الحرم القدسي والصـراع المقـدس

تابعنا على:   09:29 2013-11-04

د.جهاد البطش

قبل أكثر من مائة عام، احتار ثيودور هرتسل أن يجد مبرراً وجدانياً لعودة اليهود إلى فلسطين إلا بالحديث عن الذكريات الدينية لهم فيها، لم يكن يحلم حتى بذكر ما يسميه أتراب الحريديم المتدينين بجبل الهيكل، ذلك المكان (المسجد الأقصى) الذي طالما تحدث عنه الرسول صلى الله عليه وسلم لأصحابه في دار الأرقم بن الأرقم ولازالت الدعوة سراً.
طويلة هي قصة محاولات اليهود صُنع تاريخ مزيف في هذا المكان وغريب أمر القوم، لكن العجيب في ذلك أن أسمع وسائل الإعلام الفلسطيني وبالطبع العربية وهي تساعد (معاذ الله أن يكون بنية بل عفوياً) في تطبيع الأمر الواقع، هذه السياسة طالما اعتاد عليها الصهاينة بالكذب، فقبل سنوات اتصلتُ على إحدى الإذاعات وقدمتُ احتجاجاً على المذيع عندما كان يذكر أخبار اشتباكات بين الفلسطينيين وقوات الاحتلال على مشارف مسجد بلال بن رباح في بيت لحم، لكنه لم يذكر هذا الاسم بل ذكر: "قرب قبة راحيل"، وتارة أخرى وإن شئت افتح صفحات المواقع الإخبارية الفلسطينية لتجد أنهم يصروا أنه قبر يوسف، ذلك المكان الواقع قرب مخيم بلاطة والذي لا يزيد على أنه مقام لأحد الأولياء الصالحين ويدعى يوسف وفي نفس الوقت يتناول الخبر صحفي إسرائيلي بـ "ما يسميه العرب بمقام يوسف".
جولات وصولات حاول اليهود فيها الوصول إلى ما يسمونه هم بجبل الهيكل، تارة بالسياحة وتارة بالسياسة وتارة بالدين ولكن ما هو محسوم هو أن القوة هي خير من يساند كل ما سبق.
لقد عرف الساسة في إسرائيل أن أقرب الطرق للوصول إلى بطاقة الناخب هي العزف على أوتار السيطرة على جبل الهيكل، وقد استفاد فعلاً ذلك العديد من أعضاء الكنيست اللذين فازوا في يناير الماضي بعضويتها، واليوم يدفعون وعودهم بطرح مبادرات ومبادرات لحل مشكلة مختلفة ليس لها أصل ولا فصل لا بالتاريخ ولا بالحاضر... ولا بالسياسة أو بالأخلاق، وجميعها تتحدث عن سيطرة اليهود على المسجد الأقصى بمقاييس ونسب من المؤكد أن الصف الأول يتمنى في هدوئه ذلك، كما يتمنى الساسة الفلسطينيين السيطرة على حيفا وعكا وأم الرشراش لكن أي من طرفي الساسة لا يستطيع الجهر بذلك، فالأمر يعيق مشاريع بدأوها دون معرفة شعوبهم كالمفاوضات وما ستئول إليه، فحتى كيري أو بندك لا يعرفوا إلى أين ستصل المفاوضات لكن ما هو مؤكد أنها ستصل على فوهة الزجاجة لتصطدم بعقدة لن يستطع أحد الخروج منها وهي المسجد الأقصى، فياسر عرفات لم يرد أن يكرر تجربة السلطان الأيوبي الكامل عندما سلم القدس لشاعر الحملة الصليبية الخامسة أو ما سماها العرب بجملة الدبلوماسية، فهل من المعقول أن أبا مازن سيكرر ذلك؟؟؟ إنني أشك في ذلك.
لقد كان على الرئيس عرفات أن يتذكر هبّة الفلسطينيين على الأقل في فترة تزعمه كهبّة عام 1969م وعام 1982م و عام 1990م وعام 1996م وعام 2000م، إن لم يكن هو بنفسه متهماً لدى أوساط غربية أن شعاره على القدس رايحين ولو بملايين الشهداء كان سبباً في اشتعال هذه الهبّات.
كل ذلك لم يجعل اليهود يقفوا عند هذا الحد أو التسليم بما ستنتج عنه الحفريات التي تكلف الملايين، ولم تقنع أحداً إلى اليوم بأي دليل أنجزته يثبت أن المعبد (الهيكل) كان موجود في هذه المنطقة، ولذلك حاول الكثير من الصف الثاني في طليعة الساسة الإسرائيليين دخول ساحات الحرم والصلاة فيها ولا ننكر كم يكلف هذا الأمر من جهود أمنية مضنية أنا متأكد أن قادة الشرطة قد سئموها وليس لأنهم عشقوا الفلسطينيين، بل لأنهم يعرفوا أن هناك دوافع وبواعث شخصية لهؤلاء المصلين الذين يسهرون على كل ما هو بعيد حتى عن شريعة موسى التي يزعمونها أحبارهم الحاليين، وفي النهار يتوجهون لهذه الصلاة بالحرم.
لم يؤمن أي إسرائيلي أن الوصول إلى الحرم للصلاة فيه مُزين بالأمان، لا بل محفوف بالمخاطر حتى لو كان هذا الإسرائيلي يعرف أن حكومته تملك مفاعل ديمونا النووي وطائرات الفانتوم بنسختها السادسة عشر.
