رسالة من بلاد الشام إلى الجنرال السيسي

10:08 2013-11-09

جهاد الزين

ما قام به الجيش المصري بعد الموجة الشعبية الهائلة في 30 يونيو 2013 هو منع الحرب الأهلية في مصر. ليس أقل من ذلك. نحن هنا في بلاد المشرق العربي نعرف معنى الحرب الأهلية، فقد أصبحنا جميعا في لبنان والعراق وسوريا واليمن والبحرين بأشكال مختلفة في حالة حرب أهلية. ولذلك الخبرة الجَماعية عندنا تدرك وتتحسّس مرارة انهيار الدولة في بلدٍ ما باعتبارها لا يمكن أن تحصل بدون أن يليه انهيار المجتمع نفسه.

الكثيرون هنا من نخب بلاد المشرق العربي يعرفون أن العنصر الهام والعميق الذي مكّن مصر مؤخّراً من النجاح في منع الحرب الأهلية على أراضيها ليس فقط قوة الجيش وتماسكه وإنما أيضاً كون الجيش يستند إلى ثقافة سلميّة راسخة في المجتمع المصري نفسه. مع الأسف مجتمعاتنا في المشرق، بلاد الشام والعراق وشبه الجزيرة لا تحمل هذه الثقافة الاجتماعية السلمية الراسخة الموجودة في وادي النيل.
وبعيداً عن التبسيط غير البريء الذي شهدناه في الغرب بعد إبعاد الرئيس محمد مرسي من السلطة، التبسيط الذي نظرإلى ما حصل من حيث الشكل الملتبس لا المضمون الواضح الذي عبّرت عنه موجة 30 يونيو الشعبية غير المسبوقة... بعيداً عن ذلك أودّ اليوم أن أخاطبك من هذا الموقع المؤيّد منذ اللحظة الأولى لموجة 30 يونيو لكي أعبّر لك عن العديد من الهواجس بل المخاوف الناشئة من مسار عدد من القضايا التي يواجهها الوضع المصري الجديد.
قوة التحالف بين الجيش والشعب تكمن في إثبات أن مهمة الجيش الجديدة ليست حكم مصر بل إنقاذ مصر. ولهذا، وبدءاً من الشكل، يرى كثيرون أنه من المهم جدا أن تقوم أنتَ شخصيا بحسم الالتباس الناشئ عن إشاعة احتمال ترشيحك لرئاسة الجمهورية بحيث تعلن صراحةً وبوضوح أن المؤسسة العسكرية التي أنقذت مصر من خطر الحرب الأهلية لا تريد أن يصل أيٌّ من ضباطها الكبار (الحاليين والسابقين) إلى رئاسة الجمهورية تأكيدا منها على الوفاء لأحد المعاني الرئيسية، إن لم يكن الرئيسي، في ثورة 25 يناير 2011 في ميدان التحرير وهو أن مصر بعد اليوم لن تُحْكم إلا برئيس مدني ومنتخب. لهذا سيسَجَّل لك في تاريخ مصر إذا حسمتَ من الآن وسريعا مسألة عدم ترشيحك للرئاسة أنك القائد المصري الذي ساهم ليس فقط في منع الحرب الأهلية بل أيضا في حماية أهداف ثورة ميدان التحرير الديموقراطية. وهذا بُعدٌ يُشجِّع العديدُ من تصريحاتك على المراهنة عليه.
وبعيداً أيضا عن بعض المنافقين الذين يصـــوّرون لك أنك جمــال عبد الناصر الجديد أسمح لنفسي بالقول أن "الناصرية" الجديدة لم يعد ممكنا أن تكون تلك القديمة التي تجسّدت في حكم عسكري قاد الوطنية المصرية بمضمون تغيير اجتماعي جذري. "الناصرية" الجديدة، إذا كان لا بد من هذا المصطلح، هي الديموقراطية. فمثلما أدرك عبدالناصر ورفاقه عام 1952 أولوية المضمون الاجتماعي للتغيير، وقبله مثلما أدرك سعد زغلول ورفاقه أن البعد الدستوري لثورة 1919 يحمل مضموناً رئيسيّاً هوالاستقلال عن الاحتلال البريطاني، اليوم بعد ثورة ميدان التحرير فإن التغيير يحمل مضمونا جوهريا هو المضمون الديموقراطي. وعندها لن يستطيع أحدٌ من خارج مصر أو داخلها أن يدّعي أن 30 يونيو هي ارتداد عن 25 يناير. العكس هو الصحيح: الثانية في يونيو هي حماية للأولى في يناير من الفكر الظلامي وغير الكفؤ الذي حاول أن يحتكرها.
لا تستطيع يا سيادة الفريق أن تتصوّر حجم وكثافة الاهتمام اليومي في بلادنا بما يجري في مصر وكم تبلور الوعيُ بأن مصير الموجة الديموقراطية العربية يتقرّر في مصر، لا فقط بمعنى استقرار مؤسّسات الحكم الديموقراطي بل أيضا بمعنى أن الديموقراطية يمكن أن تتحقّق دون أن تهدِّد دولَنا ومجتمعاتِنا بالانهيار. فبسبب عقدة ذنب المشرق "الحرب أهلوية" لاسيما في اللحظة السورية الكارثية، ولبنان في بطنها الرخو، باتت مصر تمثّل لنا هنا معادلةَ إمكانيّةِ الجَمع بين التماسك والتغيير. وأؤكد لك أن نجاح مصر في تلافي خطر الحرب الأهلية على أراضيها بعد 30 يونيو كان ولا يزال خبراً سعيداً جداً لنخب المشرق المهمومة والمتنوّرة وغير المتورّطة في مصالح التفتّت الداخلي ومصادره الخارجية... على أمل أن يؤثّر النجاح المصري لاحقا في توجّهات قبائل وطوائف ومذاهب وكل عصبيات هذا المشرق الخائفة والمتناحرة والتي تشهد انهيار دولها تباعاً؟
بانتظار أن تُنهي لجنة الخمسين مهمة صياغة مشروع الدستور الجديد باتجاه الاستفتاء الشعبي عليه وتدخل الحياةُ السياسية المصرية في انتخابات برلمانية رئاسية جديدة، وبانتظار أن تتمكّن القوات المسلحة من القضاء النهائي على بؤر الإرهاب في سيناء وغيرها، أتمنى لك النجاح في اجتياز المرحلة الانتقالية الصعبة وخصوصا بما يحدّ من أي التباس يتعلّق بحريات التعبير بعدما ظهرت مؤشّراتٌ سلبية حولها في الفترة الأخيرة.
وأتمنّى أيضاً أن تصلك هذه الرسالة.
مع الاحترام - بيروت

عن النهار اللبنانية