غزة والكورونا

تابعنا على:   16:39 2020-08-28

حازم أبو كرش

أمد/ تعيش غزة اليوم أوقات عصيبة مع انتشار فيروس كورونا، صار القريب والحبيب والصديق والغريب والجيران أعداء محتملين، بل صرت أنت نفسك عدواً لنفسك لو فكرت في أن تدعك عينيك أو أن تدلك أنفك من دون احتياط. أصبحت مصدراً للعدوى وأصبحت تهدد نفسك بنفسك.

في هذه الأيام في حضور العزل ولزوم البيت أتابع الأخبار وأتبادل مع الأصدقاء والمعارف رسائل "واتسابيه" عن الفيروس والعدوى، تأتي من جهات مختلفة. معلومات مؤكدة وأخرى زائفة، مع ترك الإحساس يقظا بما يحدث. أفكر بمأساة من بالخارج: المرضى الذين علموا بإصابتهم بالكورونا، مأساة الفقراء الذين أصبحوا من دون دخل والذين يعتمدون على الكسب اليومي. لا يفوتني أيضا أن اشعر بالامتنان لكل هيئة الأطباء والممرضين والشرطة، وجميع الساهرين في المدينة على المرضى والوقاية.

على الجانب الاخر، يقف الأشخاص في شرفات بيوتهم ومداخل منازلهم يملؤون الشوارع الخالية بأصواتهم بعد منع التجوال ويملؤون مواقع التواصل الاجتماعي لقطات "سنابيه" للحال مصحوبة بنكته أو موسيقية ما. فلا شيء يقف أمام غريزة الحياة. عفويتنا واندفاعنا سلاح نواجه به الأشباح الخارجة من خفايا الطبيعة، الإنسان مجرد مخلوق يحاول الوجود، والفيروس أيضا مخلوق يحاول الوجود، كل هذا يتعلق فقط بمحاولة البقاء على قيد الحياة وغزة تريد البقاء. مديتنا لا تتوفر لديها قدرات الاخرون، سوى أن تعمل ما في وسعها في الوقاية بالحجر وتوعية المواطنين وتضامنهم، بانتظار أن يكتشف غيرها اللقاح. وأنا مؤمن أنها ستفعل ما بوسعها.

في صلب اللحظة الراهنة، بداية النزال بين الشعب والفيروس قد بدء للتو، والموقف يزداد خطورة تدريجا، فالفيروس لا يغير دوره، والمواطن لا يعرف ماذا يفعل للنجاة منه. والخطاب الرسمي لا يتغير. والأدهى الشتاء قادم وعلى الرغم من أن أخي الصيدلي طمأنني على أن الفيروسات الأخرى حاضره ولا يوجد فقط كورونا على الساحة، الا ان الإصابة بنزلة برد في هذا الوقت بالذات مصدر قلق شديد.

هذه أيام صعبة، لا ريب. أحياناً، يبدو لي أننا لم نستطع، حتى اللحظة، أن نحصر خطورة وباء فيروس "كورونا". بل ليس لدينا من الإمكانيات ما يكفي لمعرفة حقيقته، حتى ندرك ما نحن فيه. أنا منعزل في البيت، مثل غيري، في البلاد التي قررت حكومتها فرض العزلة على الأفراد ومنعهم من مغادرة البيوت أفكر بالتأكيد أن البشرية ستنتصر على الفيروس، لكن بأي ثمن؟ ومتى؟

عرف العالم أزمات، الطاعون مثلا واستطاع أن يتخطاها ولكن لقد بينت الحضارة في نموذجيتها العولمة ومآزقها أيضاً، القرية الصغيرة التي أصبحها العالم، ليست قرية سلع وتحرر جمركي، ولكنها أيضاً قرية أمراض أصبحت تسافر بلا حدود، حيث لا قوة تمنع الفيروسات المخبرية أو الطبيعية من أن تعبر الحدود عبر الطائرات، عبر التجارة الحرة نفسها.

قدرتنا كأفراد على العزل حقيقة قائمة، لكن كثيراً من وجوه التواصل لا تزال قائمة أيضاً: نحن نحتاج الإمدادات اليومية من غذاء وماء وغيرها من السلع، وذلك يتطلب منا النزول خلسة أو بشكل رسمي لجلب ما ينقصنا وهذا التواصل يقلقني في وجود الاحتياطات الوقائية. في النهاية غزة هل ستبقى قطاع صغير أم ستصبح مصح كبير؟ هذا ما ستكشفه الأيام القادمة. أتمنى أن تعبر البشرية هذه المحنة بسلام ، والله يحميك يا شعبي.

كلمات دلالية

اخر الأخبار