طيـــات ورق (اسماء حمزة بدران)

تابعنا على:   12:55 2013-11-05

الذيــن يبدأون بلملة ذكرياتهم المبعثرة في طيات من ورق فإنهم لابد قد أضاعوا حقائب مستقبلهم ، او مستعدون لبدأ مذكرات جديــدة في سماء أخرى غير هذه ...

.. الآن لست من الصنفيــن على الاقل ...

واولئك الذين يبتسمون للعنوان لا يعرفون ان العنوان لا يشي بما تفضحه الكتب.

طيـــة منسية

ظلالنا تفيء إليـــنا والشمس في الظهيرة، فيضاف لحمل الحقيـــبة والعلم ثـقل الظل والشمس . كــان قد انقضى الشهر الاول من المدرسة بإختباراته وعلامـــاته. وكان موعد اجتــماع اولياء الامور الاول حيـــث ستتناقش المعلمات مع امهاتنا في موضوعات لم اعتقد يوما انها مهمة وكــذلك أمي . وما المهم لطالبة السادس الاســــاسي ؟ .

كان اليوم الاربعـــاء :كنت قد قرأت ذات مرة ان مواليد يوم الاربعــاء على الاغلــب تنتهي حياتهم في السجن لجرم يقترفونه إذ انهم شرسون ومثقلون بالشر ، بدا لي لوهلة ان هذه القاعدة لا تنتطبق على المواليد البشر بل ايضاً على كل ما يولد في هذا اليوم حتى العلامــات. فلما تفرقت جداول العلامات بيننا لكل طالبة جدولها فقد شككت ان اكون انا حقــا من اعرف . فما اسمع أمــي تقوله لجاراتنا يوم السبت في جمعة القهوة أنني لا اجني غير الكامل من العلامات. وما جنيته الان لا ينم ابدا اني قد زرعت خيراً؟ ربمــا هذه تأثير يوم الحصــاد فقط . تبسمت في وجــهها (نعمة) وعزمت الا اخبرها بشيء ، كانت عابسة وكذلك الجميــع . تنبهت ان العلامات جلها او كلها دون المستوى المطلوب في الصف كله.

رن الجرس فانطلق الطلبة . أثرت انا ونعمة وتسنيم ان نجتمع لنفكر في الطريقة المثلى لإخفاء الخبر عن اهلنا . فرسمنا خبراً جديداً غير الذي نحمل . وحملنا وجوهنا اثره من الابتسام والغبطة ولمعة العيــن . الصغار الافضل في التمثيل اطلاقنا . كان لا بد ان نفكر وكنت بين صديقاتي العقل المدبر شراً وخيــراً ما يطلبنه يجدنه . كانت اهتماماتي تختلف جداً مــع ذلك كنت أؤثر ان لا ابقــى وحيـــدة وما يحصل خارج البيت امسحه على العتبة .

نعمـــة قالت ان والدتها ستضربها بحزام والدها ان رأت علاماتها ،تسنيم من جهتها لم يكن لها تجارب سابقة بمثل هذه العلامات وانا مثلها. الخوف من المجهول اكبر من الخوف من المعلوم . نعمــة كانت شقراء الحي لم تكن الاجمــل لكن الاشرس لم يسلم احد من شرها ولا شر اخوتها. اما تسنيم فلم تكن جميلة ابدا تلقبها نعمة (ببطاطا) .

فكرت ولا اعرف من اين تأتي هذه الافكار حين احتاجتها : قلت ان هذه العلامات مكتوبة بالحبر الازرق ، وهذه الورقة يجب اعادتها للمعلمــة صباح الغد. اول امر نفعله ان نحضر قلم رصاص ونعدل العلامات بقلم الرصاص ثم نصور الجدول .

فتصبح لدى كل منا نسختان نسخة مصورة مزورة ونسخصة اصيلــة نوقع الاصيــلة وكان توقيع اهلنا سهل جدا ، ترى الهذا بيع الوطن بلاثمن ؟ .

ربما غضب الاهل للتزوير التوقيع سيكون اشد من تزوير العلامات. على أي حال من سيكتشف. واتفقنا ان نعطي اهلنا الورقة المزورة المصورة لتوقيعها ونقلد نحن توقيع اهلنا على الورقة الاصلية بعد ان نمسح اثار الرصاص عنها . نفذنا الامر . فبدت السعادة بالنصر على وجوهنا وكأننا هزمنا المدرسة والجداول والامتحانات وكل ما يخنق الطالب .

