سبل مناهضة التطبيع

تابعنا على:   08:13 2020-08-17

صلاح عبد العاطي

أمد/ كانت "مقاطعة إسرائيل" هي عنوان الموقف العربي الرسمي تجاه "إسرائيل"، وهو موقف مدعوم بموقف شعبي فلسطيني وعربي منذ مطلع عشرينيات القرن الماضي. وان بدأ إحلال "التطبيع" مكان "المقاطعة" بعد توقيع مصر معاهدة سلام منفردة مع دولة الاحتلال الإسرائيلي عام 1978، وما تبعه من خطوات فلسطينية و عربية أدت الي انهيار اهم جدران المقاطعة لدولة الاحتلال الذي تمثل باعتراف منظمة التحرير الفلسطينية الرسمي بـ "إسرائيل" وتوقيعها اتفاقية أوسلو معها عام 1993، وبالتالي بدأ النظام الرسمي العربي يعلن عن توجهاته تجاه إقامة علاقات مع دولة الاحتلال وحيث وقعت الأردن اتفاقية ودي عربة عام 1994، وكذلك موريتانيا التي اعترفت به رسمياً عام 1999، وفيما بعض ادول العربية اقتصرت علاقتها مع الاحتلال على مستوى تبادل الزيارات او اقامة ممثليات اقتصادية وتجارية حيث افتتحت ممثلية تجارية في قطر عام 1996 ولاحقا في المغرب إضافة الي تبادل الزيارات والعلاقات السرية . وان كانت تلك العلاقات قد تعرضت لسحب السفراء ووقف الممثليات عند تصعيد الاحتلال لجرائمه بحق الفلسطينيين.
ومؤخر تنامت في السنوات الاربع الاخيرة هرولة بعض الأنظمة العربية للتطبيع مع دولة الاحتلال حيث تم السماح بمشاركة وفود إسرائيلية في مؤتمرات دولية واقليمية واحداث رياضية واقتصادية خاصة ي الخليج العربي مسقط والدوحة ودبي و البحرين التي استضفت مؤتمر المنامة الترويجي للشق الاقتصادي في صفقة القرن، او من خلال الزيارات السرية والعلنية والتي تمت في السنوات الأربعة الأخيرة بين إسرائيل وعدد من الدول العربية كان اخرها الإعلان عن اتفاق ثلاثي امريكي امارتي إسرائيلي لتطبيع العلاقات ، ليصل عدد الدول التي تعترف بإسرائيل 158 دولة عضواً في الأمم المتحدة، ورغم كل الاختراقات الإسرائيلية الا ان الموقف الشعبي العربي بقي غير متسامح مع التطبيع، أو بأي قدر من الاعتراف بـ "إسرائيل"، بصرف النظر عن مصدره، ودعمًا للقضية الفلسطينية، ودفاعًا عن الحقوق و الوجود العربي ومستقبله، حيث تحاول المكينة الإعلامية الإسرائيلية في تضخيم الاختراقات الا انها ستبقي اثارها محدودة في ضوء الرفض الشعبي العربي ، وطالما بقت محاولات عربية تتصدى للتطبيع الإسرائيلي، ولعل ذلك تجلي في اكثر من مؤشر مع رؤساء دول وأعضاء برلمان عرب ومؤسسات وقوي حزبية ونقابية وشخصيات عربية عبرت عن مواقفها تجاه التطبيع، إضافة الي رفض شعبي عربي .
