التعاون الدولي في ظل جائحة كورونا.. الصين إنموذجاً

تابعنا على:   23:51 2020-09-29

د. إسلام عيادي  

أمد/ مقدمة  

يعرف التعاون على أنه تبادل العون والمساعدة وتضافر الجهود المشتركة بين دولتين أو أكثر، لتحقيق نفع أو خدمة مشتركة سواء عالمياً أو إقليمياً أو على المستوى الوطني للدول المشاركة، ويمتد هذا التعاون ليشمل كافة العلاقات ليعكس في النهاية بروز مصالح دولية مشتركة، تقوم جنباً إلى جنب مع المصالح الوطنية الذاتية لكل من الدول أطراف هذا التعاون. 

والتعاون بهذا المعنى، يشكل أحد طرفي العلاقات الدولية، حيث يمثل الطرف الآخر الصراع الدولي، فالمتأمل في التاريخ يرى أن النظام العالمي، يعيش منذ ولادته حالة من التأرجح نحو التوتر تارة، ونحو التعاون تارة أخرى، ويلحظ بسهولة أن العالم لم يشهد في أي وقت مضى هذا القدر من التوتر والصراعات السائدة في عالم اليوم، كما أنه لم يشهد في أي وقت آخر اندفاعاً نحو التعاون كما هو سائد في عالمنا المعاصر.والتعاون الدولي له مفهومان، فهناك: المفهوم الضيق للتعاون والذي ينصرف إلى التعاون بين الدول، وهناك المفهوم الواسع للتعاون الدولي الذي يمتد ليشمل التعاون بين عناصر اجتماعية تنتمي إلى أكثر من دولة.  

وبات مبدأ التعاون الدولي في العالم المعاصر من المبادئ القانونية الدولية، التي لا يرقى إليها الشك، فالمتأمل في نصوص المواثيق المنشئة للهيئات الدولية بكافة أنواعها سيجد تعبير التعاون وارداً في صدر الأهداف لتلك الهيئات، وفي مقدمة المبادئ التي تقوم الدول الأعضاء وأجهزة تلك الهيئات بالالتزام بها في سعيها من أجل تحقيق تلك المقاصد والأهداف. 

وهنا نشير إلى ميثاق الأمم المتحدة، التي توجب ديباجته بالإشارة إلى عزم الدول الموقعة، أن توحد جهودها لتحقيق الأغراض المشار إليها في الديباجة، حيث تشير مادته الأولى في فقرتها الثالثة إلى تحقيق التعاون الدولي على المسائل الدولية ذات الصبغة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والإنسانية والقانونية في مجال تعدادها لمقاصد الأمم المتحدة، ثم تقرر الفقرة الخامسة من المادة الثانية من الميثاق أن يقدم جميع الأعضاء كل ما في وسعهم من عون إلى الأمم المتحدة في أي عمل تتخذه وفق هذا الميثاق، كما يمتنعون عن مساعدة أية دولة تتخذ الأمم المتحدة ازاءها عملاً من أعمال المنع أو القمع.  

وقد وجد هذا المبدأ تأكيداً وترسيخاً في عدد كبير من التوصيات والقرارات التي صدرت عن الفروع المختلفة لهيئة الأمم المتحدة وخاصة الجمعية العامة، ويأتي في المقدمة الإعلان الذي أصدرته الجمعية العامة في 24 أكتوبر سنة 1970 بشأن مبادئ القانون الدولي المتعلقة بالعلاقات الودية والتعاون بين الدول، والذي أكد المبدأ الرابع من مبادئه، على التزام الدول بوجود التعاون فيما بينها طبقاً لأحكام الميثاق. 

وهكذا باتت الدول تلتزم في إطار المجتمع الدولي المنظم بوجوب التعاون فيما بينها، مباشرة، ومن خلال الهيئات الدولية بكافة أنواعها، العالمية والإقليمية والسياسية أو ذات الطابع الفني، بموجب العديد من النصوص القانونية، التي تقرر مبدأ التعاون، كأصل قانوني من أصول التنظيم الدولي المعاصر، بحيث يمكن القول بأن مبدأ التعاون الدولي يعد اليوم أحد المبادئ الرئيسية التي يقوم عليها التنظيم الدولي المعاصر، والمجتمع الدولي المنظم الذي نعيش في إطاره.  

