانبة والعزل وما شاكل، أو في صورة مخاطبة - مباشرة أو غير مباشرة - تتوسل أسلوب العنف اللفظي... إلخ. لكنها كثيراً ما تتبدى في شكل عنف مادي حين يقع الاحتكاك المباشر بين مَن يمارسها ومَن تُمارس عليه. بل قد يكون الإفصاح عن ذلك العنف، من قِبل الواقع في شِراك العنصرية، سبباً لاستثارة ذاتية المعتدى عليه واستدراجه إلى الرد على العنف الممارس عليه بعنف مضاد، مما قد يستجر سلسلة من المجابَهات العنيفة المتبادلة.

ما من مجتمع أو ثقافة أو أمة تخلو من لوثة العنصرية تجاه غيرها، والاختلاف بينها إنما يكون في الدرجة. والغالب على الظاهرة أنها تقترن بالمجتمعات والأمم التاريخية؛ أي من تتمتع بإرث تاريخي كبير. ولقد كان مبنى العنصرية، في ما مضى من عهود (قبل الأزمنة الحديثة)، إما على الشعور الزائف بتفوق الدين وتفوق الجماعة المؤمنة به ومكانتها الخاصة - كما تعتقد - عند الله؛ أو على الشعور بالقوة الفائقة نتيجة السيطرة والسيادة على المغلوب؛ أو على الشعور بالمَحْتِد العائلي أو القَبلي العريق؛ أو على حيازة أسباب الغنى والتّرف... إلخ. غير أن مَباني هذه النزعة المرضية شَرعت في التغيّر والتكَثر بدءاً من العصر الحديث، فانضافت إليها أسباب أشد سخافة وأسوأ قَواماً ممّا كانَته أسبابها ودواعيها في الماضي. والأَدعى إلى الاستغراب أن أكثر ما جد على أسبابها لصيق الصلة بتطور الأبحاث العلمية، الأمر الذي تولّد معه يقين زائد بوجاهة هذه الأسباب التي تدعو إلى العنصرية وتُشرعنها بما هي فعل «طبيعي».

واحد من أسباب طفرة العنصرية في أوروبا، ومجمل الغرب استطراداً، الثورة العلمية التي شهد عليها علم الأَحياء (البيولوجيا) منذ القرن الثامن عشر، خاصة في ميدان دراسة الأنواع الحيوانية وتطور سلالاتها عبر أحقاب التاريخ. ولقد قادت نتائج الأبحاث والدراسات، في ذلك الميدان، إلى تطبيقات خرقاء لها على النوع الإنساني. ومن حينها بات مألوفاً الحديث بين العلماء وأشباه العلماء عن الفوارق بين الأعراق والسلالات الإنسانية، ثم أتى من بنى على ذلك أزعومات من قبيل تَفَوق العِرق الأبيض. وكما استثمرت الحملات الكولونيالية هذه الفرضيات العنصرية وبررت بها سياساتها ضد الشعوب المستعمَرة في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، كذلك استثمرتها النازية الألمانية في خرافاتها عن تفوق العِرق الآري كما في سياساتها لإبادة غيره من الأعراق، قبل أن تتحوّل العنصرية إلى ثقافة جمعية في أوروبا، وإلى سياسة عليا رسمية، بعد أن رسخت لها الجذور في أمريكا الشمالية منذ إبادة البيض الأوروبيين لسكان القارة الأصليين إبادة جماعية.

لا عنصرية تضاهي، اليوم، عنصرية الغرب في الحِدة والشمول والهيمنة والأذى. السياسات العدوانية الغربية ضد شعوب العالم الثالث؛ واهتضامها حقوقها الوطنية والاقتصادية والسياسية والسيادية؛ واستبعادها من ميدان صناعة القرار الدولي والمشاركة فيه؛ وضرب مشاريعها الوطنية والتنموية المستقلة ومحاصرتها اقتصادياً وسياسياً؛ وشن الحروب العسكرية الظالمة على كثير منها... هي غيض من فيض تلك العنصرية البغيضة التي تؤسس رؤى دوله وسياساتها العليا تجاه ما يقع خارج عالم الغرب. غير أن الأسوأ من ذلك أن تصير هذه العنصرية ثقافة جمعية لدى مجتمعاته.

وها هي، اليوم، حركات اليمين العنصري المتطرف تتناسل من هذه الثقافة وتزحف وتتمدد؛ بل تهدد بأن تتحوّل غداً إلى نخب حاكمة في بعض بلدان ذلك الغرب.

عن الخليج الإماراتية