ولكن التغييرات والصراعات الدولية وسط عالم متسارع التغيير تقوم فيه العلاقات علي لغة المصالح وفي ظل اختلال ميزان القوي الاقليمي والدولي وتراجع مكانة المنظمات الدولية والاقليمية وفي ظل رغبة القوي الهيمنة لثبيت قواعد القوة وشريعة الغاب بديلا للقانون الدولي في ظل صود الشعبوية واليمين المتطرف في دول تعاني من أزمات اقتصادية والصراعات بين الأقطاب الدولية ، ادي الى تحول العالم العربي لساحة حروب بالوكالة نهكيكم عن استمرار الصراعات في معظم الأقطار العربية التي باتت منشغلة بعد الربيع/ الخريف العربي بالصراعات الداخلية والصرعات البينية العربية العربية والصراعات الإقليمية ، واضافة الى ما تركه الانقسام السياسي من تداعيات على القضية الفلسطينية وعلى الحركة الوطنية وانقسامها وتوزعها بين محاور عربية وإقليمية ، واستفادة دولة الاحتلال من كل ما سبق وتحولها الى قوة إقليمية مدعمة من الولايات المتحدة الأميركية الامر الذي عزز من نفوذها وحضورها عسكريا وعلميا واقتصاديا ، أدت الى ان نشهد موجه جديدة من التطبيع العربي ، حيث نظمت البحرين مؤتمر المنامة واستمرت قطر وعمان والسعودية والامارات والمغرب وجنوب السودان والسودان في استقبال مسؤولين إسرائيليين وسمحت بمشاركة إسرائيليين في فعاليات رياضية واقتصادية وسياسية وثقافية إضافة الي زيارة بعض المسؤولين فيها دولة الاحتلال وبعضها سمح بالمجال الجوي لعبور الطائرات الإسرائيلية، ومؤخرا اعلن عن تطبيع العلاقات الامارتية الإسرائيلية ، والخشية قائمة من تطبيع بعض الدول العربية علاقاتها مع دولة الاحتلال الإسرائيلي .
لذا يجب الحذر والتحذير من اتساع موجة التطبيع ما لم يزد الضغط على الحكومات المطبعة شعبيًا، وطالما لم تأخذ القيادة الفلسطينية موقف رسمي واضح وكاف لمواجهة ومناهضة التطبيع، بما يشمل إعادة ترتيب البيت الداخلي الفلسطيني واستعادة الوحدة على أسس الشراكة وبرنامج وطني متفق عليه وإعادة تفعيل وإصلاح كل مؤسسات النظام السياسي وخاصة منظمة التحرير الفلسطينية والاتفاق على استراتيجية نضالية شاملة تقوم على تدويل الصراع ورفع كلفة الاحتلال وتعزيز صمود الناس في فلسطين، ولعل مناهضة التطبيع تقتضي جملة من الخطوات والأدوات وفي اطار استراتيجية تشمل:
• إظهار المخاطر السياسية والاقتصادية والثقافية للتطبيع، باعتباره يتناقض مع تاريخ المنطقة العربية وثقافتها، مع الحقوق والمصالح العربية ويأتي في سياق شطب حقوق الشعب الفلسطيني، وتعبئة الشعوب العربية للضغط على الأنظمة لوقف الهرولة تجاه التطبيع، وتعزيز دعم الحقوق الفلسطينية والعربية المكفولة بموجب قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة.
• دعوة جامعة الدول العربية والأنظمة العربيّة الى تنفيذ مقرراتها المتخذة في القمم العربية المناهضة للتطبيع، وعلى الأقل احترام مبادرة السلام العربية لعام 2002التي تشترط التوصل إلى حل للقضية الفلسطينية قبل التطبيع.
• تعزيز التشبيك مع كافة الجهات العربية والدولية المناهضة التطبيع، والاستمرار في حملات الضغط على الحكومات العربية والمطبعين، ونشر أكبر قدر ممكن من المعلومات حول مخاطر التطبيع، والدعوة الي مؤتمرات عربية لمناهضته، وتشكيل مرصد عربي موحد لمقاومة التطبيع، وفضح جرائم الاحتلال تجاه الفلسطينيين والعرب وسن قوانين لتجريم التطبيع والبحث عن كل الفرص القانونية والدبلوماسية والشعبية لمناهضته.