ففي هذا المجتمع الدولي الذي نعيش فيه اليوم، أصبح مبدأ التعاون الدولي أمراً أساسياً لا يمكن الاستغناء عنه أو المغالاة في التضييق من نطاقه، وبات من المسائل التي يجري التسليم بها، والتعبير عنها باعتبارها من المسلمات التي لا تقبل الجدل أو تحتمل الخلاف، وذلك على الرغم من كل صور التناقض والصراعات التي ما زال يزخر بها عالم اليوم، إلا أن الملاحظ أن كل دولة بمفردها لم تعد قادرة بحال من الأحوال على الانفصال عن المجتمع الدولي الأعم الذي نعيش في إطاره، بل أصبحت مدعوة ومدفوعة بعوامل متعددة إلى التعاون مع غيرها من الدول، في إطار هذا المجتمع، نزولاً على مجموعة من العوامل والاعتبارات التي لا تملك منها فكاكاً.  

إن محاولة تحديد مفهوم واضح وصريح لعبارة "التعاون الدولي" وكذلك إبراز أهم الفاعلين الرئيسيين والثانويين فيه، وتبيان أهم مجالات تفعيل هذا التعاون، هي محاولة محفوفة بمؤشرات النجاح والفشل، في سبيل احتواء هذه العبارة التي تتسع وتضيق في آن حسب ظروف الزمان والمكان، كونها عبارة يتم تداولها من زوايا مختلفة، استجابة لمصالح جماعية أو فردية، إذ أنه في الوقت الذي نلحظ فيه محاولة المقتضيات المضمنة بميثاق منظمة الأمم المتحدة، تفعيل التعاون الدولي بشكل واقعي، وإقناع الدول الأعضاء وكذلك الوكالات الدولية المتخصصة المتفرعة عنها (الأسرة الأممية) بنجاعة هذا التعاون، نجده هو نفسه الوقت الذي نلمس فيه تحكم أهم نظرية من نظريات العلاقات الدولية في تحديد مفهوم التعاون الدولي وإبراز فاعلية وإعطاء صورة عن أهم مجالات التفعيل، إنها بكل اختصار نظرية " الليبرالية الجديدة" التي أصبح لها النصيب الأوفر تنظيرياً وواقعياً، في تعريف التعاون الدولي وترشيح فاعليه الأساسيين، وتوجيهه نحو إرضاء رغبات وهواجس الدول العظمى على حساب المطالب المشروعة لدول أقل نمواً وأكثر تخلفاً.  

ويبرز التعاون الدولي في الاتفاقيّات الدوليّة، كما يمكن أن يتجسّد في المساعدات الإنسانيّة، مجسّدةً مبادئ أرستها الأمم المتحدة كخارطة طريق للتعاون الدولي في العالم.وهناك مستويات للتعاون الدولي، من بينها العلمي،والسياسي، والقضائي، والاقتصادي، والعسكري، والصحي، وكذلك في مجال البيئة والتصحر وتبادل المعلومات.ويظل التعاون الدولي جزء من المنظومة العالميّة التي تسعى الأمم المتحدة من خلالها لتحقيق إنجازات لكافة التجمعات الإنسانية حول العالم . 

التعاون الدولي في زمن "كوفيد-19" 

نجد أن علاقة التعاون الدولي بين منظمة الأغذية والزراعة ومنظمة الصحة العالمية، ما تم ترجمته في عام 1961 من خلال إنشاء المنظمتين لـ " هيئة الدستور الغذائي" وما لحقها من تعديلات وإضافات على مر التجارب المتراكمة بشكل براغماتي، وهو الدستور الذي نص على وضع معايير ومبادئ ونصوص غذائية، مثل تدوين الممارسات في إطار برنامج المواصفات الغذائية المشترك بين المنظمتين والذي سطر أهم أهداف البرنامج الرئيسية هي حماية صحة المستهلك، والتأكيد على التجارة العادلة، والتشجيع على تنسيق جميع الأعمال المتعلقة بالمعايير الغذائية التي تشارك بها المنظمات الحكومية الدولية والمنظمات غير الحكومية.  

ولقد سبق للمنظمتين أن عقدتا عام 2016 ندوة بخصوص ضمان الأنماط الغذائية الصحية والتغذية الكافية للجميع أمر ضروري للقضاء على الجوع وسوء التغذية بحلول 2030، وهي الندوة التي اختتمت بإشارة قوية إلى أهمية تشجيع الأنماط الغذائية الصحية وضمان توفر التغذية الكافية للجميع من أجل القضاء على الجوع وسوء التغذية، تحقيقاً للهدف الذي حددته الدول الأعضاء في الأمم المتحدة العام الماضي. 

