بتنازل السلطان عبد الحميد ضاعت فلسطين!

تابعنا على:   18:03 2021-05-08

مصطفى إنشاصي

أمد/ أود لفت الانتباه إلى أن كتابتي في ذكرى إكراه السلطان عبد الحميد الثاني التنازل عن العرش؛ ليس للدفاع عنه، فهو ليس متهماً، وموضوعه أشبع وقد أنصفه خصوم له بوثائق أنه كان مظلوماً وأن الذين تآمروا عليه هم المتهمون! لكن اختياري بدء الكتابة في ذكرى تنازله عن العرش، لأنه كان أول مَن أدرك البُعد الإسلامي في الهجمة الغربية، واختيارهم فلسطين مركزاً لها، وقاومها واضطر للتنازل عن العرش ولم يفرط في ذرة من ترابها! ولأن ذلك الإدراك المبكر منه كان يشاركه فيه كثير من العلماء والمفكرين والزعماء والقيادات العربية والإسلامية وسنكمل حديثنا عنهم!

وكذلك للتذكير بخطر وحدة الأمة في كيان سياسي واحد على الغرب والعدو الصهيوني، لذلك هما حريصان على مزيد من تفتيت الأمة والوطن، وإذكاء روح العداء والصراع والحروب بين كل مكوناتها!

كما أن هدفنا إعادة الاعتبار للبُعد الإسلامي الديني في الصراع مع الغرب والصهاينة، ذلك البُعد الذي بعد أن أحيته انتفاضة الأقصى تحديداً، غاب واختفَ بعد أن تسرعت وتصارعت الفصائل الفلسطينية وخاصة المقاومة على جني الثمار دنيوياً، وها نحن شهود على النتائج المحبطة التي هبطت إليها القضية وحال شعبنا الفلسطيني في الداخل والخارج، وتراجع حضور القضية عربياً وإسلامياً ودولياً!

استمرت سياسة السلطان عبد الحميد بالتصلب أمام أطماع الغرب والصهاينة في وطننا، مما جعلهما يتآمران عليه لخلعه والتخلص ليس منه وحده، ولكن من النظام السياسي الإسلامي كله - الخلافة الإسلامية العثمانية - وكان لا بد أن تتوحد جهودهم ويعملا على التخلص منه، فأعلن هرتزل بعد فشله في الحصول من السلطان على أي مكسب رغم كل الإغراءات: "إني أفقد الأمل في تحقيق أماني اليهود في فلسطين، وإن اليهود لن يستطيعوا دخول الأرض الموعودة، ما دام السلطان عبد الحميد قائماً في الحكم مستمراً فيه" .

وقد أثبت السلطان عبد الحميد ذلك في مذكراته: "وانتظم يهود العالم وسعوا ـ عن طريق المحافل الماسونية ـ في سبيل "الأرض الموعودة" وجاءوا إلي بعد فترة وطلبوا مني أرضاً لتوطين اليهود في فلسطين مقابل أموال طائلة وبالطبع رفضت) .

وهكذا حركت اليهودية العالمية والغرب الصليبي أدواتهما، جمعيتي "الاتحاد والترقي" و"تركيا الفتاه" بالتعاون مع يهود الدونمة للتآمر على السلطان عبد الحميد وإسقاطه، فكان أول عمل قاموا به انقلاب عام 1908م الذي تمخض عن إعلان الدستور وإجراء انتخابات للهيئة التشريعية واطلاق الحريات ... هذا الانقلاب الذي كان في ظاهره "حركة قومية إصلاحية عربية تركية غير أن اليهود أسهموا فيها وغذوها كوسيلة للتخلص من عبد الحميد فوضع حكم عنصري يقصي المستشارين العرب ويسهل على السلطات الجديدة منح ما يطلبون من امتيازات".

وقد كان ذلك الانقلاب بمثابة: "ثورة على المفهوم المألوف للإسلام وعلى فكرة الجامعة الإسلامية عند السلطان عبد الحميد" .

ولم يكتفِ اليهود الصهاينة بذلك بل أجبروا السلطان عبد الحميد في العام التالي عن طريق أدواتهم المذكورة التخلي عن الحكم عام 1909م "ويمكن القول أن ثورة 1908م وحادثة خلع السلطان 1909م لعبتا الدور الأول والفعال في انتعاش الأماني الصهيونية لإقامة (مملكة إسرائيل) في فلسطين. وقد أثبتت الأحداث بعد ذلك تزايد الهجرة اليهودية إلى الأراضي المقدسة" .

