ورقة سياسة بعنوان: جرائم الانتحار في غزة ..الواقع والافاق وسبل الوقاية منها

تابعنا على:   10:41 2020-07-06

رنا ماجد هديب

أمد/ المقدمة:

في ظل الانقسام السياسي الذي تزداد انعكاساته يوماً بعد يوم، وفي ظل واقع اقتصادي، اجتماعي متردي وارتفاع في نسب الفقر والبطالة، وفي ظل تعدد الدوافع والمسببات ولعل أبرزها ما يعيشه القطاع من معاناة دائمة ومستمرة على مختلف الأصعدة بشكل يختلف عن باقي الدول، فان ذلك قد شكل فجوة يعيشها الشباب اليوم بين ما هو مأمول وما هو الواقع ليجدو أنفسهم امام انسداد للأفق ،فلا فرصة أمامهم للإعلان عن احتياجاتهم واحتجاجاتهم وقهرهم الا بما يملكون من أرواح ،حيث بات قتل النفس وان اختلفت أساليب هذا القتل وانواعه ثقافة تسيطر على عقول الشباب نتيجة هذا الواقع المرير الذي يحيياه شباب غزة حتى بات الانتحار ظاهرة لا يمكن استمرار الصمت حيالها.

ففي الامس القريب فقط سجل القطاع أربع حالات انتحار ،عدا عن عشرات الحالات السابقة فلا يكاد يمر يوم الا ونسمع عن حالة انتحار ،بالتالي ،وفي ظل تزايد حالات الانتحار وحتى المحاولات ،وبالتلازم أيضا مع سوء الحالة الفلسطينية على كافة الأصعدة والمستويات بات هذا الأمر مقلقاً يتوجب على الجميع الوقوف على أسبابه، سواء كان ذلك من المستوى الحكومي ،وحتى مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الانسان ،وذلك لوضع البرامج والاستراتيجيات امام صناع القرار لما في ذلك من انعكاسات ،ليس على المواطن فقط ،وانما حتى على قيم واخلاق المجتمع وامنه الوطني .

i. الهدف من الورقة:

إذا ما نظرنا الى طبيعة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية في القطاع نجد ان هناك تحديات كبيرة وقائمة امام مستقبل الشباب الفلسطيني، عدا عن الانقسام والتجاذبات السياسية والتي جعلت جميعها موضوع الشباب موضوعا ثانوياً امام هذه التحديات، على الرغم من أن الشباب وبلا شك هم عنوان النضال في كل المجالات.

لذلك ستحاول هذه الورقة تحليل السياسات والدور الذي يقوم به المجتمع تجاه هذه القضية (انتحار الشباب) ودراسة أسباب استمرار الظاهرة وتقترح الورقة سياسات عملية تسهم في استثمار طاقات الشباب ودفعهم في مواجهة التحديات التي تواجههم وهذا هو الهدف من هذه الورقة وهي اقتراح آليات وسياسات تعالج مشكلة انتحار الشباب في غزة، مع تقديم مقترحات وبعضاً من الخيارات المتاحة لمؤسسات المجتمع ولصناع القرار لمعالجة تلك الأزمة والتخفيف من أثارها.

ii. توصيف المشكلة (واقع الانتحار في قطاع غزة):

امام الواقع الصعب الذي يعيشه الشباب في قطاع غزة ،ليس فقط نتيجة للحصار الإسرائيلي المفروض على قطاع غزة وانما بفعل الانقسام السياسي أيضا الذي قارب على أربعة عشر عاما والذي أدى الى العجز عن مواجهة الواقع والاحتياجات المختلفة، تراكم الديون والضرائب وفقدان الأمان والأمل بمستقبل المشروع الوطني عدا عن فرض العقوبات الجماعية على المواطنين والموظفين العموميين الذي ساهم في تدهور الأوضاع الاقتصادية، انتشار الفئة العمالية الغير منتظمة بشكل واسع في القطاع في ظل ضعف استحداث فرص عمل جديدة في سوق العمل المنتظم فان الشباب الفلسطيني اتجهوا نحو العزلة نتيجة الاحساس بالعجز والوصول لحالة من الاكتئاب والياس من الحياة حتى انهم اصبحوا ينظرون للانتحار بانها وسيلة للخروج من المأزق والأزمات التي يعيشونها فكان الاقدام منهم على الانتحار هي إشارة استغاثة لعلها تصل لمن يهمه الأمر

• أرقام واحصائيات:

 تبلغ نسبة الشباب في فلسطين حوالي 1.1 مليون شاب وشابة.

 74% من سكان غزة في حالة انعدام امن غذائي.

 بلغت سبة الفقر في قطاع غزة85%.

