كتاب العهدة النبوية "المنسية" لرهبان دير سانت كاترين في سيناء" "

تابعنا على:   13:49 2021-01-27

د. سعيد عياد

أمد/ تنشأ هذه القراءة التحليلية لكتاب " العهدة العمرية المنسية " على سؤال وهو:

_ ما الأبعاد الدينية والاجتماعية لمضمون هذه العهدة؟
وعن هذا السؤال ينبثق سؤال فرعي وهو:

_ كيف عالج الكاتب هذه الوثيقة؟
ولغايات هذا التّحليل اتبع الباحث المنهج التّحليلي في قراءته التحليلية لهذا الكتاب. وفق المنطلقات التالية : مضمون الوثيقة، ولغتها، وأسلوب الكاتب في عرضها، والتوثيق، والربط والأدلة.

في بنية الكتاب :

قسّم الكاتب كتابه إلى ثلاثة أبواب، متسلسلة في المضامين، فالباب الأول: تضمن الجذور التّاريخية للعلاقات الإسلامية المسيحية، مؤكدا أن هذه العلاقة تعود إلى بداية الإسلام، معتبرا العهدة النبوية المؤسسة لهذه العلاقة الوثيقة القائمة على الجذور التاريخية باعتبار أن المسلمين والمسيحيين في الوطن العربي ينتسبون إلى جذور واحدة وهي العروبة.

كما بيّن بجلاء وإسهاب انتشار المسيحية في شبه الجزيرة العربية قبل ظهور الإسلام، ما يعني اسهام المسيحية في نشر عقيدة التوحيد في بلاد كانت وثنية تعبد كثير من قبائلها الأصنام. وفي هذا الفصل بين الكاتب في عرض علمي موثق الموقف القرآني من الدّيانة المسيحية، مؤكدا على أن القرآن جعل لمعتقدي المسيحية مكانة جليلة ومحترمة باعتبارهم أهل كتاب إلهي وهو الإنجيل، وحرص الكاتب في معالجته لهذا الموضوع على تدعيم رأيه بعرض آيات قرآنية تعزز احترام الإسلام لأتباع المسيحية. وإلى جانب ذلك فهو عالج في الباب الأول أيضا موقف النبي محمد من المسيحيين وعلاقته بهم، وانطلاقا من موقف النبي الذي يحترم أتباع الديانة المسيحية فهو منح رهبانا عهدة صارت تُسمى : العهدة النبوية".

أما في الباب الثاني فقد تعرض الكاتب لرهبان دير سانتا كاترين في سيناء في إطار لمحة تاريخية عن هذا الدير الذي يقع في وسط صحراء كبيرة. ثم أتى على نص العهدة النبوية محللا لأهم بنودها ومتثبّتا من صحتها وصدقيتها بعرض أدلة معتبرة دينية وتاريخية. ولم يغفل الكاتب في هذا الباب التأكيد على أهمية العهدة النبوية في ترسيخ وتعزيز العلاقات الإسلامية والمسيحية. في حين تناول في الباب الثالث رؤية مستقبلية للعلاقات المسيحية الإسلامية من خلال تجارب الماضي وواقع الحاضر، منبثقا في تحليله من العهدة النبوية كمرجع ديني وثقافي واجتماعي.

ويلاحظ هنا أن الكاتب في تبويبه لكتابة قد أراد التدرج في وصف العلاقة الإسلامية المسيحية، وهو كونه كاتبا مسيحيا فقد ناقش موضوع العهدة النبوية بموضوعية متحررا من الخلفية الدينية كمؤثر، مما أكسب كتابه صفة البحث العلمي الذي يروم تسجيل الواقع والحقيقة كما هي.

