الفلسطينيون .. أين يذهبون؟

تابعنا على:   10:51 2020-09-03

جهاد أبو شنب

أمد/ لا يخفى على أحد واقعنا الفلسطيني، بل بات توصيفه يرهق القلب والعقل معًا، لما فيه من انهيار ومعاناة مركبة، سواء على الصعيد الوطني، أو السياسي، أو الاجتماعي، بل السقوط أمسى علامة على كل مكوناته، وأركان نظامه السياسي، وامتد ذلك المشهد ليشمل الحالة العربية التي كانت سند، والحاضنة الدولية التي كانت شاهدة على غطرسة الاحتلال ليتحول السند إلى شاهد، والشاهد إلى سراب لا يُرى.

منذ دخولنا «الفلسطينيين» الأراضي المحتلة، وبدأ الاحتلال يتعامل معنا وفق إستراتيجية واحدة، وهي نسف الحق الفلسطيني، وتحويل الثائر إما إلى فاسد، أو جائع، أو أداة، وصولًا إلى حد أن يصبح الفلسطينيون أقلية لا تستحق دولة، ولا حتى الجلوس معهم كطرف لحل الصراع.

ولربما يكون قطاع غزة الأكثر استهدافًا لتمرير مخططه، فغزة اليوم تقف على مرمى خطوة من دخولها لمرحلة جديدة وفق ما رسمه الاحتلال لها، والذي لم يعد في حاجة إلى محللين، أو خبراء، أو تسريب معلومات، لمعرفة تفاصيل ذلك الرسم الشنيع، منذ البداية كان يدرك الاحتلال أن القطاع يتطلب تعامل خاص لإسقاطه في وحل شباك مؤامرته التي باتت واضحة جليَة علنيَة منذ أحداث عام 2007، وما قبلها من إجبار جميع الأطراف لخوض الانتخابات التشريعية وما أفرزته من واقع جديد فرض معطيات قلبت موازين القوى فلسطينيًا.

وهناك من يعتقد أن البداية العلنيَة لهذا المخطط كانت حين تم إبعاد قيادة حركة حماس من الداخل لمرج الزهور جنوب لبنان، كنوع من تحضيرها لمرحلة قادمة كما تم إبعاد الكثير من الشخصيات لذات الغرض، وهذا لا يعني انحرافهم الوطني، بل انحراف نواياهم اتجاه طموحهم ومصالحهم الحزبية والشخصية الضيقة التي تم استغلالها جيدًا، ولكن المعطيات الحالية المعلن عنها من قبل الاحتلال والقيادة الفلسطينية وبعض الدول العربية، والتي ترى بالعين وتسمع بالأذن كافية لنصل لحقيقة حجم المؤامرة التي سقط قطاع غزة فيها بشكل خاص والقضية الفلسطينية بشكل عام، وهي كالتالي:

· الضغط الخارجي لإجراء انتخابات تشريعية ومشاركة حركة «حماس» فيها.

· الانهيار التدريجي لحركة فتح وأجهزة السلطة.

· أحداث عام 2007.

· حصار قطاع غزة وإغلاق المعابر.

· الحروب الثلاث.

· الخلاف الفتحاوي الداخلي.

· تحويل الانقسام لواقع ثابت.

· الفصل السياسي التام بين الضفة والقطاع.

· انهيار الحاضنة العربية والدولية.

· الأزمات المعيشية.

· لعبة التفاهمات والجولات والأوهام.

· فيروس كورونا.

تدرَج الاحتلال في هذه المعطيات وفق مراحل متعددة ضمن التلاعب على الاحتياجات المعيشية والابتزاز السياسي، مستغلًا أطماع حركة «حماس» وبعض الشخصيات لتولي الحكم والسيطرة على زمام الأمور، وساعد في ذلك حالة الانهيار الوطني لدى أغلب المكونات والقيادات الفلسطينية، بل النظام السياسي الفلسطيني برمته في ظل التغييب المتعمد، والاغتيال المعنوي لمنظمة التحرير التي كانت تشكل الحالة الجامعة للكل الفلسطيني، في محاولة دائمة من قبل الإسلاميين للسيطرة عليها، أو خلق بديل عنها.

طيلة هذه المراحل كان الاحتلال يسعى على الدوام لفصل القوى الفلسطينية عن بعضها البعض وربطها بالتحالفات الإقليمية ليسهل التعامل معها، وأيضًا لجعل بعض الدول العربية شريك للضغط، وخطف القرار الوطني المستقل، أو تمزيقه إن صح التعبير، وهذا ليس اتهامًا لهذه الدول؛ لأن البيئة الفكرية لهذه الفصائل كانت مهيئة لذلك، وهي التي قررت – نهاية – التموضع في تلك التحالفات.

في المقابل استطاع الاحتلال أن يقنع بعض الدول العربية مستغلًا أزماتهم وانهيار القضية الفلسطينية أن «التطبيع» هو الحل الأوحد لضمان وجودهم على الخارطة السياسية والاقتصادية الإقليمية؛ مما عجل في انطلاق قطار اتفاقيات التطبيع العلنية الذي لن يتوقف «إن استمر انهيارنا» حتى آخر دولة عربية كنا نظن يومًا أنها لن تفعل ذلك.

