قضية المرأة أم سعد

تابعنا على:   20:11 2020-07-02

ناصر شبات

أمد/ أم سعد هي أم لولدين، الأكبر سعد، والأصغر سعيد كانت تساهم بمد الثورة المتوقدة ( هذه المرأة تلد الأولاد فبصيروا فدائيين وهي تخلف وفلسطين تأخذ) ..
أم سعد شخصية ثورية فمنذ البدء كان أول ما فعلته بعد الهزيمة أن حملت عرقاً يابساً قطعته من دالية صادفتها في الطريق وأخذته إلى بيت غسان وقالت بأنها ستزرعه أمام البيت وأنه حتماً سوف يثمر عنباً بعد أعوام قليلة وتحقق حسها المستقبلي بأن أنبت ذلك الغصن وتدرك أم سعد بالرغم من عفويتها بأن العود اليابس لن يبقى يابساً، وإن الهزيمة لن تبقى هزيمة، فمن رحم الهزيمة سيولد النصر ويكبر، والمستفاد من تلك الدروس التسعة هو أن أي انكسار يمكن أن يتبعه نهوض لو أن الناس أرادت واختارت وفعلت ، وفرع دالية حتى وإن بدا عرقها خشبياً جافاً يزرع في التربة الصحيحة ولو لحظة انكسار، لابد أن ينمو هذا ما كانت تعرفه أم سعد وكان على الراوي أن يتعلمه منها) .. ويقول غسان يصف لنا حادثة عرق الدالية وسميت من فتحتها عرقاً يابساً ورمته نحوي، قطعته من دالية صادفتني في الطريق سأزرعه لك على الباب وفي أعوام قليلة تأكل عنباً قد لا تعرف شيئاً عن الدالية، ولكنها شجرة عطارة، لا تحتاج إلى كثير من الماء، الماء الكثير يفسدها، أنا أقول لك، إنها تأخذ ماءها من رطوبة التراب ورطوبة الهواء ثم تعطي بدون حساب).
كمثل أم سعد نموذجها للأم والمرأة الفلسطينية التي ترفض التعامل مع رموز الخيانة والعمالة والتطبيع والتي تمثلت بالمختار وتفضل أن يبقى ولدها سعد بالسجن على أن تذهب للتوسط عند قوات الاحتلال للإفراج عنه عن طريق المختار حيث تقول : إن الحبس أفضل من ذلك حيث تقول لغسان(ألم أقل لك أن لا تفكر في المختار ؟ أتعرف ماذا حدث ؟ ذهب وأراد أن يأخذ من كل واحد منهم توقيعاً على ورقة يتعهدون فيها يكبلوا فيها أولادهم ولكنهم رفضوا وطردوه).
كانت أم سعد تمثل نموذجاً للأم الكادحة والتي تعي بشكل عفوي أن الثورة هي حياتها وأنها رمز لتخليصها من كل أنواع العفن والذل لذا يجب على الجميع أن يشارك بشكل مباشر في الثورة وعدم البخل عليها حتى لو طلب الأمر أن يرسل الشخص أغلى ما يملك كما فعلت أم سعد عندما أرسلت ابنها (قلت لجاري هذا الصباح ، أود لو عندي مثله عشرة ، أنا صفية يا ابن عمي ، اهترأ عمري في ذلك المخيم ، كل مساء أقول يا رب ، كل صباح أقول يا رب، وها قد مرت عشرون سنه ، وإذا لم يذهب سعد فمن سيذهب).
وتستطيع أم سعد أن تعلم الراوي بأن هناك فرقاً بين ضحية وأخرى حيث تقول : بأن ضحية عن ضحية بتفرق، وتصل إلى حقيقته لا يختلف عليها اثنان بأن خيمة اللجوء والبؤس والتشرد تختلف عن ضحيته الثورة التي هي الكفيل الوحيد لإيصال الحق لأهله وتصف ذلك الدكتورة (رضوى عاشور) حيث تقول لا إن كلمة أم سعد العظيمة (خيمة عن خيمة بتفرق) فهي تكشف عن وعي عظيم بالفرق بين خيمة اللاجئ وخيمة الثوري بين خيمة الجحيم الفلسطيني وخيام الخلاص إنها تعرف بوعيها المتقدم أن خيمة المنفي حبس أما خيمة الفدائي فهي اختياره الحر لطريق مستقبله.