 أكثر من نصف الخريجين الشباب عاطلون عن العمل.

 بلغ عدد العاطلين عن العمل في الربع الرابع من 2019، بواقع 208,200 شخص في قطاع غزة و121,400 شخص في الضفة الغربية، وما يزال التفاوت كبيراً في معدل البطالة بين الضفة الغربية وقطاع غزة، حيث بلغ المعدل 43٪ في قطاع غزة مقارنة بـ 14٪ في الضفة الغربية، أما على مستوى الجنس فقد بلغ معدل البطالة للإناث 38% مقابل 21٪ للذكور في فلسطين.

 عدد العمال المتعطلين عن العمل في غزة وصل نحو 350 ألفا بسبب الإجراءات الوقائية التي اتخذتها الجهات الرسمية لمواجهة كورونا

 حسب بيانات التعداد العام للسكان والمساكن والمنشآت بلغت نسبة الأسر التي يرأسها الشباب 15%.

 أكثر من 210الف مواطن في غزة يعيش اضطرابات نفسية ما بين وخيمة او متوسطة.

 أظهرت الاحصائيات التحليلية الصادرة عن إدارة البحوث والتخطيط في الشرطة أن عدد حالات الانتحار من فئة غير المتزوجين من كلا الجنسين بنسبة 67%.

 أعلى نسبة لمن أقدموا على الانتحار جاءت ضمن فئات عمرية ما بين (18-25) سنة وشكلت حوالي 32%.

 بلغ عدد حالات الانتحار التام في القطاع عام 2019 حوالي 22 مقابل 20 حالة في عام 2018 ينما بلغت عدد حالات محاولة الانتحار الى 133 حالة، بالتالي حالات الانتحار بازدياد ملحوظ.

 حسب تقرير من إدارة حماية الأسرة والأحداث التي عملت على تسجيل حالات الانتحار بلغت نسبة الانتحار لأسباب نفسية 40% لتحتل المركز الأول.

 تحتل الخلافات العائلية المستوى الثاني لأسباب الانتحار والتي جاءت بنسبة 32%.

 تحتل الأسباب الاقتصادية والمادية المركز الثالث بنسبة 12%.

 شكلت الأسباب العاطفية كسبب للانتحار ما بنسبة 4%.

 شكل الابتزاز نسبة 4% كدافع للانتحار.

iii. الدوافع والأسباب:

تتعدد دوافع الانتحار ومسبباته ويمكن اجمال أهم الأسباب في قطاع غزة بالتالي:

• أسباب سياسية:

 الانقسام الفلسطيني: يعيش القطاع نتيجة الانقسام ظروفاً اقتصادية واجتماعية صعبة تبعها تفكك مجتمعي، كل ذلك أثر بشكل سلبي على حياة الشباب وانعكس سلبا على وضع الشباب وتسبب في فقدان الأمل لديهم والشعور باليأس من الحياة مما دفعهم للتفكير بالانتحار.

 الحصار الإسرائيلي: ففي نفس السياق أدى الحصار المفروض على القطاع الى اغلاق العديد من مؤسسات القطاع الخاص وتسريح العاملين لعدم القدرة على إعطاء الأجور للركود الاقتصادي، عدا عن وقف المساعدات المقدمة للقطاع ونقص كبير في تمويل المشاريع.

• أسباب اجتماعية واقتصادية:

 نتيجة الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها المجتمع الفلسطيني، والشباب على وجه الخصوص ،ونتيجة أيضا لانعدام ادني مقومات الحياة ومنها انعدام الامن المعيشي والنفسي وانتشار البطالة والفقر والمشاكل الأسرية بمختلف الأسباب وبسبب قلة فرص العمل، التي باتت من أهم أولويات الشباب لضمان توفير الاحتياجات الضرورية والحياتية للعيش بكرامة، فان اعدادا كبيرة من الشباب اتجهوا نحو الهجرة رغم ما تحمله هذه الهجرة في طياتها من اخطار ،اما للبحث عن حياة افضل في ظل انعدام الفرص امامهم نتيجة ما يعيشه المجتمع أيضا من تعيينات بالوظائف او دراسة برسوم ميسرة على قاعدة الاعتبارات الحزبية، والواسطة، والمحسوبية، بعيداً عن مبدأ تكافؤ الفرص والعدالة ،واما من اجل الدراسة بفعل التكاليف الباهظة في المؤسسات التعليمية الفلسطينية.