إن أولئك الذين حفروا ترعة الماء قبل ثلاثة آلاف ومائتين عام ليصطادوا يوم السبت ويدّعون أمام الرب أنه سمك الجمعة يجعلهم يصدقون وكما رأيت بأم عيني قبل عيد الأضحى بأيام كيف أن هؤلاء اليهود لكي يضللوا المسلمين بأنهم لا يصلون يقومون بالتمويه أنهم يتكلمون عبر الموبايل في الوقت الذي هم يكونوا بحكم دخول حرم الصلاة وكيف أنهم يتذرعون بربط رباط الحذاء لإيهام المسلمين وحتى الشرطة (كما يدعون) بأنهم لا يصلون والحقيقة هي العكس، فهل خالق هذا الكون كله يمكن أن يُمكر به؟ هذا مستحيل تماماً.
هل فكر أحد لماذا دعت عضو الكنيسيت عليزا لافي من حزب (يوجه مستقيل) إلى ترميم مطهرة قديمة قريبة من سور الحرم لتكون للنساء اليهوديات وفي نفس اليوم رأيت ضابط من حرس الحدود منع أطفال المسلمين من لعب كرة القدم حينما كانوا ينتظروا أبائهم من الانتهاء من الصلاة، في الوقت الذي صمّت سرية الشرطة آذانها عن صوت مجموعة من اليهود كان ينشدوا النشيد الوطني الصهيوني على بعد أمتار من مسجد عمر، لولا تكبيرات الله أكبر ولله الحمد التي صدعت من حناجر عشرات المسلمين.
إن رجال الساسة في إسرائيل يعرفون أن يهودا غليك وهو من رؤساء اتحاد حركات الهيكل والذي يتزعم دائماً توحيد كل جهود كل الجهات التي تسعى للسيطرة على الحرم، ورغم ذلك فهم يتقربون إليه والكثيرون من الوزراء يتمنى رضاه، وهو من معدي أوراق المشروع الذي سيتم مناقشته هذا الأسبوع في لجنة الداخلية في الكنيست والذي سيقدمه نائب وزير الأديان إيلي بن دهان وهو عضو كنيست بالطبع ويقضي المشروع بتمكين اليهود من الصلاة في باحات الحرم ويتذرع بأن قرارات محكمة العدل العليا لم تمنع يوماً ذلك.
يجب على كل مراقب أو باحث أن يلاحظ أن هناك فكرة موحدة يؤمن بها عدة شخصيات في إسرائيل رغم أنهم ليسوا في حزب واحد أو في بيت واحد، وهي تغيير الوضع في الحرم وأهمهم: نائب وزير الأديان إيلي بن دهان، وميري ريغف رئيسة لجنة الداخلية والأمن، ووزير الإسكان أوري آرئيل وهذا كان رئيس مجلس ييشاع الاستيطاني (اتحاد المستوطنات بالضفة وغزة)، ونائب وزير الخارجية زئيف إليكن وموشي فاتعيلين الذي أصبح وجهه مألوفاً للمرابطين بالحرم، إضافة إلى نائب وزير الدفاع داني دنون وأعضاء كنيست آخرين، وإنني أعتقد أن مناصبهم ونفوذهم تسمح لهم بالوصول إلى صيغة قرارات سنرى تأييداً على الأرض من آخرين في الوضع السائد بالحرم.
لقد أضحى التحريض على تغيير الوضع القائم بالحرم أمراً عادياً في الرأي العام الإسرائيلي بموجب حملة التحريض خلال عام مضى، ولا غرابة في أن تنشر صحيفة هآرتس على صفحتها الأولى تصريح لنائب الوزير بن دهان والتي تدعي الصحيفة أنه من المعتدلين تجاه قضية جبل الهيكل، حيث طالب بأن يصلي اليهود هناك جماعات جماعات دون التشويش على الجمهور المسلم، حتى أنه لم يعترف أنهم مصلين مسلمين وحدد الساعات الملائمة لذلك وهي بعد شروق الشمس حتى قبل الزوال بقليل (قبل آذان الظهر).
إن الخطر في ذلك هو تطور هذه الفكرة إلى أفكار أخرى توضح كم هي حالة التنافس بين هؤلاء اليهود في النظر لقضية السيطرة على الحرم، ويكمن الخطر الأكثر فاجعة هو مشروع عضو الليكود ميخائيل بواه الذي يطالب بأن يكون الوضع في (مغارة الماكفيلا) أي الحرم الإبراهيمي أنموذجاً يُطبق في الحرم القدسي.
صحيح أنني جزمت سلفاً أن الأمر لن يحزن أي من بني يهود لكن من الممكن أن يرفض مكتب رئيس الوزراء بتوصية الشاباك هذه المشاريع لتقديراتهم المهنية بأن ذلك سيجر على إسرائيل خسائر كبيرة ليس أقلها انتفاضة ثالثة أو نسف مفاوضات السلام مع الفلسطينيين والتي تتخذها إسرائيل ستاراً لتحقيق ما هو أسمى لديهم هذه المشاريع كالتهويد الهادئ والحفريات والمفاوضات وتأخير أي انتفاضة وعلاقات قوية مع الولايات المتحدة الأمريكية.....فهل من منذر؟؟