تستعيد أم سعد ذكريات ثورة 36 حين يأتيها طلب من والدها أن تذهب إلى أهل رفيقه ليث لتخبرهم بأنه قتل وأن لا يتوسطوا أحداً في أمره وتذكرت كيف صعد الرجال إلى الجبل وفضلوا القتال حتى دميت أقدامهم وحين نزلوا إلى بيوتهم بناءً على وعود من الملوك والوزراء العرب.
عملت إحدى القرى احتفالاً للرجال وبادر عبد المولى الذي لم يشارك في القتال ويمثل الطبقة الانتهازية التي تستغل نضال الطبقات المسحوقة وتجيرها لمصلحتها، فصعد إلى الطاولة وخطب خطبة حماسية وتريد أم سعد أن تعلمنا درساً بأن الثوار يجب أن لا يصدقوا كلام الملوك والزعماء حيث تقول : ( تذكرت فضل على الفور، أنت لا تستطيع أن تتذكر عبد المولى مفصولاً عن فضل، قلت: إن عبد المولى قتل فضل، ليس تماماً يعني أنه لم يحمل باروردة ويطخه، كيف إذن؟... ثم أخذ الناس يصفقون ونظرنا إلى الأمام فرأينا عبد المولى يصعد إلى الطاولة ويبدأ بالحكاية وهات يا تصفيق ... الصحيح يا ابن العم أن هذا كل شيء أعرفه عن فضل/ وماذا كان يقول؟ سمعته يقول: أنا الذي تمزقت قدماه، وهذا الذي تصفقون له)...
كانت تعمل في تنظيف أدراج البنايات ثلاث مرات أسبوعياً مقابل خمس ليرات وكانت تعيل أبناءها وتربط أم سعد مصيرها بمصير غيرها من (المشحدين) فهي كانت مستغلة مضطهدة، واللبنانية التي تعيش أوضاعها وترسم لنا أم سعد لوحة رائعة بأن ترفض أن تعمل مكان المرأة اللبنانية وترفض المس بمثيلتها اللبنانية مقابل بضعة ليرات وترسم لنا أم سعد صبغة إيثارية متعاطفة مع مثيلتها من الطبقة المسحوقة ، وهذا دليل على الشعور القومي بغيرها من العرب حيث يصف لنا غسان ذلك الحادث، فيقول :- (كلما أتذكر تلك القصة يهتز بدني كله وأكاد أبكي إنني أصاب بالارتجاف حين أرى ذلك الناطور يتعقبني من قرية إلى أخرى، يريدون ضربنا ببعضنا، نحن المشحدين كي يربحوا ليرتين ... تلك العمارة الكبيرة تسوى أكثر من ألف ليرة، أكثر بكثير).
هذا الجو الذي تعمل من خلاله ام سعد يؤثر على البيئة التي تحيط بها فيرى أبا سعد أن يكف عن الشجار، والفظاظة التي يتعامل بها مع زوجته ويفرح حين يرى ابنه الصغير سعيد يتدرب وسط حلقة تدريب بين أشبال المخيم، فالفقير أثر على تلك الأجواء، وساهم في تغيير نفسيات الكثير من أبناء المخيم الذي تعيش به أم سعد حيث يقول غسان على لسان أم سعد : (الفقر! يا ابن العم الفقر! الفقر يجعل الملاك شيطاناً، ويجعل الشيطان ملاكاً، ما كان بوسع أبو سعد أن يفعل غير أن يترك خلقه يطلع، ويفشه بالناس، وبي وبخياله، كان أبو سعد مدعوساً مدعوساً بالفقر، ومدعوساً بالمقاهرة، ومدعوساً بكرت الإغاثة، ومدعوساً تحت سقف الزينكو، ومدعوساً تحت بسطار الدولة، ذهاب سعد رد له شيئاً من روحه وتحسن يومها قليلاً، وحين رأى سعيدا تحسن أكثر، أكثر ، بكثير).
