الإنسان الواعي والحوار/الصراع الذاتي

تابعنا على:   11:33 2020-07-22

بكر أبوبكر

أمد/ ما بين خوض الصراع القريب والصراع البعيد مسافة، لابد أن تبدأ من المنطقي وهو القريب ولكن كثير من الناس من يستسهل ذاك البعيد ويستصعب القريب، فالقريب صراع في النفس في الذات في الشخصية ولهذا الصراع أدوات تحتاج لدأب ومثابرة، كما تحتاج لتحريك الفكرة باتجاه التنفيذ عبر مركب الإرادة والتي ما هي إلا ناقل الحركة من سرعة الى سرعة وبدونه يظل المسار الداخلي بطيء الايقاع ولا يحدث نتيجة عدم التسارع أي تغيير
الصراع القريب
إن الصراع القريب هو الصراع الحميم في نفس الوقت، وهو الصراع الذي أخوضه يوميا مع نفسي بالحوار/الصراع الداخلي الذاتي لتثبيت مجموعة من القيم والمفاهيم والتوجهات في نفسي، فلكي أكون صادقا مع نفسي وأمام الآخرين لا يكفي التعبير عن ذلك لفظًا، ولكي أدعو الناس للصبر فلا يجب أن أكون ملولا، وعندما يكون المحيط قابلا للانفجار أكون قد راكمت عناصر التحليل مسبقا لآلية ردّات الفعل.
الصراع القريب هو صراع النفس الإنسانية، وحوارها الصعب الذي حضّت عليه الديانات عامة، بواقع التأمل والتفكر وجهاد النفس، كما حضّ عليه القرآن الكريم الذي جعل للنفس درجات من الأمارة بالسوء، والموسوسة، والمطمئنة واللوّامة والراضية المرضية، وجعل لكل درجة عناصر قوتها وضعفها ومسارها الذي يجب أن تسير عليه.
إن النفس هي حقيقة الشيء وعينه وجوهره كما ورد في تاج العروس، وفيها الوساوس والظنون والخلجات وما يتحدث به الإنسان عن نفسه وغيره، وظنونه وأفكاره ومواقفه وضميره.
والنفس هي بؤرة الصراع/الحوار الداخلي القريب بين قوى الخير والشر، بين الايجابية والسلبية بين العبوس والابتسام....، و لها صفات وخصائص كثيرة؛ منها: القدرة على إدراك الخير والشر، والتمييز بينهما، والاستعداد لهما، والقدرة على التحريك والتغيير.
لذا فإن البدء من حيث ما أملك أجدر أن تتم العناية به من البعيد الذي قد يكون صديقك أوشريكك أو أخيك، أو قد يكون القضية التي تحملها وتصارع في داخل التنظيم أو المؤسسة لتمثلها والدعوة لها أو لإحداث التغيير فيها.
الثائر والمجاهد، والانسان الحقيقي من يبدأ بنفسه، فيعمل جاهدا على تنقيتها، وعلى اتساع عناصرها ويعمل على تحويل المركّبات السيئة النشِطة فيها الى مركبات إيجابية، وهو الذي يتهم نفسه أولا بالنظر والحوارالداخلي والتساؤل ومحاسبة ونقد الذات قبل أن يوجه أصبع الاتهام للآخرين او قبل أن يقوم بتمزيق الآخرين بقنابل السخرية والشتائم والتجريح والاتهام.
الثائر والإنسان الواعي والمجاهد الحقيقي من يركّز على العمل، وعلى الموقف وعلى النتيجة، وهو من يوجّه نقده للعمل والموقف والنتيجة، فيعيد تركيب مكونات القوة فيه وإن كان من انحدار أو مخالفة من الآخرين في أي منها يقوم بنقده وفق مقتضيات الحوارالعام وآداب الحديث مع الأخرين وبما لا يضر بمنطق الاحتفاظ بالعناصر الإيجابية ضمن الدائرة المحيطة بالذات.