• الغاء لجنة التواصل مع المجتمع الإسرائيلي التي اسستها السلطة لتعزيز التواصل مع دولة الاحتلال، وضع قرارات المجلس الوطني الفلسطيني؛ موضع التنفيذ الفعلي، بما في ذلك التحلل من الالتزامات المتعارضة مع اعتبار العلاقة بيننا وبين سلطات الاحتلال الإسرائيلي، علاقة صراع مع محتل حربي، وإعادة النظر في شكل السلطة ووظائفها والتزاماتها، ونقل المهمات السياسية للسلطة إلى المنظمة، ووقف التنسيق الأمني، وإلغاء اتفاق أوسلو وما تلاه من اتفاقيات وقعت مع الاحتلال الإسرائيلي ،انطلاقا من الإقرار بعدم إمكانية التوصل إلى حل نهائي في المدى المنظور، على الأقل، بما في ذلك التسليم بانغلاق الآفاق أمام أي جهود للتوصل إلى حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي.
• تفعيل البعد الدولي للقضية الفلسطينية انطلاقا من مفهوم تدويل الصراع، واعتماد خطة لتفعيل العضوية الفلسطينية في المؤسسات والمحاكم الدولية انطلاقا من استخدام القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة لدعم الحقوق الفلسطينية وملاحقة ومحاسبة إسرائيل على جرائمها المستمرة، وبخاصة في محكمة الجنايات الدولية، وتبني حملة المقاطعة وفرض العقوبات على دولة الاحتلال بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة وتوسيع مقاومة التطبيع بكافة أشكاله.
• استنهاض قدرات الشعب الفلسطيني، وإطلاق طاقاته حتى يستطيع مواجهة المخاطر المحدقة والمحيطة بالقضية والشعب الفلسطيني تعظيم الاشتباك الشعبي والديبلوماسي والقانوني والإعلامي لرفع كلفة الاحتلال، وتفعيل المقاومة الشعبية في كافة تجمعات شعبنا ودون المس بحق شعبنا في مقاومة الاحتلال والدفاع عن نفسه بكافة الأشكال المتاحة المكفولة بموجب القانون الدولي، وتفعيل الاليات الدولية والإقليمية لبحث توفير الحماية للشعب الفلسطيني .
• تفعيل الدبلوماسية الفلسطينية بما يضمن إعادة القضية الفلسطينية على سلم أولويات القضايا الدولية، وقطع الطريق أمام حملات التطبيع العربي – الإسرائيلي، واستثمار عضوية فلسطين في المنظمات الإقليمية والدولية لفضح الجرائم الإسرائيلية بحق الشعب الفلسطيني وأرضه المحتلة حربياً.
• النأي بالمواقف والسياسات الفلسطينية عن أي من المحاور العربية والإقليمية والدولية، اعتماد سياسة عدم التدخل في الشؤون الداخلية للبلدان العربية وغير العربية، وتحصين الجبهة الفلسطينية من التدخلات الخارجية، واستعادة مكانة القضية الفلسطينية بصفتها قضية جامعة، وعليها أن تبقى كذلك دون أن تكون جزءا من أي محور، وتعزيز هوية ودور مختلف القوى الفلسطينية باعتبارها جزءا من حركة التحرر الوطني الفلسطينية، بعيدا عن ارتباط تنظيمي أو أيديولوجي أو سياسي مع جهات خارجية.
• بلورة جبهة صد تضم الدول القوى الصديقة، وقوى الرأي العام العالمي المناصر لقضيتنا، ومختلف مؤسسات الأمم المتحدة، لدعم برنامج إنهاء الاحتلال والاستيطان والعودة والاستقلال الوطني، بما يعزز الجهد الفلسطيني لتشييد حائط صدٍّ سياسي في مواجهة الخطة الأميركية، وعلى أساس بلورة موقف دولي يتمسك بالقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة، بما يكفل تمكين الشعب الفلسطيني من ممارسة حقوقه الوطنية المشروعة، وإعلان دولة فلسطين تحت الاحتلال تحميل دول العالم مسؤولياتها للتحرك الجاد لإنهاء الاحتلال ورفع الحصار المفروض على قطاع غزة ، ووقف جرائم الاستيطان الاستعماري والتمييز العنصري وتهويد مدينة القدس، وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين وفق قرار 194، بما يكفل إنهاء معاناة الشعب الفلسطيني المتواصلة.

لمتابعة الأخبار وآخر المستجدات .. انضم الآن إلى تطبيق "أمد للإعلام" .. اضغط هنا