مصر وخيارات حماس الاقليمية

تابعنا على:   20:26 2020-10-06

سميح خلف

أمد/ منذ ثلاثة سنوات، طرحت حماس وثيقتها التي أرادت منها الانفتاح على المنظومة الإقليمية والدولية وبشكل أو بآخر قبلت بالحلول السياسية للقضية الفلسطينية وقبلت بدولة فلسطينية على حدود 1967 في حين أن حماس هي طرف في الشرعية الفلسطينية فهي لها الأغلبية في المجلس التشريعي في حين أن الرئيس الفلسطيني أتى بشرعية الانتخابات أيضًا للسلطة، تلك السلطة التي أضفت الشرعية لفصيلين لهما من التباعد السياسي ما لا يمكن الالتقاء عليه أضافت الانتخابات أيضًا لمحمود عباس رئاسة منظمة التحرير وحركة فتح التي هي العمود الفقري في الوصول إلى اتفاق أوسلو الذي أنجب السلطة ولكن سريعًا ما تفجرت التناقضات في البرنامجين وأجهضت انتخابات التشريعي ونتائجها بأحداث 2007 المؤسفة حيث ذهبت السلطة لتشكيل قيادتها وأجهزتها الأمنية وأرشيفها إلى رام الله كمركز للسلطة الفلسطينية وعاصمة لها، واستبعاد غزة والتقليل من الموازنة المطروحة لها وعقابها في حين كان في المنظور لدى رئاسة السلطة أن إسرائيل ستعطيها مزيدًا من الصلاحيات في الضفة الغربية، ولكن ما حدث كان الانقسام والانفصال السياسي والإداري عن غزة هو الطريق الواسع لناتنياهو لابتلاع كثير من أراضي الضفة الغربية واعتبرت المنطقة C و B هي أرض تحت برامج الاستيطان بما فيها الغور والغور الشمالي، وبسط سيادتها كاملة على القدس بموجب قرار ترامب بأن القدس عاصمة موحدة لاسرائيل وهذا ما يجهض البرنامج لمنظمة التحرير بإقامة الدولة على أراضي 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

حماس تسلمت السلطة في غزة نتيجة هذا الانقسام وبشكل دموي إلا أنها اصطدمت بمسؤوليات كبرى نحو 2 مليون فلسطيني في غزة بالاضافة إلى تحديات سياسية وأمنية جعلتها في حيرة بين ملبيات الطرح السياسي الإقليمي وما ترفعه من شعارات مقاومة وتحرير وخاضت حماس ثلاثة حروب مع إسرائيل إلا أن المسؤوليات الكبرى لحماس نحو إدارة غزة وإدارة مشروع المقاومة يحتاج الكثير من الذكاء لإدارة الحكم والسلطة وإدارة مشروع المقاومة.

مصر التي يهمها قطاع غزة وكانت غزة ما قبل 1967 تحت الوصاية المصرية وعوامل التاريخ والجغرافيا والعمق الاجتماعي بين أهل غزة والشعب المصري يجعل من غزة بالنسبة لمصر هي مشكلة أمن قومي مصري وخاصة أن غزة تقع في الشمال الشرقي لمصر وعلى حدود سيناء الملتهبة بالجماعات الإسلامية المتطرفة التي تلعب في وجودها دول إقليمية يهمها الإضطرابات في مصر وزعزعة الاستقرار ومن هنا كانت القيادة المصرية في اعتقادي تحتاج إلى نعومة العمل مع غزة وحماس أكثر من المواجهة الصريحة، ومن أهم تلك الأهداف التي سعت إليها مصر تأمين الحدود بين رفح المصرية ورفح الفلسطينية أي حدود مصر مع غزة، حماس ما قبل 2017 كانت تهدد دائمًا بإن لم يكون هناك انفراج في معبر رفح ووصول الإمداد والمعونات لغزة، كانت تهدد دائمًا بأن يخرج أهل غزة مكتسحين الحدود المصرية كما فعلوا أيام الرئيس الراحل حسني مبارك، وهذا يفتح المجال لتسلل كثير من عناصر الإرهاب والإسلام السياسي إلى سيناء في حين أن مصر تخوض معارك ضارية واستراتيجية لدحر الإرهاب وهزيمته في سيناء، وهذا من أسس التقارب بين مصر وحماس.

حدث تطور إيجابي في العلاقة بين مصر وحماس بجلسات مريحة وهادئة يتم فيها تناول حاجة الطرفين بما لا يخل بمعادلة السلام بين مصر وإسرائيل ولقد لعب في تقارب وجهات النظر بين مصر وحماس النائب والقائد في فتح محمد دحلان في عام 2017 في حين سمحت حماس للتيار الذي يقوده محمد دحلان في فتح بعد خلافهم مع أبو مازن إلى مزيد من النشاط الوطني داخل غزة وفي كل المجالات في حين لعب محمد دحلان والمشهراوي ومن خلال أكثر من لجنة مشتركة بينهم وبين حماس لفكفكة الحصار وبعض المعالجات المهمة لقضايا الدم والفقر والبطالة.
تعتبر مصر هي المسؤولة الأولى عن الملف الفلسطيني، فلسطينيًا وعربيًا ودوليًا، وبالتالي كانت مصر ترعى كل التفاهمات والأنشطة السياسية للشعب الفلسطيني والقيادة الفلسطينية سواء ما قبل الانقسام عام 2007 أو ما بعده، منذ 2007 و2009 و2011 و2014 و2017 و2020 كانت دائمًا مصر هي الوسيط لمنع التسخين على قطاع غزة أو الضغط على الإسرائيليين لعدم التوسع في هجومهم على قطاع غزة بما يخل بالمعادلة الأمنية والأمن القومي المصري وبما يحفظ أمن غزة واستقراره، وشهدت القاهرة أكثر من لقاء بين المتخاصمين في رام الله وغزة من لقاءات تسعى لايجاد تفاهمات أعتقد أن الطرفين كانا غير جاهزين لانجاح الدور المصري لاعتبارات اقليمية.