• أسباب نفسية:

يأتي سبب الإصابة بمرض نفسي وعدم سعي ذوي الأشخاص المصابين بهذه الأمراض لعلاجهم، في مقدمة أسباب الانتحار إلى جانب اعتبار زيارة الطبيب النفسي وصمة اجتماعية في أوساط المتعلمين أكثر من غيرهم، إذ يكابرون أمام تعرضهم للصدمات النفسية كم لعب عدم القدرة على تعبير الشباب عن أنفسهم والاحتجاج على الأوضاع الراهنة اذ انها تقابل بالقمع ومن امثلتها حراك بدنا نعيش الذي قمعته قوى امن حماس في القطاع دور كبير في الانتحار ليتحول شعار الشباب من بدنا نعيش الى بدنا نموت بعد فقد سبل التعبير عن النفس.

ففي الوقت الذي يجب أن يكون فيه هذا العمر عمر الإنجاز وتحقيق الذات الا ان الشباب بعد سنوات ضاقت بهم انفسهم حتى بلغت الروح الحلقوم أصبح القطاع يعاني من الاكتئاب الى جانب الامراض النفسية الناجمة عن الحصار والحروب فبحسب قول رئيسة وحدة الصحة النفسية في وزارة الصحة الفلسطينية سماح جبر تزيد الخطورة عندما يشعر الإنسان باليأس وأن حياته لا هدف منها ولا معنى لها، وعندما يكون هناك فقدان للاستبصار واختلال الصلة بالواقع كأن الشخص يعاني من ضلالات وأنه ملاحق أو مضطهد على سبيل المثال، أو يعاني من هلوسات سمعية تهدده وتسخر منه، أو تكون لديه مشكلة استخدام الكحول والمخدرات.

• غياب الإعلام:

 غياب المعالجة الإعلامية لجرائم الانتحار وعدم إيجاد راي عام ضاغط لمواجهتها كظاهرة.

 التغطية الإعلامية لجرائم الانتحار استندت في معظمها الى سياسة الوسائل الإعلامية وتأثير المالك والمشرف علي على هذه الوسائل وخاصة ما يتعلق منها بالوسائل الإعلامية الحزبية ،حيث تعاملت بعض هذه الوسائل مع هذه الجرائم من حيث التغطية بسياسة المكيال بمعيارين ، ففي الوقت الذي اتجهت هذه الوسائل الإعلامية بتصوير انتحار المواطن التونسي "البوعزيزي" على انها حالة غضب على ما يواجهه المجتمع التونسي من مشكلات ، فان بعض الوسائل كانت قد تناولت انتحار شباب غزة على انها جرائم محرمة دينيا ووطنيا وكانه لا أسباب لها او دوافع .

 غياب الاعلام عن الدفع بالشباب نحو تحقيق مستقبله وضرورة القيام بما يحقق اماله وفي غالب الأحيان يلجا هذا الاعلام في ظل الانقسام الى التركيز على الجوانب السلبية للشباب الذين لا يوالون مالكي هذه الوسائل الإعلامية او لا يتفقون مع رؤيتها وتوجهاتها الحزبية.

iv. السياسة السائدة لحل هذه المشكلة:

• على الرغم من خطورة المشهد الذي يكشف القهر الذي يعيشه شباب غزة وفي ظل استمرار حالات الانتحار الا أنه وللأسف لا يوجد أي استراتيجية وطنية تلامس ارض الواقع لحل المشكلة ولا يمكن تحقيق هذه الاستراتيجية في ظل الانقسام وعدم تحقيق الوحدة، لان غياب هذه الوحدة وعدم تحقيقها هو ما أدى الى انعدام مقومات الحياة وهو ما أدى أيضا الى غياب الامن الوطني بكافة مستوياته وخاصة ما يتعلق منه بالأمن المعيشي والنفسي.

• السلوك غير معالج بقوة القانون فهو يتعامل فقط مع النتيجة دون النظر للأسباب والعوامل رغم ادراكه التام بخطورة الجريمة باعتبارها مساس بالحق المقدس وهو الحياة، فقانون العقوبات المطبق وحتى منظومة القوانين الاخرى لم تتناول اية تدابير وإجراءات لاحقة لمحاولة الانتحار من شأنها التصدي لهذه المشكلة.

• تعمد النيابة العامة في القطاع لعدم تحريك الدعاوي الجنائية الناجمة عن الانتحار وعدم وجود التكامل ما بين الامن والاعلام لمحاربة الجريمة او نشر الوعي لدى أوساط الشباب من اخطارها.

• الى الأن لا برامج وطنية سياسية واجرائية فعالة للاهتمام بالشباب وتأهيل أدائهم، ولا برامج أيضا تسهم في تعزيز حق الشباب في الحياة والحماية والعمل والمشاركة السياسية ايضا.

v. البدائل السياسية المتاحة امام صناع القرار:

1- سرعة انجاز ملف المصالحة وانهاء الانقسام على أسس الشراكة الوطنية، كخطوة أولى لمعالجة أي ازمة ومنها الانتحار وتداعياته وآثاره الكارثية على كافة القطاعات المجتمعية.