أم سعد كما تبدو في الإهداء وفي الرواية هي (الشعب والمدرسة) فبقدر ما هي امرأة فلسطينية بالذات تعيش في مخيم بعينه بقدر ما تمثل أيضاً الأم والمرأة الفلسطينية المعدمة عموماً في المنفى وفي داخل الوطن الحبيب.
ونجد فيحاء عبد الهادي تقول : (ام سعد تشكل ضمير الراوي الذي يقف مقابلة، يؤلمه بحقائق ينساها حينا ويتناساها حيناً أخر).
والانكى من ذلك أنها تستند لمقولة جاءت على لسان أم سعد حيث تقول فيها : (أنت تكتب رأيك، أنا لا أعرف الكتابة، ولكني أرسلت ابني إلى هناك قلت بذلك ما تقوله أنت أليس كذلك).
فهل تعتقد الكاتبة أن المرأة الحقيقية التي تحدثه بما استندت إليه هي لن تكون امرأة وأم حقيقية؟ وهي ليست إلا حواراً مع الضمير يتصل فيها غسان بين ذاته مرة وبين ضميره مرة، وبين لسان شخصيته مرة أخرى وأرى أن هذا الرأي لكاتبه يخالف ما قاله غسان في مقدمة رواياته وما ورد على لسان زوجته أني (بأن أم سعد هي صديقة لغسان وهي امرأة وأم حقيقية التقطها غسان من واقعه الفلسطيني.
ويستمر كنفاني بعرض الصور الجميلة لأم سعد فنجده يستخدم الطلقة الفارغة كحلية حول رقبة أم سعد وهو في ذلك يرمي إلى شيء وهو أن المرأة الفلسطينية التي تعيش في المخيم لا تتزين بالذهب لأنها لا تملكه وهي في ذلك تفتخر وترمز إلى تلك الطلقة بحيث تتزين بها لأنها رمز ثورتها وهذا دليل على دخول الأفكار المتقدمة الجديدة التي بدأت تدخل على الثورة الفلسطينية,
فإذا انتقلنا إلى ما تقوله الدكتورة رضوى عاشور : ((إن أم سعد ثوريتها تظل صورة للمرأة الأم وعطاؤها العظيم يعطيها مكانة كأم ثورية أكثر منها كثورية في ذاتها وبذاتها فيظل دورها هنا حتى في الثورة دور المساعد وليس دور الفاعل الأساسي".
واختلف مع هذا الرأي بحيث أن أم سعد اشتركت بمد الثورة بالقوت الأساسي لها وهو العنصر البشري وليس صائباً أن تشترك امرأة عجوز كأم سعد لحمل السلاح ومشاركة الفدائي في معركته على أرض المعركة ولكننا لمسنا مشاركتها الثورية في الصور التسع التي رسمها لنا غسان في روايته ويصور لنا غسان كيف استطاعت أم سعد أن تشارك في النضال مع الثوار وتمدهم بالطعام لكي تستمر الثورة وتحقق أهدافها ومشاركتها هذه كانت حاسمة بحيث أن المقاتلين الفلسطينيين كانوا أمام خيارين : إما أن يظلوا كامنين، أو يتركوا أحدهم يتسلل إلى القرية لكن مجيء أم سعد حسم الأمر بحيث قال غسان : "وصارت المرأة بمحاذاة مكمنهم. وباتوا يسمعون حفيف ثوبها الطويل، المطرز بالخيوط الحمراء، ونظر إليها سعد من خلال أشجار العليق التي تسد مكمنه وفجأة ناداها يمه، يمه" .
