هبة القدس وتباشير التجديد للحركة الوطنية الفلسطينية

تابعنا على:   14:15 2021-05-11

نهاد أبو غوش

أمد/ بأدوات لا تزيد عن صدور عارية ومشرعة للرصاص الحي والمطاطي، وقبضات مرفوعة تلوّح بالتحدي والغضب، وحناجر صادحة بتكبيرات وخليط من الأغاني والهتافات الدينية والوطنية واليسارية. تقدم جماهير القدس وبخاصة شبابها معادلة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بأكثر صورها بساطة وبلاغة في الوقت نفسه: شعب أعزل إلا من الإرادة يدافع عن وجوده وكرامته الإنسانية أمام اعتى قوة احتلال غاشم. وسرعان ما يمتد لهيب الأحداث والمواجهات إلى المناطق المحتلة منذ العام 1948، ومختلف مناطق الضفة وقطاع غزة، وأماكن اللجوء الفلسطيني في بلدان الشتات والاغتراب، وباتت هبة القدس واحداثها اليومية تطرق ابواب العواصم العربية والإسلامية كافة، مستنفرة أشكالا متنوعة من التضامن، ولكنها وهذا هو الأهم هزّت الركود الذي سيطر على المشهد طوال العقد الفائت، وساهمت ايضا في تبدد كثير من الأوهام التي نشأت بفعل اتفاقيات "ابراهام".

إسرائيل أربكها الموقف، وعرفت شرطتها وأجهزة أمنها وحكومتها سلسلة من القرارات المرتجلة التي سرعان ما تراجعت عنها، مثل وضع الحواجز ورفعها، ومنع دخول بعض الأمكنة ثم السماح بذلك، وتوفير غطاء لوجستي داعم لغلاة المستوطنين وبعدها منعهم من تصدر المواجهات، ثم إغلاق الشوارع المؤدية إلى المسجد الأقصى، ومحاولات منع فلسطينيي الداخل من وصول القدس ثم التراجع السريع عن القرار، وشن حملات اعتقالات جماعية يتلوها سريعا الإفراج عن معظم المعتقلين. ولعل مردّ الارتباك الإسرائيلي هو في عدم توقع الأوساط السياسية والأمنية تصاعد هذا المدّ الجماهيري العفوي، و"الثبات الملحمي في المكان"  حسبما ورد في إعلان الاستقلال قبل 33 عاما بصياغة الشاعر محمود درويش، وكذلك بسبب الارتباك السياسي الناجم عن الحسابات المعقدة لحكومة نتنياهو وهي حكومة تصريف أعمال غير مستقرة، وكتل وأحزاب تزاود على بعضها البعض، وتخطب ودّ المتطرفين بإظهار تشددها تجاه الفلسطينيين والقضايا الساخنة كموضوع السيادة على المدينة المقدسة.

 الأوساط السياسية الإسرائيلية المختلفة، باستثناء غلاة المستوطنين والمتطرفين أمثال مجموعة "لهافا" وحزب القوة اليهودية الذي يقوده النائب الجديد في الكنيست ايتامار بن غفير السائر على خطى الحاخام العنصري وداعية العنف مائير كهانا، تدرك أن محاولات فرض سياسات وإجراءات جديدة لتغيير الوضع القائم في القدس والمسجد الأقصى، تشبه اللعب بالنار، وقد جرّبت إسرائيل ذلك عدة مرات فانتقل لهيب الأحداث من المسجد الأقصى للقدس لعموم المناطق الفلسطينية، وأبسط ما يمكن ان يجر إليه ذلك هو الدخول في دورة جديدة من العنف والعنف المضاد، ودخول الأراضي الفلسطينية المحتلة – مع مؤسسات السلطة- في حال من الفوضى التي يمكن أن تعصف بإنجازات سنوات من الهدوء والاستقرار، وتهدد تنفيذ خطط ومشاريع تحسم مصير الأراضي المحتلة إلى الأبد أبرزها خطة الضم الزاحف التي يجري تنفيذها عمليا من دون إعلانات صاخبة.

لكن أطرافا أخرى، فلسطينية هذه المرة، قد تشعر بالحرج والإرباك نتيجة استمرار هبة القدس واتساعها وخروجها عن سيطرة أية جهة، مع أن الهبة / الانتفاضة حظيت بكل أشكال الدعم المعنوي والمديح التي يمكن تخيلها  من قبل القوى السياسية من دون استثناء، فقد بدا واضحا بكل جلاء اتساع الفجوة بين القيادات الرسمية للسلطة والفصائل ومنظمة التحرير الفلسطينية وسائر مكونات النظام السياسي الفلسطيني من جهة، وبين الأحداث المتصاعدة على الأرض والتي تتخذ طابعا عفويا مستقلا عن إدارة أو توجيهات اية جهة سياسية.