الحوار الذاتي
يخوض الإنسان يوميا حوارًا صعبا مع ذاته، فقد يبدأ من فكرة المظلمة والعجز أو اللوم والتقريع، أو التذكير بالعجز أو البكاء على الذات أو الأسهل من كل ذلك الاتجاه للوم الآخرين على كل ما يحصل له فهو بائس بسبب الآخرين! وهو لم يحقق أحلامه بسبب الآخرين وهو في حالة منحطة من المشاعر أو البؤس للمؤامرة أو الموانع التي وضعها الآخرون في طريقه! وكأن كل أمنياته قابلة للتحقيق لولا الأعداء المتربصون به من كل جانب.
في هذا الحوار وأمثاله من الحوارات الذاتية الصراعية القريبة قد تُشل الحركة، وتُطفئ شعلة التفكير المنتج وتسبب صدمة لحامله وتعرقل أي خطوة قد يتخذها الشخص الى الامام أو ترفض أي يد تمتد لتقديم العون.
إن الانتقال من الحالة النفسية الانهزامية والحالة النفسية المثبطة والحالة النفسية المحطمة أوالسلبية الى تلك الإيجابية لها من المفاتيح ما يملكه الانسان العادي والانسان الثائر المناضل في يده، ولكنه كثيرا ما ينظر للبعيد ولا يستطيع أو لا يريد أن ينظر لما هو تحت أنفه!
في الحوار الداخلي اليومي نستطيع أن ننمّي علاقاتنا مع أنفسنا ونستطيع الانتقال من حالة القتامة الى حالة الإشراق وفق مجموعة من الأفكار التي نرى منها التالي
1. الابتعاد عن التعميم : فليس كل حالة سلبية مرت بي أو بغيري، أو بمسار القضية أو الثورة المؤثرة بي تقتضي أن تُعمم على المجموع، وليس كل حالة خاصة يصح أن تكون مقياسا لكل شيء، فتغيير زاوية النظر وعدم التمسك بها بنفس طريقة التفكير الاولى قد يزحزح فكرة التعميم عن موقعها الحصين وهي التي ترتبط باستعمال كلمات مثل (دائما ، أبدا، كل شيء).
2. القياس بناء على تجربة واحدة: فحين نفشل لمرة مع أنفسنا-داخل المؤسسة،في التنظيم السياسي،مع صديق...-قد تتحول مركبات الفشل إلى كابح للتقدم فتخور القوى وتضعف الإرادة ما يقتضي للخروج من الحالة حُسن الإعداد والتمرين المسبق والتجهيز والتخطيط وليس التراخي والانسحاب.
3. ابدأ يومك بابتسامة: وبشكل إيجابي وبجدول أعمال منظّم مسبقا تعرف نتيجته ما يضفي على يومك الحُبور.
4. الانتقال من الأسف والبكاء على الذات (والحال والأحوال) الى النظر من منظار البسمة والتفاؤل: فليس كل مصيبة أو محزنة أو شر (خاص أو عام) يقع به الانسان-أو المجتمع أو التنظيم وينعكس عليّ- ثم يلحقه آخر بعد فترة مثلا بمقياس ثابت، إلا ما تم التركيز عليه وإبعاد العناصر الايجابية الأخرى حيث أن ذاكرة الإنسان انتقائية قد تنتقي فقط ما هو سلبي! وإن كان متباعدا وتضعه كله في سلة واحدة، فتصبح الحياة محطّمة لا تستحق العمل لتطويرها، بينما تقوم بإزاحة كل العوامل الايجابية بعيدا فلا تنظر لها، وهنا يجب الموازنة بين الحالتين أو التوقف عن مراكمة السلبيات فقط وتضخيمها بسؤال النفس ما الذي يجعلني محبوبا أو ناجحا او مؤثرا في المحيط أو سعيدا بدل الأسئلة السلبية المعاكسة، ولنتقبّل الثناء والشكر والتعليق الايجابي ونراكمه ونرصّده.
