نابغة منذ صغره

تابعنا على:   19:46 2021-02-18

منجد صالح

أمد/ ولد وترعرع في قرية صغيرة جميلة، تقع على تلّة تُزنّرها من الجهات الأربع أشجار الزيتون والتين، من محافظة نابلس، تُعرف ببلدة الأنبياء والزيتون. يتمترس فيها ضريح النبي "ذو الكفل"، ومنه أخذت تسميتها وإسمها، ومقام النبي "ذو النون"، ومقام "يوشع بن نون"، قائد النبي موسى العسكري الذي اكتسح أريحا وأعمل فيها السكّين، ومغارة بنات يعقوب.

منذ صغره امتاز بدماثة الأخلاق وسموّ التهذيب، لم يُعرف عنه بأنّه تعارك ولو مرّة واحدة مع أترابه في "الحارة" أو في المدرسة. ولكن أهمّ ما عُرف عنه، منذ سنواته الأولى في مدرسته الإبتدائية، ولعه بدروس الدين وحفظ سور القرآن الكريم.

كان مُبرّزا في دروس الدين ومنهاج التربية الإسلامية إلى درجة أن أساتذته وزملاءه في المدرسة أطلقوا عليه تحبّباً لقب "الشيخ حيّان"، عندما كان في الصف الخامس الإبتدائي.

حيّان الهندي، وهذا إسمه ولقبه، حسب ما أحب وأراد ابوه تسميته حين ولادته، إعطائه اسما عربيّا قديما: "حيّان"، تيمّنا بصدر الإسلام وبالفتوحات الإسلامية المُظفّرة.

اعتلى المنبر لأول مرّة ليُلقي خطبة الجمعة في جموع المُصلّين في بلدته عندما كان عُمره إثنى عشر عاما، وهو في الصف الثاني الإعدادي.

نظر بعض المصلّين، ممن لا يعرفونه ولا بعرفون ابن من هو، إلى بعضهم البعض عندما رأوا الصبي الصغير، قصير القامة أبيض الوجه، يعتلي آخر درجات المنبر، يستدير ويتوجّه إليهم: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"، ولسان حالهم يقول: "ألم يجدوا رجلا بالغا يُلقي علينا خطبة الجمعة ويؤمّنا في الصلاة غير هذا الغلام"؟؟!!

لكنهم وجموا وانصتوا وشحذوا آذانهم وسمعهم وبصرهم عندما استرسل "الشيخ حيّان" في خطبته، يُعطّرها بآيات كريمة وأحاديث نبويّة شريفة وببيوتٍ صوفيّة من الشعر، سلبت ألبابهم، بكل اقتدار وفصاحة وبلاغة ونجابة، وبدأوا يتمتمون في سرّهم وبشفاه لصيقة أن: "ما شاء الله وتبارك على هذا "الغلام" النابغة".

أنهى حيّان الهندي الدراسة الثانوية وحصل على شهادة التوجيهي العامة بتفوّق بمعدّل 94%، ركب إلى جانب والده في السيّارة المسافرة إلى عمّان للتسجيل في الجامعة الأردنية. والده خلال الرحلة كان ساهما يُمنّي نفسه برؤية ولده طبيبا أو مهندسا بعد دراسته في الجامعة وتخرّجه منها، فهو مُبرّز في تحصيله العلمي، و"وبن ما رميته بييجي واقف"، لكن حيّان فاجأة في مكتب التسجيل في الجامعة بإصرارة على دراسة "الشريعة وعلوم الدين"، التربية الإسلامية، وهي من الكلّيات التي كانت تأخذ حينذاك حتى معدّل 65%، ولم يتراجع أو يتنازل عن مُراده وتصميمه ورغبته، فرضخ والده لرغبته وسجلّه في كلّية الشريعة.

تخرّج حيّان، بعد أربع سنوات، بدرجة البكالوريوس بتفوّق من كليّة الشريعة، مما حداها بالكلّية أن تُعطيه منحة دراسيّة لإكمال دراسته والحصول على درجة الماجستير، أين تخرّج أيضا بتفوّق بدرجة الماجستير، فكافأته الكليّة والجامعة بمنحةٍ للدراسة في أمريكا في جامعة جورجتاون في واشنطن، لدراسة الدكتوراه في تخصص "الأديان المقارن".

في جامعة جورجتاون "توهّج" نجم "الغلام" النابغة، الدكتور حيّان الهندي، وتخرّج حائزا على درجة الدكتوراه بامتياز مع مرتبة الشرف الأولى، "تبارك الله وما شاء فعل". ومقعد بين أساتذة الجامعة العريقة محاضرا في تخصص الأديان المقارنة.

