«لاهوت الاحتواء» الدين في خدمة السياسة

تابعنا على:   16:38 2021-01-20

خالد عطا

أمد/ تبغي هذه المقالة إلى التأكيد – مرة أخرى – كيف تسخر الإمبريالية الأميركية والرأسماليات الغربية الدين في حروبها السياسية، ضد الشعوب المتمردة على إرادتها ولغير صالح البشرية والإنسانية.

في العام 1948، أي بعد ثلاث سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية، وقيام نظام عالمي جديد انقسم فيه العالم إلى محورين، أحدهما يقدم نفسه باعتباره «العالم الحر»، والثاني يقوده الاتحاد السوفييتي، يقدم نفسه باعتباره المعسكر الاشتراكي، قامت في أوروبا مؤسسة دينية هي «مجلس الكنائس العالمي»، وقف خلف تأسيسها سياسي أميركي مشهور إسمه جون فوستر دالاس، وصفته الدوائر الأميركية آنذاك، بأنه كان «لاهوتياً» قبل أن يكون سياسياً.
اشترك دالاس في الجلسة الافتتاحية للمؤتمر التأسيسي لمجلس الكنائس العالمي، عقدت في أمستردام (هولندا) في الفترة من 23/8/1948 – 4/9/1948.

تبنى المجلس موقف دالاس من الشيوعية والاتحاد السوفييتي، كما تبنى دعايته السياسية المغلفة بأفكاره اللاهوتية وتقول أن الشيوعية هي «الإرهاب بدون إله» والحرب الباردة التي تقودها الولايات المتحدة ضد الارهاب الشيوعي هي حرب دينية، ولذا فإن القضاء على الشيوعية «أمر مشروع دينياً».

اجتهد دالاس، وزيراً لخارجية الولايات المتحدة، في تجنيد المذهب البروتستانتي، إلى جانب الكاثوليكي في حربه ضد الشيوعية والاتحاد السوفييتي، وكان من ركائز تفكيره أن اللاهوت سلاح فعال في مقاومة الشيوعية، ودعا لتأسيس ما أطلق عليه «لاهوت الاحتواء»، لذلك حمل لقب «لاهوتي البيت الأبيض»، وكان مرجعه في كتابة خطاباته رسائل القديس بولس، ولعل أهم خطاباته التي استعان بها بهذه الرسائل خطابه في 4/8/1952. قال فيه «نريد إشاعة مثلنا قبل أن يتمكن طغاة الكرملين من سحق محبة الله، ولقد علمنا بولس الرسول أن المال لا قيمة له من غير الاحساس بالرحمة ومراعاة شعور الآخرين».

على هذه الخلفية انتظمت الحملات الدعائية الغربية ضد الاتحاد السوفييتي والمعسكر الإشتراكي، بتقديم الاشتراكية بأنها نظاماً اقتصادياً ملحداً يقتل ما في الانسان من مشاعر روحية، ويحارب الأديان، ويحتقر إنسانية البشر، ويجعل منهم آلات إنتاج، بدون أحاسيس إنسانية، خلافاً، تماماً، للرأسمالية التي تبعث في الفرد روح المبادرة، وتغذي روحه الانسانية «من خلال ما تحمله الأديان من مفاهيم وقيم كبرى».

لا شك أن حملات دالاس الدعائية حققت مبتغاها في الكثير من النواحي، خاصة في ظل حالة الضعف التي كان يعانيها إعلام المعسكر الإشتراكي، ونظراً أيضاً، لكون بعض الأديان كالدين الإسلامي، احتلت حيزاً مهماً في وعي العديد من الشعوب.

لم يكن دالاس غافلاً عن دور الدين الإسلامي كسلاح تستغله الدعاية الغربية، لتبني تحالفاتها الإقليمية، خاصة في الشرق الأوسط، في مواجهة النفوذ السوفييتي والنهضة القومية العربية التي بدأت تطل برأسها من عدد من دول المنطقة كمصر وسوريا ولبنان والعراق وغيرها. وفي هذا السياق لعب الدين الإسلامي سلاحاً استغله دالاس في مشروعه لبناء حلف بغداد، الذي انسحبت منه العاصمة العراقية بعد ثورة 1958، ليطلق عليه بعدها إسم «حلف السنتو» ومن أهم ركائزه النظام في الباكستان.

يقول دالاس في حديث إذاعي في 5/6/1953: «إن لاهوت الاحتواء يستلزم حلفاء، وليس أفضل من باكستان حليفاً لنا، لأنها أكبر دولة إسلامية تحتل مكانة مرموقة، وهي بحكم إيمانها تقف ضد الشيوعية بالضرورة».
كما حاول دالاس أن يعمق الانقسام الطائفي في لبنان، خاصة بعد ولادة دولة إسرائيل، وإلحاق الهزيمة بالدول العربية، فنظر إلى المسيحيين في لبنان وقال: «إن اللبنانيين هم الجسر بين أميركا والدول العربية لأنهم مسيحيون وتوجهاتهم حتماً غربية».