5. عدم الاغراق في العواطف الجياشة: من سوء تقدير النفس، أو استعذاب البكاء عليها، من مثل تكرار ذاتي بالقول (أنا بلافائدة، لذا أنا فاشل) (الكل يحتقرني او يكرهني) أو أنا لست مهما أو لست مؤثرا في مسار العمل، ولكن الحقيقة تكمن بالنظر من زاوية أخرى أو بالاستعانة بصديق. ومثل هذا الشخص يسمى في إطار الفكر الثوري النمط التطهري أي سريع التأثر بالمواقف خاصة السلبية، فينكفئ وينعزل وينسحب ما يتيح للشخصية الانتهازية أن تتقدم.
6. التشخيص أو التحليل الصحيح: لأي أمر من الأمور. في الحوار الذاتي يجب أن يأخذ جميع العوامل بالاعتبار تلك الداخلية والمجاورة والخارجية ويوازن بينها فلا يركز على عامل واحد ويفترض به الدليل القاطع في كل الأحوال، فلكل موقف أو مشهد أو تصرف مفاعيله، لذا من المهم حين التفكير أو الحوار عزل الحدث عن المشاعر التي ارتبطت به لمعرفة طبيعة الحدث والشعور وأين انا منهما. وبالتركيز على ما يمكنني تغييره وليس على فكرة اللوم والاتهام ما لا طاقة لي به أو بتغييره.
7. امتلاك منهج تحليلي فكري معرفي: لمعرفة الأسباب، وهو من أهم ما قد تمتلكه النفس من أساليب تستطيع بها أن تغادر مربع السلبية القاتل الى مربع الايجابية فالأول يرتبط بالنقد الميئس والثاني يرتبط بما يمكنني عمله.
8. اختيار الكلمات الصحيحة وتصنيفها: واستبعاد المعوجّة، وهي من أهم الأمور فاستخدام الكلمات الصلبة أو النافرة (والمنفّرة) مدعاة للحزن واليأس والسلبية، مثل: هم يكرهوني، أو هم سيئون دومًا، والتي بدلا منها يتم التساؤل لم يختلفون معي؟ وبدلا من وصم الآخرين بالحقد أوالتفاهة لمن أنا أخالفهم! وغيرها من الكلمات التي معها يجب تغيير القاموس الداخلي مرتبطا بالابتسامة الحقيقة الداخلية. لذا علينا اختيار الكلمات الايجابية والمناسبة في حواراتنا مع الآخرين وفي حواراتنا مع أنفسنا فيصبح المضمون والقالب واحدا.
9. بدلا من التشخيص السلبي انتقل للسؤال والجواب: فبدلا من إغراق الذات بتحليلات منهارة ابدأ بطرح الأسئلة وأبحث عن أجوبة متنوعة وأقارنها لنخرج من فكرة اللوم والاتهام الى فكرة الاستنتاج والتخطيط للأفضل، بل واللجوء للإيحاء الذاتي فأنا أستطيع وأنا قادر وأنا واثق من تقدمي وإمساكي بزمام الأمر.
10. «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا»: أفلا أكون ممتنا لأنعم الله علي بشكل دائم؟! أفلا أقتدي بالمسيح عليه السلام الذي رأى البياض وأشاد به في كومة السواد، وألا اكون مثل الرسول محمد عليه السلام الذي رغم المغفرة التامة له من الله يجهد نفسه بالتقرب إليه وليرد على من سأله قائلا «أفلا أحب أن أكون عبدًا شكورًا». والشكر والامتنان قد يبدأ بقول شكرا لمن يفعل أي شيء لك ويستمر مفعول الامتنان مع كل نسمة هواء تتنفسها الى الطبيعة وأنعم الله عليك التي لا تحصى ما يجعل الامتنان الدائم رسالة تفاؤل لاتنقطع ترى الجمال في كل شيء.
11. الثائر أو المناضل أو المجاهد في ذاته وغيره يحتاج ليحمل عبء الأمانة على كتفيه أن يكون مؤهلا نفسيا للدعوة او الاستقطاب او جذب الآخرين، وكلما كان نقي النفس ثابت الحال هاديء النظرة قوي الإرادة قدوة في مسلكه من قول وفعل كلما كان عبء الامانة مما تستحقه أكتافه.

اخر الأخبار