حاضر ومستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية وحاجة الفلسطينيين لعقيدة أمن قومي

تابعنا على:   16:25 2021-07-25

أحمد عيسى

أمد/ يهيمن على الساحة الفكرية والسياسية الفلسطينية في هذه الأيام جدل واسع حول حاضر ومستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية التي كانت قد تأسست في أواسط ستينات القرن الماضي لغايات تدمير الكيان الصهيوني وتحرير فلسطين والفلسطينيين من الإستعمار، أو على الأقل هكذا كان الهدف المعلن في البدايات الأولى.

ويحتل موضوع الأمن أو موضوعة العقيدة الأمنية مساحة واسعة من هذا الجدل الذي لا نبالغ بالقول أنه قد وصل ذروته بعد وفاة الناشط السياسي نزار بنات أثناء محاولة إعتقاله من قبل قوة أمنية فلسطينية في شهر يونيو/حزيران الماضي، في إشارة إلى عدم رضا غالبية الفلسطينيين على حاضر وواقع الحركة الوطنية وقلقهم المشروع كذلك على مستقبلهم ومستقبل أبنائهم.

ويمكن ملاحظة أن هذا الجدل ينقسم إلى إتجاهين رئيسيين إثنين، يرى الأول أن الحركة الوطنية الفلسطينية التي تقود المشهد الفلسطيني الآن قد وصلت إلى نهاية الطريق دون أن تنجح في تحقيق ما وعدت الشعب به مثل: إنهاء الإحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على حدود العام 1967، وبناء نظام حكم رشيد، والتأسيس لإقتصاد مزدهر، وتوفير حياة كريمة للشعب الفلسطيني.

ويضيف أصحاب هذا الإتجاه أن الغالبية العظمى من الشعب الفلسطيني باتت تؤمن أن إستراتيجية التسوية السياسية والمفاوضات التي تبنتها الحركة الوطنية منذ ثلاثة عقود لم تحقق، بل لا يمكنها أن تحقق أي من هذه الوعود، وعلاوة على ذلك يجادل أصحاب هذا الإتجاه علناً أن العقيدة الأمنية التي أنتجتها هذه الإستراتيجية باتت تخدم مصالح الإحتلال أكثر مما تخدم مصالح الفلسطينيين، الأمر الذي يعني من وجهة نظرهم أن الخروج على هذه الإستراتيجية وما أنتجته من عقائد بات أقل كلفة من مواصلة التقلب على أديم نيرانها.

ومقابل ذلك يرى أصحاب الإتجاه الثاني انه صحيح أن الدولة الفلسطينية الموعودة لم تقم بعد، لكن الفلسطينيين قد قطعوا شوطاً طويلاً وشاقاً نحو إقامتها، إن على صعيد تحقيق الشرعية الدولية المطلوبة لإقامتها، أم على صعيد تحقيق التوافق الداخلي عليها كهدف وغاية فلسطينية عليا.

وفضلاً عن ذلك يجادل أصحاب هذا الرأي بأن التسوية السياسية هي الإستراتيجية الأنجع لتسوية الصراع الفلسطيني الإسرائيلي في المرحلة الحالية، وأن المفاوضات كساحة من ساحات المقاومة وليس كنمط حياة، هي الساحة التي يمكن أن يحسم فيها الصراع إذا قدر له أن يحسم، والأهم أنهم يضيفون وهم محقون في ذلك، أن مكاسب الفلسطينيين مقابل مخاسر الإحتلال نتيجة لهذه الإستراتيجية، أكبر وأهم بكثير من مكاسب الإحتلال ومخاسر الفلسطينيين في ظل تطبيق إستراتيجيات أخرى إذا ما جرى حساب مكاسبنا ومخاسر الإحتلال في ظل إستراتيجيات مختلفة ووفق نفس الشروط.

أما حول الأمن والعقيدة الأمنية، فيجادل أصحاب هذا الإتجاه، أن العقيدة الوطنية الفلسطينية التي كرستها الحركة الوطنية الفلسطينية في وثائقها الدستورية (الميثاق الوطني، البرنامج الأساسي للمنظمة، وثيقة إعلان الإستقلال)، كانت ولا زالت هي المحرك الرئيس للمؤسسة الأمنية حديثة النشأة والتكوين ولمنتسبيها كذلك (والذين كانوا جميعهم إما من مقاتلي الثورة الفلسطينية في الخارج، أو من قيادات ونشطاء الإنتفاضة الأولى وأسرى الثورة الفلسطينية من الداخل)، وليس العقيدة الأمنية الجديدة التي يجادل البعض وهم محقين في ذلك أن ملامحها قد رسمتها المواد والأحكام المتضمنة في إتفاقيات أوسلو وملاحقها.