حدث تطور في توجهات حماس بعد انتقال رئيس المكتب السياسي لحركة حماس اسماعيل هنية عن طريق مصر إلى قطر، وأعتقد إلى إقامة ليست بقصيرة إلى هناك، وذهابه إلى إيران والمشاركة في جنازة قاسم سليماني ووصفه بأنه شهيد القدس وبأن العلاقات استراتيجية مع إيران وهذا بمفهوم الصراع الاقليمي يعني أن حماس قد انحازت لمشروع إيران في المنطقة والمقاوم لتحالف الأمن القومي العربي بقيادة مصر والسعودية والامارات بما فيها انتقال هنية وقيادة حماس إلى تركيا التي هي أيضًا تحاول أن تخترق الأمن القومي العربي في أي مكان، حماس انحازت لمشروع القوى الإقليمية الأخرى وخاصة بعد التطبيع العربي وإدارة الجامعة العربية والدول العربية ظهرها لرئيس السلطة وعدم تلبية نداءاته بدفع القيمة المالية المقررة في القمة للسلطة التي تعاني من العجز المالي، أصبح هناك تقارب بين حماس والسلطة وفتح المؤتمر السابع وتوج هذا التقارب في لقاء في أنقرة تحت رعاية الخارجية التركية.
إذًا المعادلات تغيرت بين حماس ومصر وبدت حماس تلعب على أوراق القوة الإقليمية الأخرى مثل إيران وتركيا والموضوع في غاية التعقيد لاسيما لو حدث تقارب بين إيران وأميركا والتقارب الإستراتيجي الآن والتكتيكي بين إيران وتركيا في المنطقة أمام إسرائيل والنشاط القطري الداعم لهذا الحلف في الخليج العربي، إذًا هناك افتعالات لمراكز قوى سواء في الخليج أو في العراق أو في ليبيا ومصر تلعب على كل تلك الجبهات كقوة مركزية للأمن القومي العربي وإن كانت إسرائيل دخلت من الباب الواسع كقوة أساسية ورئيسية في الصراع الإقليمي لمراكز القوى التي تسعى أميركا لأن يحدث فيها توازن بينهما على الجغرافيا العربية.
إذًا ما هي المكاسب التي ستحققها حماس في ابتعادها عن مصر؟! لصالح نفوذ أكبر في غزة لتركيا وإيران وهو ما يهدد الأمن القومي المصري ويجعل الجبهة الشرقية في أرق دائم بالنسبة لمصر، ولكن في كل الأحوال الذي يفهم الملعب الإقليمي الآن يستبعد أي حروب بين القوى الإقليمية الثلاث بالقدر الذي تصل فيه القوى الإقليمية إلى توازنات سواء في العراق التي سعت أميركا مؤخرًا إلى أن يكون هناك رئيس وزاء موالي لها فيها مع انسحاب قواتها من العراق في حين أن قوات الحشد الشعبي في العراق والمراجع الدينية لم تسمح لهذه الحكومة بالنجاح وتهدد النفوذ الايراني في العراق، كما أن العراق يعاني من التدخل التركي في شماله، أما سوريا فما زال شمال سوريا الشرقي محتل من تركيا كما هو الحال في طرابلس ليبيا وقطر، أما إيران فمازال لها النفوذ في لبنان الذي تسعى القوى الموالية له لتشريع رسم الحدود مع إسرائيل وهذا ما يجهض فكرة المقاومة التي يتبناها حزب الله لتحرير مزارع شبعا التي قرر القانون الدولي بأنها تتبع الجولان المحتل وبالتالي هناك تسويات في المنطقة، هل تستطيع حماس أن تفوز سياسيًا وأداة سلطة في التحاقها بالحلف الآخر ايران تركيا والابتعاد عن دور مصر في ظل وعود بانشاء مطار وميناء بغزة تجعل الحاجة لميناء رفح هو احتياج ثانوي؟ أم أن مصر مهما حدث هناك من تقلبات في توجهات حماس وسياستها سترجع مرة أخرى لمصر التي أمنت حدودها الآن كاملة مع غزة من خلال الجدران والممرات المائية والحواجز الصعبة وهدم الأنفاق.. هنا المعادلة في غاية التعقيد وخاصة محاولة إيجاد ائتلاف بين الرئيس الفلسطيني وفتح المؤتمر السابع مع حماس لاقامة انتخابات رئاسية وتشريعية تعطيهم الشرعية للبت في عدة أطروحات دولية وإقليمية لحل القضية الفلسطينية. في اعتقادي مهما ذهبت حماس إلى حلف إيران تركيا فلن تستغني عن دور مصر الملاصق لحدود غزة ولاعتبارات تاريخية وأمنية وستشهد المنطقة مستقبلًا خلال عام 2021 تسويات إقليمية تشترك فيها إيران وإسرائيل وتركيا معًا، وفي ظل تسويات بين إيران وأميركا سواء فاز ترامب أو لم يفز، المهم في النهاية ماذا سيحقق الشعب الفلسطيني من خياراته المطروحة واتجاه محمود عباس وحماس بعد خصام واتهامات بالخيانة وغيره، ماذا سيحققون من هذا التقلب في المعادلات فمصر الدولة الكبرى في المنطقة وستبقى لا غنى عنها.

 

كلمات دلالية

اخر الأخبار