2- العمل على تعديل القوانين العقابية بإضافة تدابير وإجراءات لمحاولي الانتحار ومتابعة الحالات من قبل النيابة بجدية ومعاقبة محاولي الانتحار ومحرضيهم بالعقوبة المقررة بالقانون.

3- وضع استراتيجية عامة وقائية للمستقبل تشمل هذه الاستراتيجية مجموعة من الأساليب الوقائية:

 انشاء مراكز وقائية من الانتحار توفر خدمات عاجلة وتدخل لكل من لديه أعراض اكتئاب أو غيرها من الاعراض التي قد تدفعه للتفكير في الانتحار.

 تدريب العاملين الصحيين بالتعامل مع الاضطرابات النفسية في اقسام الطوارئ وكذلك الشرطة في التعامل مع محاولات الانتحار.

 الزيارات المنزلية من الجهات المعنية في مراحل الطفولة كما الدول الأجنبية لرصد أي حالات عنف وابتزاز وتمييز وتعذيب قد تساهم بتطورها فبما بعد الى الانتحار

 الاهتمام المباشر بالفئات الأكثر قابلية للتأثر بالانتحار مثل الأشخاص الذين سبق لهم أن عانوا من الصدمات النفسية أو الانتهاكات، وأولئك الذين سبق لهم وان جربوا الانتحار من خلال تدريب اشخاص خصيصاً يساعدون أشخاصاً قابلين للانتحار وتقديم خدمات المساندة لهم.

 وضع مبادئ توجيهية لوسائل الاعلام لتسليط الضوء على دور الشباب النضالي وعدم اظهار حالات الانتحار بشكل ترويجي، وملامسة هموم المواطنين ومساعدة الأسر في حل مشكلاتها من خلال حملات وبرامج إعلامية تستمع لشكاوى الشباب بعيدا عن التسييس الإعلامي.

 رفع الوعي العام بمخاطر الانتحار مسؤولية جميع القطاعات وليس الصحة فقط من خلال المدارس والمساجد والتأكيد على أهمية ودور الطبيب النفسي.

4- تعزيز الرعاية الاجتماعية والصحية والاقتصادية والثقافية للشباب والعاطلين عن العمل، وزرع الامل والصمود في نفوسهم من خلال إعادة توجيه التمويل بما يخدم الشباب وواقعهم من خلال توجيه العلاقات بين مؤسسات المجتمع المدني ومع المانحين خارجاً بما يوفر منحاً مالية من شأنها دعم مشاريع وبرامج للشباب وتوجيه واستثمار طاقات الشباب الفلسطيني بما يخدم الوضع الفلسطيني.

5- توعية الشباب والمجتمع بمخاطر الانتحار وبدورهم في بناء المجتمع من خلال تنظيم لقاءات ودورات ومبادرات شبابية تعرفهم على حقوقهم من قبل المجتمع المدني وكيفية المطالبة بها بما يدفعهم للانخراط بشكل واع في المجتمع.

vi. الخاتمة:

في ظل تزايد حالات الانتحار وبلوغها الى مستوى الظاهرة التي لا يمكن الصمت حيالها نتيجة انعدام ادنى مقومات الحياة في غزة بفعل الحصار والانقسام ،وفي ظل انعكاسات هذه الظاهرة على الامن الوطني والإنساني ،فانه لا بد من تشكيل راي عام ضاغط على صناع القرار واطراف الانقسام من اجل انهاء هذا الانقسام وانهاء كافة انعكاساته ومنها جرائم الانتحار التي باتت مدن غزة وقراها ومخيماتها تعيشها كواقع وتخاف منها كافاق وذلك من اجل الاتجاه نحو تحقيق الاستراتيجيات والبرامج لحماية المجتمع من الانحدار ،ولحماية شبابنا أيضا الذين هم عماد المستقبل من الاتجاه نحو الانتحار ،وهنا لا بد من الإشارة أيضا الى ما يمكن ان تلعبه مؤسسات المجتمع المدني وحقوق الانسان من دور بارز في تحقيق الراي العام الضاغط ،بالإضافة الى ما يمكن ان تقوم به أيضا من أدوار هامة ،ليس في تأهيل هؤلاء الشباب وتنمية روح المشاركة في اوساطهم فقط ،وانما في المساهمة أيضا في اخد دورهم الريادي في بناء المجتمع وقيادته ،وكيف لا والشباب دوما وفي أي مجتمع هم أداة التغير واداة البناء.