* في الوثيقة:

هي وثيقة تاريخية تنسب إلى نبي الإسلام محمد عليه السلام أعطاها عهدة لرهبان دير سانتا كاترينا في سيناء المصرية، تتعهد بحمايتهم وحماية أملاكهم. ولكن من الملاحظ عند قراءة نص الوثيقة يتبين أن النبي محمد كان حريصا أن يبتدئ نص الوثيقة بعبارة " كتبه إلى كافة الناس أجمعين" أي ليس لرهبان دير سانت كاترين وحدهم وإن خصهم بذلك، فهي بذلك كتاب يعني الناس كافة مسلمين ومسيحيين، أي أن المسلمين جميعا في مشارق الأرض ومغاربها هم معنيون بهذه الوثيقة، التزاما وعملا وأخذا بمضامينها التي توجب عليهم احترام أتباع الديانة المسيحية، كما أنها تعني المسيحيين جميعا قريبها وبعيدها فصيحها ( العرب ) وعجمها، معروفها ومجهولها، فهم مشمولون بما جاء به نصها وليس من وُجهت لهم فحسب وهم رهبان سانت كاترين.

وقد اعتبر الرسول هذا الكتاب عهدا، والعهد يترتب عليه الالتزام والعمل بها وعدم ذلك يُعدّ خروجا عن سنة النبي. بل اعتبر الرسول كما في نص العهد من نكث هذا العهد كان لعهد الله ناكثا، ولميثاقه ناقضا، وبدينه مستهترا وللعنة مستوجبا سلطان كان أو غيره من المسلمين المؤمنين.

وعلى ضوء ذلك فإن هذه العهدة ارتبطت بالإيمان نفسه، فمن ينقضها ينقض إيمانه، وبالتالي فإن الإسلام أوجب احترام المسيحي في كلّ زمان ومكان وجعل له مكانة مهمة كما حرّم على المسلم المؤمن أن يمسّ المسيحي في شخصه وعقيدته، ومن يفعل ذلك فهو ينكث عهده مع الله. وقد توسّعت وثيقة العهد في أدق تفاصيل الحماية، فإذا احتمى راهب أو سائح في جبل أو واد أو مغارة أو عمران أو سهل أو رمل أو ردنة أو بيعة، فأنا ( أي الرسول) أكون من ورائهم ذابّا عنهم من كل عدو ولهم بنفسي وأعواني وأهل ملّتي وأتباعي وكأنهم رعيتي وأهل ذمّتي. ويُفهم من مضمون هذا النّص أن واجب المسلم ليس حماية المسيحيين بل الدفاع عنهم وذود الأذى عنهم.

وبنص العهد فهم في حماية الرسول نفسه الذي يحميهم بظهره بتعبير مباشر وبقوة الدين بتعبير إيماني.

وكان نص العهد صريحا بأنه لا يجوز مطلقا إجبار مسيحي على تغيير دينه " ولا يغيّر أسقف من أسقفيته ولا راهب من رهبانيته ولا حبيس من صومعته ولا سائح من سياحته"، ( من نص العهد)، وهذا تأكيد على نص قرآني " لا إكراه في الدين "، كما لا يجوز أن يُهدم بيت من بيوت كنائسهم وبيعهم. ما يعني أن عهد الرسول للمسيحيين شامل لحياة المسيحي ودينه وبيوت عبادته.

لقد أورد الكاتب سمور في عنوان كتابه مفرد " المنسية " مقترنة بالعهد النبوي، وهو كان بذلك يوحي للقارئ والمختصين أن هذا العهد النبوي الذي هو في جوهره عهد إلهي، كان منسيا إما بسب الجهل به أو بسبب التّغييب، وكان الضوء مسلّطا على العهدة العمرية لصفرونيوس بطريرك القدس، وكثير من فقهاء المسلمين لم يكونوا يعرفون بهذا العهد النبوي، بسبب تراكم الزمن وعدم التنقيب عن التراث الصحيح للمسلمين الذي حلّ محلّه عبر الزمن تراث التأويل والفكر الديني البشري المهيمن. ومن هنا تكمن أهمية كتاب سمور في أنه نبش التراث وبحث في أعماقه السحيقة فاهتدى إلى وثيقة نبوية لغير المسلمين، يرى كاتب هذه السطور أنها من أهم الوثائق الإسلامية التي تقيم صحيح الدّين الذي يحترم غير المسلمين ويعطيهم مكانة تضاهي مكانة المسلمين إن لم يكن أجلّ من ذلك.