مررنا بمزرعة (ابو العــدس ) المجاورة للمدرسة كان يرمي البذار في الارض ، لم اره في حيــاتي يحصد شيئاً نظرت الى شباك منزلنا في الطابق الرابــع وكان بعيــد جدا ، فكرت أي خيبة احملها في جيبتي . اخفضت رأسي استرق النظر الى ابي العدس : تماما مثلك ازرع عدساً فتنبت الارض طيوراً مهاجرة .

كانت نعمة وتسنيم تمتمان ببعض امورهما الخاصة ، المهم ان لا اسير وحدي بكل هذا الذي احمله الحقيبة الظل والشمس وخيبتي. وصلنا الاشارات كانت قعر الوادي بالنسبة لي بعدها سنبدأ بتسلق الجبــل حتى صيدلية السنبلة ، الاشارات خطرة لا افهمها : اشارات الله افهمها بعد مضــي الوقت فكيف لم أدهــس الى الآن وهذه الاشارات صنعها البشر ؟ . كانت الاشارة حمراء لكني انتبهت ان السائق وضع يده الى جانبه لا اعرف لم احسسته سيرفع شيئاً او سيضع المفتاح ربما لا اعرف انما اظن ان الاشارة ستنقلب خضراء الآن . تظاهرت اني اربط حذائــي ، فانتظرتني نعمة وتسنيم : لم ارغب ان اخبرهما بما لاحظت فلن يكتفيا بالاستماع وسأكون محط سخريــة الصف غــداً ، آثرت الصمت .

تسلقنا الجبل بعد الاشــارات وانعطفنا بعد صيدلية الســنبلة الى اليســار انا ونعمة فقط غادرتنا تسنيــم ولا اعرف ما حدث لها فقد كان آخر لقاء لي بها ، ودعتها ببرود ولــم اهتم .

هبطنا انا ونعمة قليلاً من الجبل مرة أخرى لكن هذه المرة لننثني الى منزلنا مباشرة ، وولجنا الى عمارتنا الشاهقة هي في الدور الارضــي وانا في الدور الرابــع ، صعدت بهــدوء وقلبي يرتجف خوفــأً . عزمت ان لا اخبر احدا بالعلامات المزورة .

نعمــة اسقطت ورقــة علاماتها خطأً :العلامات الاصيــلة امام والدتها . وانكشف لـ (ام عزيز) كل شيء . انا آثرت ان لا اقول شيئــا قبل ان يغتال النعاس ابي وامــي . فأخلص الى توقيعهما دون ان يتنبها كثيراً وأثرثر كثيــراً عن اشيـــاء لم ولن تحدث فاشتتهما واوقع الاصلــية . لكني ما ان خرجت من غرفتي حتى وضعت يدي على جيبي وقررت ان اقول الحقيقة كالكبار .

أيعرف الكبــار حقــاً كل الحقيقة ؟؟ ام نعرفها نحن فقط؟ . لم انتبه لما قالته والدتــي كنت غائبة في عالم آخر مع اشياء حدثت واشياء لم تحدث وناس عرفت وآخرون لم اعرف . قالت ما قالت المهم ان الامر انتهى .

في اليوم التـــالي : جائت نعمة وتسنيم لوحدهما ، وحدتي في الطريق الطويــل مخيفة . وكنت اخاف طيــور (ابو العدس) المهاجرة واتمنى فقط الا تطيــر الي او تسقط احدى حبات العدس والخيبــات . لم ترغبــا في الحــديث الي ولم اهتــم . ربــما مللتهمــا ، كنت افكر في شيء لا اعرف لما ظننت فجأة اني معلمــة ؟ . قدمت الورقــة (لمــس ميـــسر ) وجلســـت في مقعــدي . وقت الغــداء كانت نعمة قد تشجارت مع تسنيم فجـائت لي كي تتسلى معــي ولأن ليــس هنــاك من تجلــس اليه غيــري . متــى تعلمت هــذه صحبة المصلحــة ؟ . جــاءت والدتي مع ام عزيز لأخذنا عدنا سويــاً ، كنت سعيــدة جــداً (المس ميــسر ) تحبني جدا ً هكــذا قالت أمــي .