وأن التعاون الدولي بين المنظمتين، هو من باب بذل الجهود المشتركة على جميع الأصعدة لتحسين التغذية هي قضية عامة فقد دعا السيد "دا سيلفا" إلى الالتزام السياسي بشكل أكبر على المستوى الوطني وكذلك إلى تعاون أكبر بين الجهات ذات العلاقة ومن بينها القطاع الخاص والمجتمع المدني وأعضاء البرلمانات.
وفي كلمته أكد السيد "دا سيلفا" كذلك على أهمية تمكين أصحاب الحيازات الصغيرة والعائلات الزراعية التي تحتاج إلى تحسين إمكانية وصولها إلى الموارد الإنتاجية، مؤكدا على ضرورة أن يكون لها "صوت متساوٍ ووصول متساوٍ وحقوق متساوية في سعيها لإنهاء الجوع وسوء التغذية.  

بدوره قال السيد "اوليغتشينوف" مساعد المدير العام لمنظمة الصحة العالمية للأمراض غير المعدية والصحة العقلية: "إن تحديات الغذاء والتغذية اليوم معقدة ولا يمكن معالجتها فقط من خلال عمل قطاع الزراعة أو قطاع الصحة بشكل منفرد". وأضاف أن "جعل الفاكهة والخضروات والبقوليات أكثر توفراً، يتطلب دعم السياسات من قطاع الزراعة، كما يحتاج إلى تقنين المنتجات وملصقات الأغذية والإعلانات والضرائب، إلى دعم السياسات من قطاع الصحة العامة.  

ولقد ظهر التعاون بوضوح بين المنظمتين، خلال الشهور الماضية من هذا العام 2020، نظراً لاجتياح فيروس الكورونا "كوفيد-19" لأغلب دول العالم انطلاقاً من الصين ومروراً بإيطاليا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا وانتهاء بالولايات المتحدة الأمريكية والمغرب وغيرها من الدول، والذي ترجم في محاولة "نهج الصحة الواحدة"، اعترافاً بالصلة بين البشر والحيوانات والنباتات وبيئاتها المشتركة في جهد متكامل للحد من الأمراض والآفات وضمان إمدادات غذائية آمنة في الفترات العادية والفترات العصيبة كهذه التي نعيشها، وهو التعاون الناتج عن توصل المنظمتين إلى كون الأمراض المعدية، تنتشر في الحيوانات والبيئة، وبعضها يمكن أن يمتد ويؤثر على صحة الإنسان. 

وتعمل المنظمتين باستمرار على دعم الدول الأعضاء بها أو الدول الأعضاء بمنظمة الأمم المتحدة، على محاولة وقاية الشعوب من الأمراض والتهديدات الصحية ذات الصلة، وكشفها ومكافحتها أينما ظهرت، ويشمل ذلك رصد ظهور مقاومة مضادات الميكروبات، فضلاً عن البرامج النشطة لمكافحة الأمراض الحيوانية والقضاء عليها، مثل مكافحة الحيوانات المجترة وحمى الخنازير الأفريقية، فضلاً عن الأمراض التي تنتقل من الحيوانات إلى البشر، بما في ذلك أنفلونزا الطيور، وفيروس داء الكَلب والفيروس الحالي "كوفيد-19" (كورونا).  

وإن التعاون بين المنظمتين هو مبني على استنتاجهما لصور الترابط بين البشر والحيوانات والبيئة، له أهميته كبرى في مكافحة أي تهديد للنظم الغذائية والإنتاج الزراعي وسبل العيش، ويكتسي هذا التركيز أهمية خاصة في المجتمعات الزراعية الريفية حيث توفر الحيوانات النقل والوقود والملابس، فضلاً عن الغذاء.وتبنياً للتحدي الذي أخذته المنظمتين على عاتقيهما، فإن تعاونهما المشترك ينصب على مد يد العون للعديد من الشركاء، بما في ذلك المنظمة العالمية لصحة الحيوان، على تطبيق نهج مشروع "الصحة الواحدة" محلياً وعالمياً، مع التركيز بشكل خاص على تعزيز القدرات عند الحاجة وحماية المجتمعات الأكثر ضعفاً.  

 

التعاون الصيني في ظل جائحة كورونا  

أصدرت الحكومة الصينية كتاباً أبيضاً تحت عنوان "مكافحة كوفيد -19: الصين في العمل"، وهذا الكتاب يهدف إلى نقل الثقة بالتغلب على الوباء وقوة الوحدة والتعاون إلى المجتمع الدولي. ويوضح الكتاب عملية كاملة للصين في مكافحة الوباء، مما يبين الصواب من الخطأ، ويأتي لنا بالحقائق والوقائع، ويجعل العالم يتفهم مفهوم الإدارة والحكم للحكومة الصينية المتمثل في خدمة الشعب بكل إخلاص.  