وانبثاقا من كل ما سبق فإن كاتب ( هذه السطور ) وبعد قراءة معمقة لنص الوثيقة العهد، فإنه يرى أن هذا العهد النبوي للمسيحيين هو عهد إلهي مباشر بُلّغ عن طريق الرسول، الذي لا ينطق عن الهوى وإنما يوحى إليه. وهي لا تتعارض مع نصوص قرآنية كثيرة، تؤكد هذا الاحترام وعدم إكراههم على تغيير دينهم أو عدم اضطهادهم بسبب اختلاف عقيدتهم. وعلى عكس ذلك إن قبولهم واحترامهم واحترام عقيدتهم هو واجب ديني إسلامي.

أهمية هذه الوثيقة :

لقد وضع الكاتب سمور في وصوله إلى مصدر هذه الوثيقة المهمة جدا، ومن ثم إظهار هذه الوثيقة الجميع أمام سؤال الواقع وأمام سؤال الفكر الديني المؤول فيما يتعلق بالعلاقة بين المسلمين والمسيحيين. وعلى ذلك فإن مراجعة هذه الوثيقة وتحليلها، يشكل ضرورة لمراجعة مفاصل كثيرة في التراث الإسلامي، الذي يرفض الآخر المختلف دينيا لاختلاف عقيدته أو اعتباره كافرا لأن لا يؤمن بالملة الإسلامية، فلا عهد فوق عهد النبي محمد غير عهود الله تعالى، وبالتالي أي تفسير أو تأويل للعلاقة بين المسلمين والمسيحيين يتعارض مع العهد النبوي يجب أن يكون محل إعادة نظر، ولهذا فإن الكشف عن هذه العهدة تعد حافزا لإعادة النّظر في الفكر الدّيني المؤوّل الذي يقاوم قبول المختلف دينيا بزعم عدم إسلامه أو لأن عقيدته تخالف العقيدة الإسلامية. فنص الوثيقة المحمدية صريح ومباشر ولا يحتاج إلى تأويل أو تفسير أو اجتهاد، فلا اجتهاد مع النّص، عندما يكون هذا النّص جليلا وقاطعا.

والرسول عليه السلام لا يمنح عهدا لغير المسلمين إلا منطلقا من جوهر رسالة الدين الإسلامي المتسامح والسمح الذي يحترم الإنسان كونه إنسانا ولا يميّز بين البشر إلا بالتقوى، والتقوى لم تحدد بملّة محددة، فحينما يتعهد الرسول في عهده لرهبان سانت كاترين بالبقاء على عبادتهم وعلى بيوت هذه العبادة فإنه صريح بأن أي جدال حول طقوس هذه العبادة ومعتقداتها غير قابلة للاجتهاد من أحد، ولا يجوز إقحامهما في معضلة التحريم والتحليل كما لا يجوز وصف من يؤمن بها بالكافر.

الجذور التاريخية للمسيحيين:

لم يكتف الكاتب سمور بعرض الوثيقة وتقديم رؤيته في مضمونها، فهو قدّم عرضًا مكثفًا لجذور المسيحية في الشرق ما قبل الإسلام، وهو بذلك يؤصّل لوجود الدين المسيحي، الذي لم ينفه الدّين الإسلامي الذي أتى بعده، بل أكد عليه، وأكد عدم إكراه أتباعه على دخول الدين الإسلامي.

لقد بين سمور أن العديد من القبائل العربية الأصلانية كتغلب وشيبان وغسان وربيعة وغيرها قد اعتنقت الدين المسيحي بعد أن كانت وثنية، وكان للنّساك والرهبان دور كبير في إخراج هذه القبائل من عبادة الأصنام إلى عبادة الإله خالق البشر والكون، وذلك خلال لقائهم العرب في رحلات تجارتهم، فوجدوا في الأديرة المسيحية ملاجئ لراحتهم وتعرّفوا خلال ذلك على العقيدة المسيحية، فخرجوا من الوثنية والجهل إلى عبادة الخالق.