في مقدمة رواية أم سعد الصادرة عن دار الأسوار قال الناشر : "أنها الشخصية الضائعة في رواياته السابقة، المضمر الذي يختفي خلف السطور، ويتداخل في الشخصيات، ولا يعلن نفسه إلا حين يتكامل في الواقع التاريخي وأم سعد هي الممكنة دائما والتي لا تقبض على اللغة إلا حين تقبض على التاريخ؟ أم سعد بهذا المعنى النموذج، ونقيضه، البطل الواقعي والرؤيا المتحولة، أي أنها محاولة كنفاني الأكثر اكتمالاً للتعبير عن اللحظة الثورية في توهجها".
يقول انطون شلحت : "هكذا تشكل أم سعد أخط وثيقة فنية تحمل صورة تلك الطفرة التي نقلت الشعب الفلسطيني من دائرة الذل والخنوع والنكسات المتتالية إلى دنيا الثورة والتمرد والإرادة المخلصة في بناء مستقبل جديد مشرق للأمة وإعادة الاعتبار للذات الفلسطينية الممزقة" .
ونرى انه من الواجب علينا ونحن نتحدث عن أم سعد كأم فلسطينية ثائرة ان نعقد مقارنة سريعة بين صورة أخرى تشبه أم سعد إلى حد بعيد وهذه الصورة هي صورة المرأة "بيلاجيا فلاسوفا" والدة (بافل) في مسرحية "برشولت برشت" المأخوذة عن رواية مكسيم غوركي الأم فالأم في هذه الرواية تشابه أم سعد التي تسعى للوصول إلى هدفها فهي امرأة تنجب أبناء وتزج بها مع معان وساحة النضال لتحقق الهدف التي تسعى للوصول إليه الثورة وكذلك تساهم هذه المرأة في النضال إلى جانب ابناؤها ، 

هذه بعض النساء اللاتي أعجب بهن ، وتأثر بهن ، وعند قراءة الروايات المتصلة بهن نلمس مدى تأثيرهن في حياته وتكوينه كإنسان وأديب ومناضل.
الأم في روايات غسان كنفاني
لقد تطرق كثير من الكتاب إلى العنصر النسوي في روايات كنفاني فمنهم من قال بأن (غسان كان مسجلاً حياً ومنبراً استطاعت المرأة من خلال صفحاته التعبير عن مكنوناتها ومكوناتها.) ومن هؤلاء الدكتورة "ناديه باربرا" وهي أمريكية الجنسية وتحمل رسالة دكتوراه في الآداب المقارن حيث تقول : "أعطى غسان المرأة موقعاً متقدماً من منطلق إيمانه بالمساواة وعدم التمييز التقليدي بين الرجل والمرأة على اعتبار أن الأول صاحب الأمر والنهي وصاحب الإمكانات والفرص، والمرأة مجرد جسم تكميلي، وعندما تعرض غسان لموضوع المرأة من فهم تقدمي على خلاف الأعمال العربية التقليدية التي تحسن التعامل مع قضية المرأة.
هذا حسب فهمه ومبدأه الاشتراكي ولكن الإسلام أعطى المرأة حقوقها منذ خمسة عشر قرناً من الزمن تقريباً.
ومنهم من قال بأن غسان (لم يعط للمرأة حقها)، حيث تطرقت لذلك الدكتورة رضوى عاشور في حين هناك الكثير من الشهادات التي تؤكد وتجزم في ان غسان اعطى المرأة موقعا متقدما في المعركة التي يخوضها الشعب الفلسطيني ، وهكذا وجدنا هذا الأديب الفارس يقدم لنا هذا النموذج العظيم ومميز للأم المرأة الفلسطينية والتي انطلقت من مخيمات البؤس والتشريد لتكون عاملاً نشيطاً في حركة الثورة الفلسطينية تقدم وتعطي بلا حدود، وتشارك في صياغة هذا العمل الثوري التي يكون ثمنه اما الحرية او الشهادة ... يتبع

اخر الأخبار