من المؤكد أن منتسبي وناشطي الفصائل السياسية الفلسطينية يشاركون كغيرهم في مواجهات القدس، ويمكن معرفة ذلك من أسماء المعتقلين ووجوه الناشطين التي تظهر في مختلف ساحات التصدي لقوات الاحتلال والمستوطنين، لكن المؤكد ايضا أن الأحداث لا تخضع لتخطيط مسبق، ولا لتعليمات تأتي من رام الله وتونس، أو للجان التنسيق الفصائلي ولا لقيادة أو غرفة عمليات يومية، تعطي توجيهاتها كما كان عليه الحال خلال الانتفاضة الأولى، بل تفرض أشكال التنظيم العفوي والذاتي، وأحيانا الارتجالي على الهبة بكل مراحلها، وهذا ما يعطيها قوة من ناحية وخاصة لجهة عمقها الشعبي وصعوبة التاثير عليها باعتقال قياداتها، لكنه يبقيها عرضة لهزات ومناورات قوات الاحتلال الأكثر خبرة ووحدة وتنظيما.

تتسم هبة القدس بطابعها الشعبي العميق، إذ تشارك فيها مختلف الفئات والشرائح الاجتماعية والسياسية، ومن السهل تمييز مجموعات من المثقفين والفنانين والمهنيين والطلبة إلى جانب المرابطين والمرابطات ممن اعتادوا الاعتكاف لأسباب دينية في المسجد الأقصى، كما يتشارك الشباب والشيوخ، ونساء محجبات ومنقبات وأخريات سافرات الوجه، ومسيحيون ومسلمون في فعاليات المواجهات كافة بما في ذلك الطقوس الاحتفالية لوجبات اللإفطار الجماعية التي غالبا ما تتحول إلى مواجهات مع المستوطنين والشرطة، وتلتحق أفواج تلو الأفواج من فلسطينيي المناطق المحتلة عام 1948 بساحات المواجهة في الشيخ جراح والمسجد الأقصى.

جاءت أحداث القدس وقيادات المؤسسة السياسية الفلسطينية غارقة في إشكالاتها الذاتية، فخياراتها السياسية مربكة ومبهمة مع مجيء إدارة جو بايدن التي لا تولي حتى الان اهتماما كبيرا بالموضوع الفلسطيني،  وعلاقات هذه القيادة مع الدول العربية متوترة ومحفوفة بالشكوك والهواجس، وأزمات علاقاتها الوطنية الداخلية تتفاقم مع انتكاس مسيرة المصالحة وإلغاء الانتخابات، ومخاطر العودة إلى أسوأ ايام الانقسام الذي قد يقود لانفصال دائم.

تحاول القيادات السياسية الفلسطينية اللحاق بالأحداث أو ركوب الموجة ومسايرتها على الأقل، تارة عبر فعاليات تضامنية ميدانية في المدن على قاعدة "أضعف الإيمان"، أو عبر النشاط السياسي والدبلوماسي، وتوجيه رسائل وإيفاد مندوبين لدول العالم وقياداته، وطورا عبر إصدار بيانات وإطلاق نداءات تدعو الشعب للتصعيد، وأحيانا عبر إطلاق تهديدات نارية بإشعال المنطقة، لكن النادر في هذه الفعاليات هو الانخراط أو الحضور المباشر لساحات المواجهات، وكل ذلك لا يفعل سوى أنه يكشف اتساع الفجوة بين القيادات والهبة الشعبية العارمة التي باتت تقدم نموذجا مختلفا ومبهرا للعمل السياسي الفلسطيني، نموذج يتسم بالحيوية والبساطة والالتصاق بالناس العاديين، نموذج أقل ادعاء وأكثر نجاعة وأقل كلفة على عموم الشعب الفلسطيني.

هبة القدس تجري وتتعاظم خارج الأطر الرسمية للحركة الوطنية الفلسطينية وتنظيماتها التقليدية، وهي ليست الأولى في هذا المجال، فقد سبقتها حراكات وهَبّات وطنية واجتماعية لافتة مثل إضرابات المعلمين وتحركات المحامين والأطباء وحراك الضمان الاجتماعي، وحراك "ارفعوا العقوبات عن غزة" في الضفة، وحراك "بدنا نعيش" في غزة، كل هذه الحراكات تميزت بطابعها الجماهيري العارم، كما أنها كشفت مقدار التكلس والجمود، وأحيانا العزلة التي تعانيها الأطراف التقليدية للحركة الوطنية وقياداتها التي ما زالت تمسك بالقرارات والموارد والمقدرات. ربما لا يمكن لهبة القدس ومجمل هذه الحراكات أن تفرز بشكل سريع قيادات وأطرا جديدة أو بديلة للحركة الوطنية، لكن تباشير هذا التجديد تتضح يوما بعد يوم، وموجة إثر موجة من الهبات الشعبية المتواصلة.

اخر الأخبار