ويرى كاتب هذه السطور أن هذا التاريخ واعتناق قبائل عربية للمسيحية أسهم كثيرا في اعتناقهم للإسلام فيما بعد فهم لم يجدوا معضلة في التّعرف إلى الله الذي تدعو إليه المسيحية، ما يعني أن المسيحية كانت طريق مسلمين إلى الله ومعرفته ومن ثم الإيمان به واعتناق شريعة الإسلام. وأظن أن العهدة النبوية ومن ثم العهدة العمرية فيما بعد هي إقرار بذلك، وأن الرسول في عهده لرهبان سانت كاترين هو ضمان للمسيحية والمسيحيين عموما بحقهم في العبادة لأنهم لم يُرغموا من كانوا في ملّتهم من القبائل العربية على البقاء على المسيحية مما أتاح لهم دخول الإسلام، وعلى ذلك فلن يجبر الإسلام أحدا على دخوله بالقوة.

فجاء في نص العهد النبوي " وإن صارت النصرانية عند المسلمين فعلية برضاها وتمكينها من الصلوات في بيعها". فمن دلّ على طريق الله لا يجو أن يُكلّف أحد منهم على غير دينه إلا إذا هو قرر غير ذلك.

لقد كان الكاتب سمور حريصا على أن يُظهر دور العرب المسيحيين ما قبل الإسلام وما بعده في بناء الحضارة العربية المؤسسة للحضارة الإسلامية، فقبل الإسلام كان منهم الشّعراء الكبار كالنّابغة الشّيباني وقس بن ساعدة، وغيرهما، فهذا الكتاب في تفاصيله أعاد بناء وعي جديد بأن كثيرا من علماء العرب وشعرائهم وقادتهم ما قبل الإسلام كانوا مسيحيين، وقد حفظ العهد النّبوي لهم هذا الدور عندما حفظ دينهم.

جرأة الكاتب سمور

ولعلّ الكاتب لورنس سمور المسيحي، يشكل امتدادا للمسيحيين العرب على مدى التاريخ العربي، في طرحه لكتابه هذا " العهدة النبوية المنسية"، فهو يسهم بذلك في تعزيز الوعي بجوهر الدين الإسلامي المتسامح الحافظ لحقوق الآخرين. فكتابه ليس موجها للمسلمين فحسب وإنما هو موجه للمسيحيين أيضا، الذين يجهلون حقيقة الدّين الإسلامي، الذي يشكل القرآن والسنة النبوية ومن ثم العهدة النبوية جوهره، فهم يعرفون الإسلام ( ليس بالضرورة جميعهم ) وإنما عامة الناس من خلال التأويل غير الصحيح أو التأويل المحرّف أو التأويل المقصود بإنتاج فكر بعيد عن روح الدين الإسلامي. فتجرأ الكاتب ولم يتأثر كونه مسيحيًا في بناء تحليله، وتعرض بإيجابية للموقف القرآني من الديانة المسيحية. فهو بذلك وضع المسيحي أمام الحقيقة مباشرة بعيد عن التغول الفكري المحرّف لبعض المسلمين على مدى التاريخ. فهو قد أتى على آيات كثيرة تحفظ للمسيحي دينه وثقافته وعادته ودور عبادته واحترامه. وبالتالي حينما يكون هذا من قبل مسيحي باحث ومشهود لله بالموضوعية فإنه سيكون أكثر إقناعا وأكثر تأثيرا لنفض التراكم السلبي مما قّد علق في نفوس الكثيرين من أن الدين الإسلامي يضطهد أتباع الديانات الأخرى. وكأنه أراد أن يقول لهؤلاء من أتباع الديانة المسيحية خذوا الحقيقة من أصلها وليس ممن احترف التأويل الخاطئ. بطبيعة الحال لا يدعو سمور في كتابه المسيحيين إلى تغيير دينهم واعتناق الإسلام، وإنما يريدهم أن يقفوا على الحقيقة كما هي، وهذا من شأنه أن يقرّب أتباع الديانتين من بعضهما على أساس المواطنة، ونبذ الخلافات والصراعات.

