إيران وأمريكا في معركة النووي.. من يستسلم أولا؟

تابعنا على:   14:40 2021-02-27

صالح عوض

أمد/ تدخل إيران بثورتها ونظامها مرحلة جديدة من العمل السياسي والتحديات المركبة في أتون معركة النووي والصواريخ ونفوذها في الإقليم حيث لن يقبل الغرب لها وجودا حقيقيا في هذه الملفات .. وهي إن استطاعت حتى اللحظة ان تحافظ على النظام والدولة وعلى كثير من مبادئ الثورة ومواقفها إلا أن التحدي القائم تتبرز فيه عناوين أكثر تعقيدا ولا يكفي ما تم انجازه على صعيد القوات المسلحة ولا النفوذ في الإقليم ولا صمود النظام..

وهنا يصبح سبر غور الموقف الأمريكي والأوربي ضروري تماما لكي تكون قراءة المشهد والنظر الى مآلاته بعين لا يزحزحها الوهم ولا التضخيم .. إنها ليست المعركة الأخيرة التي ستخوضها إيران ولكنها معركة حاسمة كما كل معركة ولن تنتهي معاركها مع المشروع الاستعماري الا على أحد وجهين إما أن تكون قد ركبت مرحلة ما بعد المشروع الاستعماري، أوأن تنضوي تحت ضغطه مع ركب الذين خشوا أن تصيبهم دائرة.. إن المسألة هنا لا تعالج بعواطف ولا أمنيات ولا شعارات، فللصراع قوانينه وأدواته وفلسفته.. ومن حسن الإيمان ان ندرك أن قوانين الله في التدافع لا تحابي أحدا..

طبيعة المواجهة:

يبدو لنا مع كل نتائج مواجهة بين دولة من دولنا والمشروع الاستعماري أن المسألة رهينة بمدى إدراكنا لطبيعة المواجهة حيث إصابتنا بالخيبة الناتجة عن سوء التقدير.. ولعلنا منذ ملوك الطوائف بالأندلس حل عطب في عقلنا السياسي وفقدنا بفعله احد اهم مكونات منهجنا ورؤيتنا، فتحولنا الى موقع المتلقي لضربات الآخرين تدفعنا إلى الأسفل مرة تلو الأخرى..

كنا نمتلك روح الهجوم والمبادرة والاقتحام وما تبعثه من تفكير وتخطيط وإعداد على كل المستويات النفسية والمادية، ولكننا أصبحنا بعد ذلك اما مهزومين نخسر الارض والثروات بشكل مباشر، او مقاومين نطرد عسكر المحتلين مع بقاء كثير من بذور الخراب بين ظهرانينا ومع كلا الحالين رضينا بخسارتنا الإستراتيجية على صعيد الإيمان باننا حملة رسالة وأصحاب منهج تحرري للبشرية.. ولذا لم تحمنا مقاومتنا من الهزيمة الحضارية على صعد أخرى كثيرة ونكتشف بعد حين ان انتصاراتنا الجزئية ليست سوى مركب مثقوب سريعا ما يغرق بنا.. نعم انتصرنا عسكريا في جولة او جولتين ولكننا دوما نخسر حضاريا.

ولفقداننا روحنا الأولى ومنهجنا الأول أصبح من السهل على عدونا ان يستدرجنا دوما إلى مواقع الهزيمة من خلال السياسة والمداولة حتى لو كنا قد حققنا انتصارات عسكرية عليه.. بمعنى أننا نخسر في جولة إدارة الصراع الحضارية ما نكسبه أحيانا بالقتال.

ولفقداننا روحنا ومنهجنا نصبح بلهاء يصيبنا العجب بأنفسنا المتوهمة و يخدعنا الشيطان بما بأيدينا فلا نرى ما بأيدي العدو ولا ننتبه لمخططه ولا ندرك مراميه.. وأكثر أنواع البله تعاسة ان نؤمل أنفسنا بعلاقات أخلاقية مع المجرمين اللصوص الذين لا حياة لهم ولا مستقبل إلا على سرقة ثروات الشعوب وقتلها وتخلفها، وأكثر من هذا البله أن تجدنا نتكلم دوما عن طبيعة الاستعمار ونفسيته من خلال شعارات وخطاب إلا أن كلامنا هذا كله لا يعدو ومضة تغيب مع حركة الواقع المتعدد الجبهات مع أول إشارة تودد يرسلها لنا المستعمرون ..