وهكذا التقى دالاس والرئيسان ترومان وأيزنهاور في استغلال «لاهوت الاحتواء»، وأعلوا ما أطلقوا عليه «حقوق الإنسان وحريته»، باعتبارها «هبة من الله»، والشيوعية تتنكر لهذا كله، لأنها «نظام ملحد». وكان واضحاً أن الولايات المتحدة لعجزها عن التغطية على ما يرتكبه النظام الرأسمالي من جرائم بحق البشر، من استغلال واستعباد وحرمان وتهميش لقطاعات واسعة من المجتمع، وتسخير الأغلبية في خدمة الأقلية، ونشر القواعد العسكرية في أنحاء العالم، ودق طبول الحرب، كما في كوريا، وفيتنام، ومساندة الدول الاستعمارية في الجزائر وعموم إفريقيا، (لهذا كله)، ولأشياء أخرى، لجأت إلى ما اعتبرته الخاصرة الرخوة في حربها ضد الفكر التقدمي والاشتراكي، الذي بدأ يتمدد في أنحاء العالم، فجعلت ميدان الدين والإيمان، والإلحاد بالمقابل، ساحتها الرئيسية لمنازلة الاتحاد السوفييتي.
كيف قدم جون فوستر دالاس، فكره المسمى بـ «لاهوت الاحتواء»

يقول في كتابه الصادر عام 1950 بعنوان «حرب أم سلام» ما معناه: هناك طريقتان للقضاء على المعسكر الشيوعي. الطريق الأول سلبي وهو منح حلفاء الولايات المتحدة المزيد من المعونات الاقتصادية والعسكرية، من أجل أن تمتلك القدرة على ضبط الحياة السياسية في بلادها، وقمع الأحزاب والتيارات الشيوعية.
أما الطريق الإيجابي فهو (على حد تعبير دالاس) «العمل على توحيد كل القوى الدينية إلى جانبنا وضد الشيوعية». وقال في كتابه أيضاً:

إن القوى الدينية المتباينة عملت معاً من أميركا من أجل هدف مشترك وهو إقامة نظام عالمي. هذا العمل قام به البروتستانت والكاثوليك واليهود، لذا علينا العمل من أجل بناء علاقات تعاون بين العقائد الدينية، بين شعوب آسيا، والباسفيك لحماية القيم الإنسانية» في إشارة إلى الدول المسلمة كباكستان وأندونيسيا وماليزيا وغيرها.
من المفيد، ولمزيد من الوضوح تذكر التالي:
• أن شقيق جون فوستر دالاس، هو آلان دالاس وزير المخابرات الأميركية(C.I.A) من الفترة 1954 – 1959. وهي الوكالة الأميركية الرئيسية التي تعهدت تنظيم الحملات الدعاوية ضد الاشتراكية والشيوعية والاتحاد السوفييتي، ونشرت في العديد من العواصم المراكز الثقافية الأميركية لهذه الغاية توزع المنشورات والكتب وتنظم الورش السياسية وتستقطب المفكرين والكتاب، وتمول طباعة الكتب التي تنخرط معها في الحملة الدعاوية.

 أن إيفري جون فوستر دالاس (ابن جون فوستر دالاس) (1918- 2008) كان أستاذ علم اللاهوت بالجامعة الكاثوليكية (1974- 1988) وكان يعلق في مكتبه متباهياً صورة للبابا يوحنا بولس الثاني وهما يتصافحان.

 لعب البابا يوحنا بولس الثاني، بالتعاون مع وكالة المخابرات المركزية (C.I.A) والكنيسة الكاثوليكية في بولندا، دوراً مهماً في انهيار النظام الشيوعي في بولندا، وكذلك في انهيار الاتحاد السوفييتي. وثمة من يدعو في الكنيسة الكاثوليكية في روما إلى تطوبيه يوحنا بولس الثاني قديساً تكريماً لهذا الدور السياسي الكبير في محاربة الشيوعية بإسم الدين المسيحي.

 مما نقل عن إيفري حون فوستر دالاس في محاضراته: «إن الله يتدخل في التاريخ ويتحدث إلى الكنيسة عن طريق علامات العصر، أي مظاهر العصر فيبني أشكالاً ويحذف أشكالاً أخرى. إن حديث الله يعتبر أمراً إلهياً بالنسبة للكنيسة».

 كرمت الكنيسة الكاثوليكية في روما، إيفري، إبن جون فوستر دالاس، فمنحته بشكل استثنائي لقب كاردينال وهو أعلى لقب ديني بعد البابا، دون أن يكون أسقفاً (وهو شرط حصوله على لقب كاردينال).

 أخيراً وليس آخراً، من المفيد أن نعلم مجلس الكنائس العالمي، مجاور للمركز الإسلامي العالمي، في جنيف. كان يرأس المركز الإسلامي سعيد رمضان، زوج إبنة حسن البنا مؤسس حركة الإخوان المسلمين. وكان سعيد رمضان يشارك إيفري جون فوستر دالاس في تدعيم فلسفة «لاهوت الاحتواء» كما تقوم بين مجلس الكنائس والمركز الإسلامي أنشطة مشتركة هدفها رسم الخطط التعبوية ضد الاشتراكية والشيوعية، تحت عنوان «مكافحة الإلحاد»