الحرب مقابل الغذاء

تابعنا على:   14:22 2020-06-17

علي منتش

أمد/ لم يكن تهديد الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصرالله بالمعادلة التي لم يعلن عنها اهم ما تحدث به في خطابه أمس، بل أن كلامه بالمجمل يشكل انتقالا حقيقيا من مرحلة الى مرحلة، وقد يكون خطاب الأمس هو أهم خطاب داخلي يلقيه نصر الله على الإطلاق.

خاض نصرالله امس معركة الرأي العام، وهو نجح أقله في نقل بيئته الواسعة، المؤيدة للمقاومة عموماً من مرحلة التعاطي مع الأزمة بوصفها أزمة فساد وسلطة ومعارضة فقط، الى أنها حرب خارجية ايضاً، وعليه يجب التعاطي معها على هذا الأساس مصوباً التظاهرات واهدافها بإتجاه "سبب المشكلة"، معتبراً ان من يريد ان يتظاهر عليه ان يعرف ضد من يتظاهر، اي أن نصرالله فتح باباً جديداً من الاحتجاجات قد يستعمله البعض في المرحلة المقبلة للتصويب على مصالح الولايات المتحدة الأميركية في لبنان، التي حملها امين عام الحزب مسؤولية جدية بما وصل اليه الوضع الاقتصادي والنقدي في لبنان.

لكن نصر الله فتح خيار التعامل مع ايران بجدية منقطعة النظير، وللمرة الأولى منذ اكثر من ١٥ عاماً، اذ طرح الأمر بأسلوب لا يوحي بأنه يحاجج خصومه السياسيين، بل يعمل على تحقيق الأمر بالتواصل الجدي مع القوى السياسية التي ألمح إلى انه تواصل مع بعضها، مؤكداً ان الحزب مستعد بالذهاب الى ايران لتأمين الحاجات النفطية كافة بالعملة المحلية. بمعنى آخر، قال نصر الله امس للمرة الأولى انه جزء اساسي مقرر في الحكومة وانه قادر على طرح قضايا جدية جذرية في علاقات لبنان الاقتصادية.

كلام نصر الله عن ايران، وغيره، شكل استكمالا واضحاً لتصريحات وردت على لسان مرجعيات وقيادات شيعية توحي بأن الصيغة السياسية التي بدأت عام 1943 قد انتهت، اذ دق نصرالله مسماراً جديداً، أتحقق ما قاله ام لم يتحقق، في نعش الوظيفة الاقتصادية التقليدية للبنان، وربما النظام الاقتصادي الكامل للبلد، فيما يوحي بأن الحزب سيأخذ ثمن الضغوط المفروضة من قبل الغرب تغييراً في شكل النظام اللبناني وطبيعته. فبعد إيصال الرئيس ميشال عون إلى سدة الرئاسة والتعديل الذي فرضه الوزير جبران باسيل في طريقة تشكيل الحكومات، ها هو التلويح بالتوجه شرقاً يهدد الشكل الحالي للبنية الاقتصادية للبنان، اي آخر ما بقي سليماً (كبنية وليس كفاعلية) من النظام اللبناني المُعدل في الطائف.

بعد الطرح الايراني المرتبط بشكل اساسي بالمواد الذي يدعمها المصرف المركزي باحتياطاته في الدولار تحدث نصر الله عن العروض الصينية، موحياً بأن "حزب الله" أجري اتصالات واسعة مع مروحة واسعة من الشركات الصينية المستعدة للمجيء والاستثمار في لبنان، مؤكداً ان هذه الشركات مستعدة للاستثمار من دون ان تدفع الدولة اللبنانية "اموالاً" لها بل وفق نظام الـ "بي او تي"، من اجل انشاء قطار سريع ومعامل كهرباء وغيرها من المشاريع الحيوية. حديث نصر الله هنا، هدف الى حشر حكومة الرئيس حسان دياب، وجعلها مضطرة لان تعطي رأياً واضحاً في شأن التعاطي مع الصين، وفتح باب الاستثمارات لها، خصوصاً انه قطع الطريق امام كل التحليلات التي انتشرت مؤخراً والتي تعتبر ان الصين غير مستعدة للاستثمار في لبنان.

الأهم في هذه النقطة هو استعانة نصر الله بالناس، اي انه ربط رفض القوى السياسية والأحزاب لخيار التوجه شرقاً بالاستعانة بالناس، وطلب منهم، وان كان في سياق حديثه، ان يكونوا جاهزين لمساعدة الحزب على السياسيين في حال رفضوا، ما يوحي بأن الحزب قد يذهب الى تصعيد حقيقي في معركة التوجه شرقاً.

وفي مجالين متصلين اكد نصرالله ان "حزب الله" وحركة "امل" مستعدين للذهاب الى الامن الذاتي وغير الامن الذاتي لمنع الفتنة، لكن في عمق حديث نصرالله رسالة واضحة الى من يعنيهم الأمر بأن لا مجال للفوضى في مناطق نفوذه التي سيعمل على استيعابها في حال انهارت الدولة و"فلتت المناطق" الاخرى، وكذلك اكد نصرالله ان الحزب لن يقبل ان يجوع اللبنانيون، في اشارة جديدة إلى انه بات لديه خيارات لتأمين الحاجات الغذائية وهو بات معروفاً في الوسط اللبناني عموماً، لكنه في اعلانه هذا نقل التحدي من كونه محاولة استعداد لما هو قادم الى وعد يوازي وعود نصرالله السابقة في مسألة تحرير الأسرى مثلاً.

ولعل اخطر رسالة قالها الامين العام للحزب ان اي حديث جدي عن السلاح مقابل الغذاء سيتم الرد عليه بمعادلة اخطر واكبر واوسع، من دون ان يعلن عنها، لكنه سرعان ما رفع تهديداً "بقتل" اي شخص يهدد اللبنانيين بالموت جوعاً وقال "لن نسلم سلاحنا بل ولن نموت جوعاً بل نحن رح نقتلك" مكرراً هذه العبارة ٣ مرات، في إيحاء واضح ان الحزب لن يقبل ان "يموت جوعا" وهو جاهز للذهاب بعيداً في تصعيد عسكري في حال تم الوصول الى مرحلة تجويع الناس.

وفي مسألة قانون قيصر، انهى نصرالله النقاش الحكومي بحسمه موقف الحزب من هذا الموضوع، رابطاً اي تطبيق لهذا القانون برغبة ضمنية بالسلام مع اسرائيل "وهذا لن يحصل في لبنان".

عن ليبنانون 24

كلمات دلالية