اميركا تسلم طالبان الحكم

تابعنا على:   23:17 2021-08-15

عمر حلمي الغول

أمد/ تدحرجت كرة اللهب في أفغانستان بتواتر مع تقدم قوات حركة طالبان ووقوفها على أبواب العاصمة كابول منذ صباح امس، بعد ان تمكنت من السيطرة على الغالبية الساحقة من الولايات الأربعة والثلاثين، ورفضت قيادة طالبان حسب بيان رسمي دخول العاصمة بالعنف او الحرب، وتنتظر ان تسلم الرئاسة والحكومة الأفغانية مراكزها بسلام. وكانت أعلنت جهات رسمية، ان الرئيس اشرف غني احمدزي، ترك القصر الرئاسي ولجأ لمكان آمن في العاصمة.

وفي ضوء التطورات الدراماتيكية المتسارعة، فإن التقدير الواقعي يشير، إلى ان قوات طالبان قد تكون دخلت العاصمة كابول قبل نشر هذا المقال غدا صباحا. وبدا واضحا ان المؤتمر الذي عقد في الدوحة قبل يومين بمشاركة واشراف وإدارة الولايات المتحدة بالإضافة إلى الاتحاد الروسي والاوروبي والصين والدوحة وممثلين عن حركة طالبان والنظام السياسي الافغاني، لا يعدو اكثر من مسرحية هزلية، لإن الستار على النظام السياسي الرسمي اسدل منذ بدأت المفاوضات بين أميركا وممثلي طالبان في العاصمة القطرية قبل أكثر من عامين، والتي توجت في 29 شباط / فبراير 2020 باتفاق بين الحركة وممثلي النظام السياسي، ومثل الجانب الأميركي زلماي خليل زادة، وهو ما مهد الطريق لما يجري الآن على الأرض الأفغانية. ولم تكن خطة النقاط التسعة الأميركية، التي طرحها زادة في المؤتمر الأخير إلآ الفصل النهائي من المسرحية، خاصة وانها لم تجد قبولا لا من النظام ولا من طالبان. وبالتالي كان طرحها لمجرد ذر الرماد في العيون الرسمية الافغانية. 

بعيدا عن التفاصيل المتعلقة بالتطورات خلال العقدين الماضيين من الاحتلال الإميركي لإقغانسان، فإن الصورة الجلية في المشهد الأفغاني تؤكد على: أولا إقرار الولايات المتحدة باداراتها المتعاقبة بتسليم حركة طالبان مقاليد الحكم على طبق من فضة، ولهذا دلائل كبيرة في معايير السياسة؛ ثانيا صحيح ان الحرب وفق المعلومات الأميركية استنزفت الف مليار دولار أميركي، والفين وخمسماية جندي أميركي قتيل، لكن الولايات المتحدة نهبت ثروات أفغانستان فوق وتحت الأرض، والتي تقدر بآلاف المليارات من الدولارات، وقتلت عشرات ومئات الالاف من الأفغان البسطاء، ليس هذا فحسب، انما مزقت أفغانستان وحولتها لدولة فاشلة بكل معايير الكلمة؛ ثالثا طالبان ليست عدوا للولايات المتحدة، انما هي أداة من ادواتها، وبالتالي سلمت إدارة بايدن الحكم لحليفها، الذي صنعته وأهلته لقيادة المرحلة القادمة، وستكشف الأيام، ان هناك اتفاقا سريا بين اميركا والقيادة الطالبانية لادارة الصراع في الاقليم؛ رابعا من يعتقد ان الولايات المتحدة تخلت عن دور الجماعات الإسلاموية المتطرفة وفي مقدمتها الأخوان المسلمين وعصاباتها المختلفة من "داعش" إلى "النصرة" إلى المسميات المختلفة في سيناء وسوريا وليبيا والصومال واليمن والعراق وغيرها من الدول يكون مخطئا. لإن الحقيقة الماثلة من النموذج الافغاني تعكس الواقع؛ خامسا أفغانستان ستبقى خط مواجهة امامي للولايات المتحدة الأميركية وحلفائها في مواجهة خصومها في الشرق الأوسط الكبير.

إذا من يعتقد من المراقبين السياسيين ان الولايات المتحدة خرجت مهزومة من أفغانستان، يكون مخطئا جدا، ولا يقرأ اللوحة جيدا، وانسحاب الجنود الأميركيون من الأراضي الأفغانية لم يكن سوى إعادة تدوير زوايا وادوار الأدوات الأميركية في الدول الواقعة تحت سيطرتها، وهذا ما حدث في العراق، ويحدث في اليمين وليبيا، وهو ما قد يحدث في فلسطين لاحقا في شروط أخرى أكثر مؤاتاة لها ولحليفتها الإستراتيجية إسرائيل، والذي لن يقتصر دور حلفائهم من الإخوان عند حدود قطاع غزة، انما سيمتد الإنقلاب لما هو ابعد. وبالتالي نظرية، ان إسرائيل لن تسمح بسيطرة حركة حماس على الضفة، هي نظرية تحتاج إلى تدقيق ومراجعة. أميركا وإسرائيل وكل دول الغرب الرأسمالي لا تعنيها التحالفات من قريب او بعيد، ما يعنيها هو مصالحها الحيوية، ومن لديه القدرة والإمكانية لتنفيذ مخططاتها الإستراتيجية في الإقليم وعلى رأسها المشروع الكولونيالي الصهيوني وفق الضوابط الأمنية الخاصة بإسرائيل وأميركا واضرابهم.

وعليه الدرس الأفغاني يتجاوز حدود القراءة الشكلية لما جرى ويجري على الأرض الأفغانية ليصل إلى اقاصي الشرق الأوسط وخاصة في الدول العربية عموما وفلسطين خصوصا. ومن يتابع التراجع النسبي والتدريجي لدول المعسكر الغربي في التعامل مع المسألة الفلسطينية، يستطيع ان يستشرف المستقبل غير السعيد، إذا قدر للسيناريو الافغاني النجاح.

كلمات دلالية