هل حقاً ستجري الانتخابات؟!

تابعنا على:   14:16 2021-01-18

جمال زقوت

أمد/ الانتخابات حق دستوري للمواطنين من أجل ممارسة دورهم الطبيعي في المشاركة السياسية، واختيار ممثليهم وتجديد قياداتهم و تصويب مساراتها من أجل بناء المجتمعات و رفاهية الانسان ورفعته ومكانته وحقوقه ، وأما في الحالة الفلسطينية للانتخابات وظائف إضافية أكثر جوهرية، في مقدمتها تجديد بنية الحركة الوطنية بعد أن ترهلت وفشلت في إنجاز مشروعها الوطني الذي تعمّد سابقاً بالثورة و الانتفاضة، وضاع رصيده بين مفاوضات فاشلة ووسائل مقاومة كانت في معظمها أقرب للصراع على السلطة والتمثيل منها لمواجهة الاحتلال و استيطانه ومشاريعه التصفوية.

والانتخابات إن تمت فمن المفترض أن تشكّل فرصة للمساءلة والمحاسبة وإعلاء شأن المواطن الذي سيصبح في تلك الحالة مركز العملية السياسية والاجتماعية بعد أن تم إقصاؤه على مدار خمسة عشر عاماً، إن لم يكن أكثر من ربع قرن! وبالتالي هي خطوة على طريق تكريس المواطنة التي تم تفكيك عقدها الاجتماعي، بعد أن غابت كل مفاصل المشروع الدولاني الذي يمكن أن يؤسس لها، بل وتم الانقضاض على ما كان يمكن أن يُبنى عليه من إنجازات في مرحلة محاولات احداث بعض أشكال التنمية لتعزيز القدرة على البقاء والصمود المقاوم والبناء الديمقراطي للمؤسسات من أجل رفع قدرتها على الاستجابة لاحتياجات المواطنين و قدرتهم على الصمود في اطار رؤية تنموية من القاعدة نحو القمة.

هذا كله من حيث المبدأ، رغم أنه في بعض الدول كـ"إسرائيل" مثلاً، تشكل الانتخابات محطة لتغييرات شاملة تشهد نشوء أحزاب جديدة وأحياناً اندثار أخرى، حتى لو كانت عريقة مثل حزب العمل وكاديما و شينوي وربما أزرق أبيض. ما يشترط خلق مناخ مفتوح وليس كما يجري في بعض الدول المجاورة التي تكون فيها الانتخابات مجرد وسيلة لإعادة تدوير وشرعنة دولة الفساد والخراب.

في فلسطين وبعد حوالي (13-14) عاما من الانقسام وتمزيق المؤسسات وتفكيك الأولويات الوطنية والاجتماعية والتعدي على صلاحيات واستقلال القضاء وتغييب المواطن، والأخطر الانشغال في حروب الانقسام والإقصاء التي فعلت فعلها في جسم الحركة الوطنية المريض، وشجعت نتنياهو وحكومة المستوطنين بدعم من عرابهم المنصرف ترامب، على التغول بأقصى درجات الوقاحة لأول مرة في تاريخ الصراع على الرواية والحقوق والفلسطينية بهذا القدر من العنصرية والعنجهية المستندة لإذعان عدد من الأنظمة العربية وتخلي الحركة الوطنية الفلسطينية عن دورها، وفشل مشروعها الوطني المتآكل.

هذا كله من الممكن أن يجعل من  الانتخابات في حال إجرائها محطة متداخلة الأهداف على الصعيدين الوطني والديمقراطي؛ جوهرها البدء بعملية تفكيك الانقسام وبناء المؤسسة الوطنية الجامعة بمحاسبة وإبعاد الانقساميين، وليس تصميم العملية بما يعيد لهم شرعية الانقسام والمحاصصة لما اسْتَبقوه من مصالح بعيدة كل البعد عن بوصلة الشعب واهتماماته وأولوياته الكفاحية والاجتماعية.

هذا هو المعيار الحقيقي للقيمة الوطنية الديمقراطية للعملية الانتخابية وجوهرها مكانة الوطن ومبدأ المواطنة، وليس أمراء الانقسام و المحاصصة! هذه الأمر له شروط واجبة أهمها حكومة وحدة وطنية انتقالية كأهم ضامن لنزاهة الانتخابات، وإلغاء التعديات والتعيينات التي أنهت استقلال السلطة القضائية ونزاهتها، وتكافؤ الفرص لمجموع القوائم الانتخابية. ومن الناحية الأخرى إنشاء قائمة المواطن الانتخابية التي يجب أن تقدم النموذج الحقيقي بفسيفساء مكونات المجتمع وخيرة شبابه وبناته وكفاءاته ومناضليه... والانتصار فيها للمخيمات المسحوقة والريف الفلسطيني الذي يتعرض لأكبر عملية سطو من قبل الاحتلال ومستوطنيه، والإقصاء من النظام السياسي، والأحياء الفقيرة والمهمشة في المدن الفقيرة التي تتحول يومياً إلى عشوائيات ومرتع للفقر والبطالة والأمراض الاجتماعية التي تجعلهم لقمة سائغة للجهل والتخلف.. وبالتالي لمخططات الاحتلال، كما جرى ويجري في حزام الفقر العشوائي في محيط القدس وغيرها من المدن.

قائمة المواطن يجب أن تكون مهمتها الأولى تحرير طاقة الشباب والنساء وعموم فئات المجتمع وإبداعاتهم الخلّاقة من كارثة الإحباط التي ولّدها الانقسام والفشل، وتقديم نموذجا مختلفا من القيادة الشابة القادرة على توليد وتربية الأمل بإعلاء راية المواطنة التي تمكّن الناس من استرداد كرامتهم وحقهم في الدفاع عن بلادهم ومقاومة الغزاة المحتلين.

ويبقي السؤال الذهبي، هل حقاً ستجري الانتخابات أم أننا أمام نسخة من المناورات المحكمة والمتقنة الإخراج ليس كالتي سبقتها من مناورات؟! هذا ما ستكشفه الأيام القادمة، خاصة ما يسمى بحوار القاهرة إن تم حتى نهاية هذا الشهر، و إن غداً لناظره قريب!

كلمات دلالية