ويبدو هنا أن البعض من أصحاب هذا الإتجاه قد راهن على إمكانية التعايش مع نصوص الإتفاقات الأمنية، لا سيما وأنها اتفاقيات مؤقتة ولا تصلح أن يبنى عليها عقيدة أمنية فلسطينية الجوهر والهوية، وتركت أمر العقيدة (وحسناً فعلت) لدستور( الذي نُشر منه ثلاث مسودات حتى الآن) الدولة الموعودة والتي كان من المفترض أن تقوم بعد نهاية المرحلة الإنتقالية التي حددتها الإتفاقات العام 1999.

وتأسيساًعلى ذلك ساهم عدم نهاية المرحلة الإنتقالية وعدم قيام الدولة الفلسطينية المستقلة الموعودة، ثم إنقلاب إسرائيل والولايات المتحدة الأمريكية على أهداف عملية التسوية في وضع الحركة الوطتية الفلسطينية في المأزق الذي تعيشه الآن، وشكل كذلك الدافع المحرك للجدل الفكري والسياسي الذي تشهده الساحة الفلسطينية عامة.

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه على الرغم من وجاهة ومشروعية هذا الجدل بشقيه، إلا أنه يبتعد عن الصواب والموضوعية عند تناوله العقيدة الأمنية لإستنفاذه كثير من الجهد والوقت في غير مكانه، وذلك ببساطة لعدم تبلور عقيدة أمن قومي فلسطيني حتى تاريخه، الأمر الذي يجعل من المشروع القلق على عدم مساهمة هذا الجدل في التأسيس لمستقبل حركة وطنية فلسطينية قادرة على تلبية آمال الشعب الفلسطيني.

في الواقع تأخذ هذه المقالة على الحركة الوطنية الفلسطينية عدم تطويرعقيدة للأمن القومي الفلسطيني وفق المعنى المتعارف عليه لعقيدة الأمن القومي أكاديمياً وإجرائياً طوال العقود الخمس الماضية، وبالتالي فقدانها للأداة اللازمة لتأطير وترتيب الأولويات والإستراتيجيات الفلسطينية، ويمكن الإستدلال على ذلك بسهولة من خلال عدم ثبات الحركة الوطنية منذ تأسيسها على هدف إستراتيجي واحد بما في ذلك عدم الثيات على إستراتيجيات تحقيق هذا الهدف، إذ تحولت أهداف الحركة الوطنية من: تدمير إسرائيل تارة، إلى دولة ديمقراطية واحدة تارة أخرى، ثم إلى سلطة وطنية مقاتلة على أي جزء يتم تحريره، وبعد ذلك إلى دولة فلسطينية مستقلة على حدود العام 1967، ثم إلى حل الدولتين مع تبادل أراضي.

اللافت في هذا الشأن أن مراجعة تاريخ الحركة الصهيونية التي يفترض أن يكون الإتجاه المعاكس لها بمثابة البوصلة الموجهة للحركة الوطنية الفلسطينية يظهر العكس تماماً، حيث أنها بدل التبدل التحول من هدف لآخر ثبتت على الأهداف الأساسية التي طورها المؤسسون الأوائل للحركة على إختلاف مشاربهم وقناعاتهم الأيدلوجية والسياسية، والأهم أنها طورت بعد الإعلان عن قيام إسرائيل العام 1948 من خلال رئيس الوزراء الأول بن غوريون ركائز واضحة لعقيدة أمن قومي لا زالت ثابتة وفاعلة ومؤثرة وملزمة لكل الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة حتى يومنا هذا، رغم أنه إستمد الأفكار المؤسسة لهذه الركائز من فكر الزعيم المعارض له جابوتنسكي.

صحيح أن الدولة الفلسطينية الموعودة لم تقم بعد، وصحيح أن الحركة الوطنية الفلسطينية قد نجحت في جعل العقيدة الوطنية هي المحرك للسلطة الفلسطينية بكل أجهزتها التنفيذية لا سيما الأمنية منها، إلا أن طول الفترة الإنتقالية وتبدل الأجيال ينطوي على إحتمالات حلول النصوص المتضمنة في الإتفاقات الموقعة محل العقيدة الوطنية، الأمر الذي يفرض على الفلسطينيين الإسراع في تطوير عقيدة واضحة للأمن القومي قادرة على تأطير الأولويات والإستراتيجيات الفلسطينية سواء في مرحلة ما قبل الدولة أم مرحلة ما بعد الدولة، وسواء جرى التوافق علي هذه العقيدة علناً أم ضمناً.

كلمات دلالية

اخر الأخبار