لقد كانت كثير من الحقائق غائبة عن مسيحيين كثر، بسبب عدم معرفتها المباشرة بالنص القرآني من جهة وبسبب فئات متطرفة تدّعي أنها تمثل الدين الإسلامي، وتزعم أن مواقفها مستمدة من الدين الإسلامي، فجاء هذا الكتاب ليبدد ذلك على الأقل بالنسبة للمسيحيين أن الدين الإسلامي غير ذلك، وعلى هذا الأساس فإنني اعتبر كتاب سمور وثيقة تنافح عن جوهر الإسلام كما هو في النص القرآني وكما هو في نص الوثيقة النبوية، فالإسلام يؤخذ منهما ويعتدُّ به ولا يؤخذ من دفاتر المؤولين المنتجين لفكر إسلامي متطرف يرفض كل ما هو غير إسلامي. لقد انفتح سمور في كتابه على الروح المشتركة بين الإسلام والمسيحية وهو بهذا الكتاب الوثيقة هدم جدارا عاليا من الخوف المسيحي المكوّن الآخر في المجتمع، وفي الوقت ذاته رفع إشارة " قف " أمام المسلم الذي يظن أن الله قد خصه وحده بالإيمان دون غيره من البشر.

فهو وضع المسيحي أمام حقيقة أن القرآن يعترف صراحة بالدّيانة المسيحية دينا سماويا كما الدّين الإسلامي وربما هذه الحقيقة كانت غائبة عنه. وفي هذا السياق استعرض الكاتب مستوحيا ذلك من نص القرآن ومن العهدة النبوية تكريم القرآن للمسيحيين فقد أشار في كتابه إلى أن القرآن ذكر : اسم النصارى ( 14 ) مرة، واسم عيسى ( 25 ) مرة، والإنجيل ( 12 ) مرة، ومريم ( 34 ) مرة، وأظن أن سرد سمور لهذه الحقائق سيكون كافيا لإقناع المسيحي وطمأنته بأن جوهر الإسلام يحترمه ويعترف به. كما أن القرآن وظف كثيرا من المفردات التي تدلّ على مسميات مسيحية مثل ( الحواريون، القسيسون، الرهبان ). إن استنباط الكاتب وهو مسيحي لهذه الحقائق من مضامين النص القرآني سيقدم حقائق مقنعة للقارئ المسيحي بأن القرآن لا يدعو لإقصائه وبالتالي فإن القرآن حجة على مسلمين يدعون للتطرف ونفي المسيحي وإقصاء ديانته. إن دلّ هذا على شيء فإنما يدلّ على روح التّسامح لدى الكاتب وحرصه على تضييق الفجوات بين النظرتين المتضادتين لأتباع الدّيانتين أو عند أغلبهم.

في المقابل فإن استنهاض هذه الحقائق من النّص القرآني هي صرخة في وجه المسلم المتطرق الإقصائي، بأن من يكفّر مسيحيا هو بمثابة من يعادي الله، ومن عادى الله فقد خرج عن دين الإسلام أي أن تكفير المسيحي ونفيه هو كفر بالقرآن وبالإسلام، وقد جاءت العهدة النبوية لتؤكد بصراحة الكلام وبلاغته وفصاحته ذلك. وعلى ذلك فإن أي تفسير أو تأويل من أي مسلم يفارق صريح النص القرآني وصريح العهدة النبوية لا يمثل إلا وجهة نظر صاحبه ولا يمثل القرآن الذي هو المرجع الوحيد نصا لمحاكمة الآخرين وليس التأويل المتطرف.

ويرى كاتب هذه السطور انطلاقا من مراجعاته المعمقة، كما أن الله اختار النبي محمد خاتم الأنبياء واختار رسالة الإسلام خاتمة الرسالات، فإنه قد اصطفى المسيحية فكما جاء في القرآن على لسان الملائكة " يا مريم إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين"، ومريم هي أمّ المسيح والمسيح هو صاحب الدعوة المسيحية.

فماذا يعني هذا الاصطفاء ؟

هو اصطفاء تكريم وإجلال واعتراف إلهي بوجوب احترام المسيحية والمسيحيين، وبالتالي من ينزع لتكفير المسيحيين هو يّنصّب نفسه ندا لله. وقد جاءت العهدة النبوية لتؤكد ذلك على نحو قاطع، إذ يقول الرسول في عهدته " ...ولا يجادلون إلا بالتي هي أحسن، ويُخفض لهم جناح الرحمة، (...) ومن خالف عهد الله واعتمد بالضد من ذلك فقد عصى ميثاقه ورسوله" ( من نص العهدة النبوية ). فهم الأقرب مودة للذين آمنوا.
وبمثل ما تمثلت جرأة الكاتب في عرض مواقف القرآن من المسيحيين فهو تعرض بالجرأة ذاتها إلى أحاديث نبوية تؤكد احترام المسيحيين، وتعد العهدة النبوية تتويجا لهذا الموقف النبوي الكريم.

