يوم اغتيل عرفات سياسياً قبل أن يقضي مسموماً

تابعنا على:   05:09 2013-11-08

عامر راشد

بعد مرور أكثر من سبع سنوات على رحيله تأكد أن الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات قضى مسموماً بمادة البولونيوم، التي وجدت كميات غير طبيعية في رفاته، وبانتظار أن تكشف التحقيقات عن الجهة التي تقف وراء اغتياله تُوجه أصابع الاتهام نحو إسرائيل المستفيد الوحيد من وراء استهدافه، بعد أن فشلت في اغتياله سياسياً بمشاركة إدارة بوش الابن.

أماط خبراء سويسريون، من معهد لوزان للفيزياء الإشعاعية، اللثام عن ظرف وفاة الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات، حيث أفادوا نتيجة تحليل عينات أخذوها من رفاته، بعد فتح قبره في رام الله في تشرين الماضي، بأنهم عثروا على مستوى مميت من مادة "البولونيوم - 210" في العينات، وهي مادة نادرة وعالية الإشعاع لا يمكن إنتاجها إلا في مفاعل نووي، ما يؤكد أن من يقف وراء عملية التسميم جهة تمتلك تقنية عالية في الصناعة النووية.

وتعزز هذه النتيجة فرضية ترجيح أن المخابرات الإسرائيلية تقف وراء التخطيط للعملية وتنفيذها، بأوامر وتوجيهات من رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق أرييل شارون، وضوء أميركي أخضر لإبعاد عرفات، بشخصيته الكارزمية ومكانته القيادية والشعبية، عن المشهد السياسي الفلسطيني كلياً، تحت وهم إمكانية خلق قيادة فلسطينية جديدة، أو (مغايرة) على حد المصطلحات الإسرائيلية، تستجيب للمطالب والاشتراطات الإسرائيلية في المفاوضات. 

وتتوافق هذه الفرضية مع أحد ثوابت سياسات الاحتلال الإسرائيلي، بتنفيذ عمليات اغتيال بحق العشرات من القادة الفلسطينيين، داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وخارجها. فقد سعت قوات الاحتلال إلى تنفيذ أكبر عدد ممكن من الاغتيالات بحق قادة الصف الأول والكوادر العسكرية والسياسية في الفصائل والقوى الفلسطينية، والقيادات الميدانية والناشطين في الانتفاضة، دون أدنى مراعاة لبنود اتفاقية جنيف الرابعة، وبقية المواثيق والأعراف الدولية التي تحمي المدنيين في المناطق الواقعة تحت الاحتلال، وتحدد التزامات دولة الاحتلال.

وتطلق إسرائيل على جرائم القتل هذه مصطلح "القتل المستهدف"، وتدعي أنها تستهدف أشخاصاً مطلوبين يشكلون خطراً على أمن دولة إسرائيل، وكانت التصفيات في السابق تركز على قادة وكوادر منظمة التحرير والفصائل الفلسطينية خارج الأراضي الفلسطينية المحتلة، قبل أن تركز عمليات الاغتيال بعد اتفاق أوسلو داخل الضفة الفلسطينية وقطاع غزة، بزعم أن إسرائيل تضطر إلى اغتيال من تدعي أنهم يشكلون خطراً أمنياً عليها، بعد أن تفشل في الوصول لهم من أجل اعتقالهم بسبب تواجدهم في مناطق خاضعة للسلطة الفلسطينية، إلا أن عدد من قتلوا وجرحوا جراءها من غير المستهدفين حسب الادعاء الإسرائيلي يوازي ستة أضعاف المستهدفين، كما توضح الكثير من الشواهد.

 في سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي قامت إسرائيل باغتيال العشرات من القادة الفلسطينيين، ومنذ الانتفاضة الفلسطينية الثانية في أيلول/سبتمبر العام 2000 قامت بأكثر من أربعمائة وخمسين عملية تصفية، أستشهد فيها من المستهدفين ما يقارب ستمائة، وجرح ما يقارب المائة والخمسين، في حين أدت التصفيات إلى مقتل وجرح أكثر من ثلاثة آلاف وخمسمئة مدني فلسطيني تدعي إسرائيل بأنها لم تكن تستهدفهم في العمليات المشار إليها.

وتجاهر سلطات الاحتلال الإسرائيلية بأن سياسة الاغتيالات سياسة يتم اعتمادها في أعلى المراجع والمستويات الرسمية السياسية والأمنية الإسرائيلية، وتم تبريرها من قبل المحكمة الإسرائيلية العليا، ما يؤكد أن إسرائيل تمارس سياسة "إرهاب دولة" على نحو منظم ضد أبناء الشعب الفلسطيني. وجدير بالذكر هنا أن إسرائيل رفضت التوقيع على الاتفاقيات المكملة لاتفاقية جنيف الرابعة، وتمنع أي لجان دولية من التحقيق في ممارسات قواتها في المناطق الفلسطينية المحتلة.