إن فيروس كورونا عدو مشترك للبشرية جمعاء وليس لبلد معين أو أمة معينة. من المعقول أن تحظى الصين بالتقدير العادل الدولي بدلاً من اللوم والتشويه باعتبارها متضررة بالوباء ومساهمة في المعركة العالمية ضد الوباء حيث دفعت الصين ثمناً باهظاً وتضحيات من أجل وضع حد لتفشي جائحة كورونا. إن التضامن والتعاون هو السلاح الأشد قوة للمجتمع الدولي في التغلب على الوباء. فعلى دول العالم أن تتضافر وتتعاون في بناء مجتمع الصحة المشتركة للبشرية ودفع مكافحة الوباء الدولية إلى اتجاه أحسن حتى نيل الانتصار الكلي.  

وبناء على وزير الخارجية الصيني "وانغ يي" لا يصقل الذهب الخالص إلا بالنار، ولا تعرف الصداقة الخاصة إلا في الشدائد. لما كانتالصين في أصعب أوقاتها في مكافحة الجائحة، أعرب قادة الدول العربية عن تضامنهم وتعاطفهم من خلال بعث الرسائل والبرقيات والمكالمات الهاتفية، تعبيراً عن الدعم السياسي القوي للجهود الصينية في مكافحة الجائحة. وأصدرت الدورة الـ53 لاجتماع مجلس وزراء الصحة للدول العربية بياناً يدعم الجهود الصينية في مكافحة الجائحة. وتبرعت الدول العربية للصين بأكثر من 10 ملايين كمامة وغيرها من المواد الطبية التي كانت بلادنا تحتاجها بشدة. وتم إضاءة برج خليفة الإماراتي وهو أعلى المباني في العالم بكلمات مشجعة "شد حيلك يا ووهان"، وتم إضاءة الأهرامات المصرية بلون العلم الوطني الصيني في "عروض الضوء" الرائعة، وكان الأصدقاء العرب يبادرون إلى تشجيعالصين بتصوير مقاطع الفيديو وإرسال تسجيلات الأغاني. جميع هذه الأعمال الحسنة كانت تؤثر في أبناء الشعب الصيني البالغ عددهم 1.4 مليار نسمة." 

وتتعاطفالصين مع الدول العربية التي تعاني من الجائحة. حيث أجرى الرئيس "شي جين بينغ"عدة اتصالات بالعديد من قادة الدول العربية عبر الهاتف وبالرسائل للتعبير عن الإرادة الراسخة في التغلب على الصعوبات بروح التآزر والتضامن. وقدم الجانب الصيني دعماً قوياً للدول العربية في مكافحة الجائحة من خلال توفير كميات كبيرة من المستلزمات الطبية. كما تقاسمتالصين خبرات الوقاية والتقنيات الطبية لمكافحة الجائحة مع الدول العربية بدون أي تحفظ، حيث تم عقد اجتماعات افتراضية بين الخبراء الطبيين الصينيين ونظرائهم في 21 دولة عربية، وتم ارسال فرقاً من الخبراء الطبيين إلى 8 دول عربية. وساعدت الصين الدول العربية على شراء المستلزمات الطبية في الصين، وقدمت دعماً لها لاستئناف العمل والإنتاج بشكل منتظم".  

فقد أرسلت الصين 29 فريقاً من الخبراء الطبيين إلى 27 دولة، زودت وتزود 150 دولة وأربع منظمات دولية بمساعدات طبية، وعقدت أكثر من 180 مؤتمراً لتبادل الخبرة عبر الفيديو مع أكثر من 170 دولة. إضافة إلى تمويل الصين لمنظمة الصحة العالمة بمساعدة نقدية قيمها 50 مليون دولار على دفعتين وإعلان الصين عن تعليق سداد الديون لـ 77 دولة ومنطقة نامية. 

ونخلص إلى أن إنجازات الصين لمكافحة الوباء ومساهماتها في الجهود الدولية لمكافحة الوباء عملية وموضوعية، رأته واعترفت به شعوب العالم، كما أن التضحيات والمساهمات الصينية الجبارة وراء الإنجازات أمر بديهي، ولربما سوف نرى في الأيام القادمة مدى نجاح دول العالم في تفعيل فكرة التعاون فيما بينها، في سبيل تخطي تبعات فيروس "كوفيد-19" (كورونا)، بأقل حدود ممكنة من الخسائر البشرية والسياسية والاقتصادية.