مفاهيم أخرى في الكتاب ( الجزية، وأهل الذّمة):

تعرض الكاتب سمور في كتابه إلى مفاهيم مهمة وحساسة بالنسبة للمسيحيين، كمفهوم الجزية ومفهوم الذّمة. وشرح ذلك، فالجزية ليست ضريبة يدفعها الضعيف للقوي كما ثقافة كثير من المسيحيين والتي لم تبددها تأويلات كثير من المسلمين بل كرستها على هذه الدلالة والمعنى. فجاء في الكتاب أن الجزية هي للحماية وإسقاط الواجب العسكري، ولكن إذا قاتل مسيحي إلى جانب المسلم دفاعا فلا جزية عليه. أما الذّمة فهي الحماية المطلقة الضامنة للحرية المطلقة في العبادة واختيار العقيدة والدين، والمسيحون هم في ذمة الله أي في حمايته ثم في ذمة الرسول محمد أي في رعايته، وهذا ما نص عليه العهد النبوي لرهبان سانت كاترين " وأنا أحفظ ذمتهم أينما كانوا من برّ أو بحر في المشرق والمغرب والشمال والجنوب وهم في ذمتي وميثاقي وأماني من كل مكروه" ( من نص العهدة النبوية).

حينما يقرأ المسيحي هذه الدلالات الحقيقية لمفهومي الذّمة والجزية فإنه يقف من كثب على معناها الحقيقي بعيد عن التّشويش والارتياب.

في الكتاب

تميز الكاتب بعرض كتابه بأسلوب شيق، وموضوعي معتمدا التوثيق العلمي في استدلالاته، وقد حرص على أن يأتي بأدلة مقنعة ترد على من يشكك في صحة العهدة النبوية، فهو يقول : إن ما جاء فيها لا يتعارض مع تعاليم الدين الإسلامي، وما جاء في القرآن تحديدا كما عددا كبير من السلاطين والأمراء في عهود إسلامية متعاقبة عملوا بهذه العهدة. والأهم أن رهبان دير سانت كاترين، لن يقبلوا أن يضعوا أنفسهم تحت طائلة المسؤولية بأن يشهدوا على نبي الإسلام شهادة زور بتزوير مثل هذه الوثيقة، فالأمر يتعلق برسول الإسلام وليس بشخص آخر.
إن كتاب لورنس سمور يعد بحد ذاته وثيقة سلّط من خلال الضّوء على أهم وثيقة إسلامية تؤكد على التّسامح الدّيني بين البشر، ويمتاز الكتاب بجرأة الطّرح المستمدة من جرأة الكاتب الذي يحرص على تمتين العلاقات الإسلامية المسيحية في المجتمع العربي وفي المجتمع الإنساني عموما، مستنيرا بتسامح الإسلام كما في نصوصه الرّبانية والنّبوية وليس في نصوصه المؤولة.

ويكفي أن هذا الكتاب استعاد عهدة نبوية ظلت منسية لعصور طويلة فهو بذلك استعاد صورة مشرقة للإسلام وتسامحه حجبها متطرفون لأغراض سياسية، فقدموا مصالحهم على حقيقة الدّين الإسلامي الذي وجد كما كلّ الدّيانات من أجل كرامة الإنسان أي إنسان.

وعلى ذلك فهذا الكتاب والعهدة النبوية التي تضمنها يجب أن تكون منطلقا لإعادة النظر في كل الأفكار المتطرفة في كلا الجانبين الإسلامي والمسيحي، وفهم الديانتين فهما صحيحا. ولذلك من الأهمية بمكان أن يُدرّس هذا الكتاب في إطار المنهاج الفلسطيني لتعزيز رؤية التسامح بين مكونات الشعب الفلسطيني أو مكونات الشعب العربي.

كلمات دلالية

اخر الأخبار