أثناء دراسته كان أعزبا يسكن في شقة في إحدى العمارات في العاصمة واشنطن. سمع في إحدى الليالي جلبة في شقّة الجيران، أين يسكن رجل أمريكي خمسيني مع زوجته. علاقته معهما لا تتعددّى "صباح الخير، مساء الخير، يا جاري".

إستمرّت الجلبة والأصوات "الغريبة" الصادرة عن شقة الجيران دون توقّف، الأمر الذي أقلقه وخاصة أنّ جيرانه يمتازون بالهدوء والنظام. قرع بابهم علّهم يحتاجون إلى مساعدة ما:

خيرا، هل من خطب ما، ماذا يجري عندكم، بادر د. حيّان جاره الذي فتح الباب وتبدو عليه علامات الإنزعاج والمقت.

زوجتي مرضت فجأة وهي تتلوّى من الألم وسيّارتي متعطلّة ولا أدري ماذا أعمل، أجاب الرجل المُتفاجئ من وجود جاره.

أستطيع أن اساعد في نقلها إلى المستشفى بسيّارتي إذا رغبتما، اقترح د. حيّان بكل لطافة.

وهكذا كان. نقلاها على عجل إلى المشفى وتبيّن أنها بحاجة فوريّة إلى اجراء عملية لها لإستئصال الزائدة الدودية المُتوتّرة.

في اليوم التالي اشترى د. حيّان "ضمّة" ورد وعلبة شوكولاته وعاد جارته في المستشفى للإطمئنان عليها، كما هي العادة في بلادنا في مثل هكذا حالات.

أنا خجل منك يا جار، فأنت لطيف جدّا معنا، فبالكاد نمت فجر اليوم، ولم يساعدنا أحد سواك، خاطب الزوج شاكرا د. حيّان.

الجار للجار يا جار. واسال عن الجار قبل الدار. ونبيّنا (ص) وصّانا على سابع جار. أجاب د. حيّان وهو يبتسم ويُربّت على كتف جاره.

وخرجت الزوجة من المستشفى بعد يومين سليمة معافاة. فقصد زوجها شقّة د. حيّان، جاره، حتى يُقدّم له الشكر على كل ما قدّمه لهما، وهو لا يُخفي استغرابه من مبادرة د. حيّان واهتمامه بهما.

ديننا الحنيف يحُضّنا على مساعدة الجار، أكّد له د. حيّان وهو يُقدّم له قهوة أهلا وسهلا.

دينكم؟؟ أيّ دين؟؟ سأل الرجل بشغف.

ديننا الدين الإسلامي، فأنا مسلم وتعاملت معك كجار حسب تعاليم ومبادئ ديننا.

أبدى الرجل اهتماما بالغا لما يقوله ويتحدّث به د. حيّان عن الدين الإسلامي، وطلب منه أن يستزيد من المعرفة بهذا الدين "الجميل".

جلس مع د. حيّان جلسات وجلسات، حتى اعلن إسلامه وزوجته بعد ستة اشهر، وأصبح الجار "الأمريكي" واحدا من أهم الدعاة في الولايات المتحدة الأمريكية.

د. حيّان تزوّج من فتاة فلسطينية من قطاع غزة تعيش مع عائلتها في واشنطن. استمرّ في التدريس في جامعة جورجتاون كاستاذ مُحاضر. وأصبح رئيس المركز الإسلامي في واشنطن، يقوم بإبرام عقود الزواج لابناء الجالية العربية والمُسلمة.

يقوم بسفرات وجولات دورية على الدول العربية والإسلامية مع مجموعة من زملائه أتباع الديانات التوحيدية الثلاث لإلقاء محاضرات حول الإسلام وسماحته وتعايشه مع الديانات الأُخرى.

كان على علاقة وطيدة مع الرئيس بيل كلينتون وكان ضيفا مُرحّبا به في البيت الابيض.

من مآثره وانجازاته، في واشنطن، أنّه ثبّت "شارة الهلال" على المبنى العام لقوّات المارينز، إلى جانب شارة الصليب وشارة نجمة داوود السُداسيّة، حيث يخدم في المارينز ما ينوف عن ثمانية عشر ألف مسلم، كما أكّد د. حيّان في إحدى مقابلاته التلفزيّة.   

كلمات دلالية

اخر الأخبار