وهنا نطرح السؤال الكبير ماذا تريد إيران من مواجهتها مع أمريكا والغرب؟ وهل حقا تستطيع المواجهة؟ وهل أعدت لها عدتها؟ هل نهجت إيران طريق الأولويات لبناء قوة تستطيع ان تحمل رسالة بمنهجية متحررة من كل معرقلات النهضة، أم أنها تريد أن تثبت واقعا لها في دائرة الإقليم وتحشد لذلك قوتها وتحرك أدواتها..

لم يعد الأمر داخليا يتعلق بإسلامية الدولة والثورة بالمجمل و حتى هذا الباب لم يتم الحسم فيه بشكل واسع حيث لازالت البنوك وهي عصب الحياة والسياسة الدولية تفرض وجودها على العالمين.. ان الأمر يتعلق بكيفية مواجهة المشروع الاستعماري في الجملة والتفصيل وهنا نشهد الاختلافات الأيديولوجية الحادة بين حراس الثورة الإيرانية ودواليب النظام محافظين وإٌصلاحيين.

إن إجابة إيران على السؤالين تضمن لها نصف الإجابة وعندما تحقق إدراكها لطبيعة المعركة مع المستعمر وطبيعة تشكل نفسيته الجمعية ووجدانه الاستعماري تكون قد أكملت جملة وعيها الذاتي ويبقى عليها إدراك أي أدوات تحتاج وأي أدوات تحملها عبء إضافي؟

ثوابت أمريكية:

عندما نتناول الحديث عن الرؤية الأمريكية وثوابتها نحو إيران او نحو أي بلد من بلدان الجنوب يجب أن يتبادر إلى ذهننا أنها تعبر عن الرؤية الاستعمارية جملة ولهذا وجدنا ان الحروب التي شنتها الإدارات الأمريكية على العراق وأفغانستان وليبيا وسورية شاركت فيها الإدارات الاستعمارية جميعا، كما ان دعم الكيان الصهيوني ليس حكرا على الأمريكان بل والإدارات الاستعمارية جمعاء..

وهنا لابد من إبراز ثوابت السياسة الأمريكية تجاه إيران؟ وهي ذات الثوابت تجاه أي بلد من بلداننا العربية والإسلامية وان كانت طرائق المعالجة تختلف من موقع إلى آخر.. وتبرز شراسة هذه الثوابت كلما شعرت الإدارات الأمريكية بخطورة تهدد مصالحها الكونية والإستراتيجية حيث ينبغي ان يستمر تدفق المصالح بانسيابية دونما أي تعطل.. وهنا يتم النظر الى أي محاولة لتجميع القوة لدى أي بلد من بلدان الجنوب خطرا مستفزا للإدارات الأمريكية تقوم بإزاحته وتنحيه من المسرح.. نعم ان القوة المادية والعلمية والسياسية خطر حقيقي على مصير المصالح الإستراتيجية الاستعمارية.

وهنا لابد ان نشير الى أهمية الكيان الصهيوني للمصالح الإستراتيجية الاستعمارية وانه يمثل ذروة التدخل الاستعماري وأكثره شراسة.. وهنا يتم النظر الى أي محاولة لإضعافه او إرهاقه امنيا او الضغط عليه بقوة عسكرية او سياسية إنما هي محاولة لإضعاف شروط الوجود الاستعماري بالمنطقة.

وهنا تبرز الخطوط الحمراء الأمريكية لمواجهة التصنيع العسكري والتقنية العلمية"النووية" والقوة العسكرية والنفوذ الإقليمي.. هذه عناوين الجبهات المفتوحة ضد أي بلد من بلداننا العربية والإسلامية، أما مواجهة الإسلام والتصدي له فتأتي على اعتبار انه محرك لشعوب الجنوب وموحد لها وانه يمثل جدار صمودها ولقد انتهى الغرب منه كرابط واقعي للأمة بعد إسقاط الخلافة العثمانية ولذا كان التفكير الاستعماري المستمر لإثارة الشبهات حوله والتشكيك فيه. وعلى منحى آخر صناعة بدائل إسلامية تزيد كيانه تمزقا وتشرذما.