كما أن رسالته التي أرسلها من سجنه ومنفاه في سالونيك مع أحد حراسه إلى شيخه في الطريقة الشاذلية في حلب "الشيخ محمود أبو الشامات"، تشهد له على ثبات موقفه الإسلامي، حيث يقول فيها: "(إن هؤلاء الاتحاديين قد أصروا علي بأن أصادق على تأسيس وطن قومي لليهود في الأرض المقدسة (فلسطين) ورغم إصرارهم، لم أقبل بصورة قطعية هذا التكليف، وأخيراً وعدوا بتقديم مائة وخمسين مليون ليرة إنجليزية ذهباً، فرفضت هذا التكليف بصورة قطعية أيضاً، وأجبتهم بهذا الجواب القطعي: إنكم لو دفعتم ملء الدنيا ذهباً، فلن أقبل بتكليفكم هذا بوجه قطعي، لقد خدمت الملة الإسلامية والأمة المحمدية ما يزيد على ثلاثين سنة فلم أسود صحائف المسلمين).

وبعد جوابي هذا اتفقوا على خلعي، وأبلغوني أنهم سيعيدونني إلى سالونيك، فقبلت بهذا التكليف الأخير. هذا وحمدت المولى وأحمده أنني لم أقبل بأن ألطخ العالم الإسلامي بهذا العار الأبدي الناشئ عن تكليفهم بإقامة دولة يهودية في الأراضي المقدسة: فلسطين" .

ولقد كشف بعض زعماء الانقلاب عن اعترافه بأنه وقع خديعة الحركة الصهيونية والتآمر الاستعماري، فهذا (أنور باشا) الرجل الذي قام بالدور الرئيسي في الانقلاب على الخلافة عام 1908م، والذي تسبب في تدهور الدولة العثمانية، يقول في حديث له مع (جمال باشا) ـ الذي قاد حملة التتريك في بلاد الشام، وأصدر أحكام الإعدام ضد الذين قاموا بهذه الحملة من العرب ـ إذ كانا يحللان أسباب الاندحار الذي أصاب الدولة التركية: "أتعرف يا جمال ما هو ذنبنا؟ وبعد تحسر عميق، قال: نحن لم نعرف السلطان عبد الحميد فأصبحنا آلة بيد الصهيونية ، واستثمرتنا الماسونية العالمية، نحن بذلنا جهودنا للصهيونية فهذا ذنبنا الحقيقي .

وكما باء أنور باشا وجمال باشا بالخزي والعار وقتلا في حوادث غامضة بعد ذلك. فإن أولئك العرب الذين وقفوا إلى جانب الاتحاد والترقي ضد السلطان عبد الحميد، أيضاً لم ينالهم إلا الخزي والعار الذي سجله لهم التاريخ، والقتل والاضطهاد الذي وقع عليهم من قبل حلفاء الأمس، لأن شهر العسل العربي التركي الذي أعلنته جمعية الاتحاد والترقي العربي العثماني كان قصير الأجل، إذ سرعان ما اتضح أن عناصر جمعية الاتحاد والترقي كانت تركية أولاً ويهودية ثانياً، وكان الاتجاه القومي الطوراني يقضي بسياسة "التتريك" وطمس معالم اللغة العربية من الشخصية العربية، "بل إن الاضطهاد التركي للعرب ازداد عما مضى وأحس العرب بالاحتقار والسخرية بهم وبتراثهم أكثر من أي وقت سبق كما أسيئت معاملتهم وأضعفت لغتهم" .

فقد ركز قادة الاتحاد والترقي هجومهم على عزت باشا العابد وأبو الهدى الصيادي وكانا من العرب المقربين إلى السلطان عبد الحميد.

وبخلع السلطان عبد الحميد زالت العقبة الكئود التي كانت تمنع الصهاينة من تحقيق أهدافهم في فلسطين، وازداد النشاط الصهيوني في فلسطين خاصة وأن الحكم الجديد أبدى تأييداً رسمياً للحركة الصهيونية.

ولقد تجلى التحالف الغربي – الصهيوني ضد الإسلام والمسلمين، عندما امتزجت الغايات الدينية والسياسية معا. وأجمع الغرب على التنكر لوعده للعرب أثناء الحرب العالمية الأولى بتحقيق الاستقلال لهم عن الدولة العثماني، وارتكب أبشع جريمة في التاريخ الإنساني، وجريمة إخراج شعب من وطنه، وتشريده، وإعطائه لعصابات إجرامية لا تستحقه. هذا الإجماع الغربي الصليبي بين جميع الطوائف والمذاهب الدينية والسياسية النصرانية على عمق خلافاتها وصراعاتها، دفع باحثاً ومفكراً يهودياً صهيونياً إلى وصف "وعد بلفور"، الذي كان أول ثمرات هذا التحالف، وصفاً بالغ الدقة، فقال: "لقد كان (وعد بلفور)، بمعنى بالغ العمق، وثيقة (مسيحية) أو لنقل قول العابر المتعجل. (وثيقة بروتستانتية)" .