وبخصوص قضية اغتيال الرئيس عرفات بمادة البولونيوم، إلى جانب أن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك صناعة نووية عسكرية، والقادرة على إيصال هذه المادة إلى مقر الرئيس الراحل عرفات في رام الله، بواسطة عملاء لها، هناك أدلة دامغة على أن حكومة أرييل شارون وإدارة بوش الابن متورطتان في استهداف شخص الرئيس عرفات. في البداية تم استهدافه سياسياً لإبعاده عن دائرة القرار، بتوجيه اتهامات له تزعم بأنه يشكل أكبر عقبة أمام إنجاز تسوية سياسية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وبأنه يرعى ويمول الأجنحة العسكرية للفصائل والقوى الفلسطينية، ويشجع على خطاب الكراهية ضد إسرائيل، ما يجعله - حسب تصريحات العديد من المسؤولين الإسرائيليين - "ليس شريكاً في صنع السلام".

وكان استهداف عرفات ودوره على رأس أهداف حملة "السور الواقي"، التي أعادت فيها احتلال مناطق السلطة الفلسطينية، المنطقة أ حسب تقسيمات أوسلو. ووصلت الحرب الإسرائيلية ضد السلطة الفلسطينية ذروتها باحتلال مدينة رام الله، ومحاصرة الرئيس الراحل عرفات في مقر  الرئاسة (المقاطعة)، وكشفت التغطية السياسية الأميركية لهذه الحرب مدى هشاشة الأسس التي قامت عليها العملية السياسية والتفاوضية في مدريد والنتائج التي تمخضت عنها. وتحت وابل النيران أعلنت حكومة شارون عن مشروعها السياسي كاملاً، الذي يقوم على نقض كل الاتفاقيات السابقة مع السلطة الفلسطينية، وتقليص حجم دور السلطة الفلسطينية بما لا يتعدى دور "مجلس بلدي موسع"، يمارس ما تفوض له سلطات الاحتلال من صلاحيات لإدارة الشؤون المدنية فقط، في إطار "حكم إداري ذاتي محدود للأرض دون السكان". 

وكجزء من الأهداف الرئيسية للحرب على السلطة الفلسطينية، صعّدت تل أبيب وواشنطن من ضغوطها على الرئيس عرفات لإعادة فك وتركيب مؤسسات السلطة، كشرط لاستئناف العملية التفاوضية المنهارة، وراحت الأوساط الإسرائيلية والأميركية تشيع أوهاماً بإمكانية أن تعود العملية التفاوضية لزخمها إذا تمت إزاحة الرئيس ياسر عرفات، الذي استطاع أن يحافظ على مكانته القيادية رغم عمليات الفك والتركيب في بنية السلطة الفلسطينية بضغوط أميركية وإسرائيلية.

ولا تقتصر الاتهامات الموجهة إلى إسرائيل على ما يواجهه الفلسطينيون، فالكثير من السياسيين والقادة الحزبيين والمحللين الإسرائيليين عبروا عن اعتقادهم بأن إسرائيل هي من تقف وراء تسميم الرئيس عرفات.

من بين الشهادات الإسرائيلية تلك التي سجلها ناشط السلام أوري أفنيري في موقع "اوب ايد نيوز"، 7 تموز/يوليو 2012، وقال فيها: "بالنسبة إليّ، ليس ثمة ما يدعو إلى الدهشة . فمنذ أول يوم، كنت على قناعة بأن ياسر عرفات قد سُمم من قِبل أرييل شارون . وقد كتبتُ عن ذلك مرات عدة.. عرفات كان الرجل القادر على صنع السلام مع إسرائيل، والراغب في فعل ذلك، والأهم أنه كان قادراً، وراغباً في جعل شعبه، ومن ضِمنه الإسلاميين، يقبل بالسلام. وكان من شأن ذلك، أن ينهي مشروع الاستيطان. ولهذا، تمّ تسميمه".

أصاب أفنيري كبد الحقيقة، فمن فشل في اغتيال الرئيس عرفات سياسياً، هو صاحب المصلحة في تصفيته جسدياً، لأن بقاءه كان سيقوض مشروع شارون، الذي كان يستهدف حينها فرض تسوية مؤقتة وطويلة الأمد، رفضها بشدة الرئيس الراحل عرفات.