ولنعد للمشهد الفلسطيني الداخلي، «فتح».. الحركة التي جاءت رصاصة الرحمة على جسدها المتهالك من داخلها، حين وقع الخلاف الفتحاوي الداخلي، والذي انعكس على قاعدتها الجماهيرية، وأدى إلى تشتت رؤيتها الوطنية وانشغالها بالقضايا الداخلية، سواء فتحاويًا أو فلسطينيًا، بالإضافة إلى انشغال قيادتها بتولي المهام الوظيفية داخل أجهزة السلطة الفلسطينية؛ مما جعلها فصيلًا وطنيًا عجوزًا لا يقدر على مواجهة عدوه، أو منافسة خصومه، وحتى محاولة البعض بصناعة تغيير أو تجديد لدمائها باء بالفشل؛ لأن البوصلة لم تكن الحركة، بل كان موضع النفوذ داخلها.

يعتقد البعض أن هذا الخلاف ناتج عن صراع أجيال، أو نفوذ، أو اختلاف رؤى في التعامل مع بعض الملفات، لربما يكن كل ذلك صحيحًا.. المهم أن هذه الحركة التي تعتبر عمود الخيمة أصبحت في حالة يرثى لها، وغير قادرة على إيقاف أي مشروع كارثي يفرضه الاحتلال، وهذا ما لمسناه في صفقة القرن والاستيطان والكثير من المؤامرات الإسرائيلية، حتى مشروع الضم لو سلَمنا أنه تم إيقافه، فالسبب يعود للدور الوظيفي الذي تلعبه السلطة والتلويح فيه، وليس للعنفوان الثوري داخل الحركة.

فالنهاية الحقيقة الجليَة أن حال حركة فتح لا يختلف كثيرًا عن الحالة الوطنية الفلسطينية بشكل عام، خلافات وانقسامات واستغلال لطموح ومصالح قياداتها في الوصول ليكون عامل لهدم البيت الفتحاوي بقصد أو بدون قصد، والنقطة الرئيسة في هذا الخلاف التي استغلها الاحتلال هي تعميق فصل القطاع حتى داخل الحزب الواحد.

كل تلك الأحداث والمعطيات جزء من الماضي وتبعاتها ما زالت حاضرًا مستمرًا سينتهي يومًا، لكن كيف سينعكس ذلك على المستقبل؟ هذا هو السؤال الكبير الذي يجب أن نجيب عليه علّنًا نستطيع تغيير بوصلة قطار الانهيار نحو القليل من الوجود لقضيتنا وشعبنا الفلسطيني.

ان استمرار تلك المعطيات دون قوة ضغط مقابلة تواجهها سنصل سريعًا لما يصبوا إليه الاحتلال وهو «بازار فلسطيني» بحت، تُعرض فيه القيادات الفلسطينية، ويجلس ليختار بين هذا وذاك وفق من يلبي مصالحه أكثر، ومن يعتقد امتلاكه لأدوات يمكن الرهان عليها فهو واهم؛ لأن تلك الأدوات في مرحلة متقدمة ستصبح عبئًا على مشروع طموحه السياسي والحزبي.

وسيمرر على الشعب أن ذلك الاختيار هو المخلَص والمنقذ، لربما يكون كذلك، ولكن معيشيًا، وليس سياسيًا أو وطنيًا؛ لأن ثمن وصوله سيكون القضية.

هل سنصل لذلك؟ أيضًا هذا السؤال مرهون بالقوة التي يجب أن توجد لتواجه الانهيار، حين قيل للرمز ياسر عرفات «في احدى جلسات المفاوضات مع الإدارة الأمريكية»: هنا وعلى هذه الطاولة «لا أحد يستطيع أن يقول: لا»، قال: «أنا لا أحد»، اليوم يجب على كل الفصائل والشخصيات أن تقول: «نحن لا أحد»، ويحلوا أنفسهم وأحزابهم وفصائلهم التي باتت عبئًا علينا، ليتركوا القضية في صدور أبناء شعبنا ليقرر مصيره، وقتها فقط سنقلب السحر على الساحر، وسيدرك الاحتلال أن مخططه الذي رسمه منذ عشرات السنين باء بالفشل، إن لم نفعل ذلك، يومًا ما فسيفعله الشعب بكم، يوم لا ينفع الندم.

المستقبل أمام خيارين لا ثالث لهما، استمرار الانهيار حتى تمسي قضيتنا ترف سياسي لا يذكر، أو نهضة وطنية خارج قيود الفصائل والمشاريع التصفوية تفرض واقع جديد نابع من الشعور الوطني للفلسطيني تجاه «فلسطين» فقط.

سيعتقد البعض أني واهم في خياري الثاني، وأنا فعلًا كذلك، ولكن الوهم سيصبح حقيقيًا حين نحاول ترسيخه في عقولنا، وعقول الأجيال من بعدنا، علها تستطيع تحقيق ما عجزنا عنه.

اخر الأخبار