من هنا نرى ان إيران تكون قد دخلت حقول الألغام كلها بدء بعنوان ثورتها الإسلامية وشعاراتها الكبيرة التي تحدثت عن الوحدة والتصدي للطائفية ثم شعارها حول الكيان الصهيوني بأنه غدة سرطانية لابد من إجتثاتها وبعد ذلك سعيها للتصنيع الحربي و إصرارها على النووي وتحركها لتوسيع دائرة نفوذها إقليميا.

لا يهم هنا استحضار جردة حساب لما قامت به إيران من نجاحات أو إخفاقات على تلك الجبهات ولعله من الواضح ان إيران لم تحقق كل ما أرادت بل لعل مشروعها أصابه كثير من الخدش والاشتباه إلا أن الإدارات الاستعمارية لا تنظر إلى ذلك إنما إلى طبيعة النظام والدولة وتوفيرها عناصر القوة.. بمعنى آخر ان إصرار أمريكا على التصدي للمشروع الإيراني ليس للسبب ذاته الذي يشغل كثيرا من العرب إنما هو متباين معه أصلا وفرعا.. بل لعل أمريكا تستفيد مرحليا من التقوّي الإيراني لتمارس ابتزازا على الدول العربية بإفساح المجال أكثر لانخراطها في التسوية مع الكيان الصهيوني والتخادم المشترك معه اٌمنيا واستراتيجيا.

مآلات المواجهة:

لن تتنازل أمريكا عن ثوابت استراتيجيتها نحو بلدان الجنوب وهي الان في حالة استنفار واستفزاز قصوى.. ويدرك الإيرانيون ان الاتفاق النووي لم يحوز موافقة أمريكية من خلال مؤسساتها الدستورية.. حيث كان قرارا من قبل الرئاسة الأمريكية دونما إسناد من الكونجرس الذي استمر في رفضه..

ومن غير المتوقع أبدا ان تقبل أمريكا اختراق ثوابتها وستجد الوسيلة لإحداث الاختراق في الوضع بعد ان حققت من خلال الحصار وتثوير المنطقة أمام إيران وتركها تتحرك في اقليم ملغم يصبح عبء عليها.. والمتابع لتصريحات البيت الأبيض وحراك الكونجرس يدرك ان الإدارة الأمريكية تعمل على إدارة الأزمة وليس حلها والقضية كلها تلاعب بالكلمات..

صحيح ان أمريكا تواجه أزمات حادة اقتصادية واجتماعية وسياسية وصحيح انها منهمكة بترتيب توجهات أصدقائها بخليج العرب وترتيب أولوياتهم وصحيح ان نظامها السياسي تتكشف عوراته بمعنى أنها منهمكة داخليا وخارجيا لكن ذلك كله لا يدعوها الى تنازلات عن ثوابت رؤيتها لدولنا..

من هنا تصبح مراهنة إيران على تعديل الإدارات الاستعمارية موقها مراهنة خاسرة لا جدوى منها بل ستقودها إلى الإحباط تلو الإحباط.. ويبقى عليها التحرك في آفاق أخرى على صعيد الداخل بتعزيز الحريات والانفتاح على المجتمع وإقليميا بتنفيس الاحتقانات وطمأنة العرب على مستقبل بلدانهم بمعنى أن تصبح عامل توطيد لاستقرار البلدان رغم تعنت دول الخليج وانخراطها في سياسات عبثية، ودوليا عليها ان توسع جبهة التحالفات مع أمريكا اللاتينية والصين ولعل هذا يمثل تعويضا لها مع الحرص على الابتعاد عن محاولات الاستدراج..

ان الاقتراب من الوحش الجريح يعني انه سيلتهم الفريسة، ولذا يبدو ان تخفيف منسوب التفاؤل بنجاح المسار التفاوضي مع الأمريكان سيكون هو الأنسب والله غالب على أمره.

كلمات دلالية

اخر الأخبار