التنافر الأميركي الصيني

تابعنا على:   12:50 2020-06-01

نبيل فهمي

أمد/ من الطبيعي أن تتنافس الدول دوليّاً وإقليميّاً،‏ وأن تختلف بين الحين والآخر. أشعر بقلق بالغ مما تشهده العلاقات ‏الأميركية الصينية، والتوتر في علاقتهما الذي شخَّصه أخيراً وانغ يي وزير خارجية الصين، بأنه "على مشارف الحرب الباردة"، بعد أن حمّل الرئيس ترمب الصين مسؤولية جائحة كورونا، وانسحب من منظمة الصحة العالمية، وذلك بعد أن أشار بومبيو وزير خارجية الولايات المتحدة، إلى أن الفيروس "نابع عن أخطاء معملية في ووهان الصينية"، قبل أن يتراجع جزئياً عن ذلك.

‏وغنيٌّ عن التنويه أنّ كل الدول معرضة للخطأ في مواقفها السياسية، خصوصاً عندما تشتد المنافسات، أو نشهد خللاً في ميزان القوة السياسية أو الاقتصادية أو العسكرية، إنما هناك فارق ٌ‏ضخمٌ بين المنافسة الشرسة والمشروعة، والأخطاء غير المحسوبة أو التكتيكية،‏ وبين التناقض الاستراتيجي الجوهري والمساس المباشر والمتعمد بالأمن القومي للغير، والتدخل في الشؤون الداخلية واستقرار الدول عن عمد، وبشكل متواصل مباشرة أو عن طريق أطراف ثالثة، وهي ممارسات بدأت تطفح على السطح في العلاقات الأميركية الصينية، وتتطلب اهتماماً دولياً لضخامة الدولتين، وتأثير سياساتهما في النظام الاقتصادي الدُّولي، وحتماً أيضاً في الاستقرار السياسي والأمني العالمي.

وبغض النظر عن أنني لا أتوقع صراعاً عسكرياً بين الولايات المتحدة والصين في المستقبل المنظور، فلديّ قلقٌ بالغٌ من احتمالات وتداعيات التصادم الأميركي الصيني، خصوصاً على المستوى الاقتصادي والتكنولوجي، ويوجد كثير من المبررات لهذا القلق، من أهمها تعارض المفهومات السياسية للدولتين، وتصوّر كل منهما دوره ومكانته الدولية. أي تعارض الثقافة السياسية للقوتين.

هنا، يجب الإشارة إلى أن المجتمع الأميركي بمختلف ‏تياراته السياسية، الديمقراطيين والجمهوريين والمستقلين، يؤمن بالوضعية الفريدة والمميزة للتجربة الأميركية American Exceptionalism، ‏ويتمسّك بالريادة كأنها حقٌ مكتسبٌ، يجب أن يحترمه ويراعيه أعضاء المجتمع الدولي، وزادت قوة وصلابة هذا الاعتقاد بعد انهيار الاتحاد السوفياتي في الربع الأخير من القرن الماضي، ‏وبعد أن تفكك حلف وارسو ‏الذي كان يجمع دول أوروبا الشرقية، وكُبِح على إثره جماح التيار الشيوعي والاشتراكي دوليّاً، ‏وسادت مع هذه التطورات قناعة الولايات المتحدة والدول الغربية أن من حقها نشر المنظومة الرأسمالية الاقتصادية ‏واقتصاد السوق، وكذلك الآليات الديمقراطية السياسية عبر العالم، بصرف النظر عن اختلاف النظم السياسية والاقتصادية في دول العالم أو رغبتها من عدمها أو ثقافاتها السياسية وطموحاتها المجتمعية، وهو ما لاقى صدى إيجابياً وسلبياً متنوّعاً في الدول المختلفة عبر العالم.

واحتدّ واشتدّ التوجه الأميركي كلما ظهر منافسٌ حقيقيٌّ في أيّ من مجالات نفوذه وسلطته وريادته على مستوى العالم، خصوصاً مع توجهه شرقاً تجاه آسيا بعد انكسار شوكة التنافس في الساحة الأوروبية والأطلنطي، ‏وتفاني المجتمعات الآسيوية بحيث ‏أصبحت تمثل 60 في المئة من الطبقة الوسطى عالمياً، وهو ما جعل الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما يعلن أن الولايات المتحدة ستتحوّل وتتمركز بدرجات أوسع تجاه آسيا Asian Pivot.

ولا يختلف أحدٌ على أن الصين الشعبية تقف ‏على قمة هذا الهرم الآسيوي، إذ أصبحت المنافس الأكبر ونقطة القلق ومصدر الإزعاج الرئيسة للولايات للمتحدة، بإمكاناتها الاقتصادية الهائلة، خصوصاً أن لديها خبرات وقدرات تكنولوجية في غاية التقدم، تجعلها منافساً على الدور الريادي، مثل الجيل الخامس من تكنولوجيا الاتصالات، وازدهار ما يسمّى بـ"الذكاء الاصطناعي"، الذي تسعى جميع الدول المتقدمة وغيرها إلى الاستفادة منه وهي تجهّز مجتمعاتها للمستقبل، ‏وهو ما جعل عدداً من حلفاء الولايات المتحدة يتجاهلون مناشداتها المستمرة عدم التعامل مع شركة هواوي الصينية.

ومن اللافت للنظر أن هذه المناشدات والضغوط الأميركية تكثّفت حتى بعد أن توصّلت الدولتان منذ أشهر ‏قليلة إلى اتفاقات اقتصادية تجارية مرحلية، لتهدئة التوتر الاقتصادي بينهما. اتفاقات قدّم كل طرف منهما بعض التنازلات، وتراجع عن بعض الممارسات، تضمّنت من الجانب الأميركي إلغاء فرض بعض الجمارك والضرائب الجديدة على السلع الصينية، والتزمت ‏الصين في المقابل شراء مزيدٍ من السلع الأميركية ‏وتسهيل دخول السلع الأجنبية إلى الأسواق الصينية.

وعلى الرغم من كل ذلك نمت الخلافات واشتدّت الاتهامات، وأصبحت الدولتان في مواقف تصادمية، وتوترت العلاقات إلى مستويات لم نشهدها من قبل منذ السبعينيات، حيث التفاهمات التاريخية بين ريتشارد نيكسون وماو تسي تونغ، وهي خلافات وتوترات ستشتد حدّتها خلال الحملة الانتخابية الرئاسية الأميركية، خصوصاً مع توفّر ذخيرة جيدة للمرشحين لتبادل الاتهامات في ظل تداعيات فيروس كورونا، وانخفاض مستوى المعيشة، وارتفاع البطالة بالولايات المتحدة، بعد أن سجّلت العدد الأكبر من الوَفَيَات عالمياً، وهو توترٌ سيمتد إلى ما بعد الحملة الانتخابية، لأن مؤسسات الأمن القومي الأميركي تعتبر الصين أكبر خطر دولي على المصالح الاستراتيجية الأميركية والريادة العالمية.

تختلف الثقافة السياسية الصينية اختلافاً جذرياً مع المنظور الأميركي، إذ تؤكد مراراً أنها لا تسعى إلى تصدير مفهوماتها السياسية والثقافية إلى الغير، ولا تفترض أن منظومتها تلائم دولاً أخرى، وتؤكد أن "الاشتراكية بالنكهة الصينية" التي تتحدّث عنها الصين تتعلق أساساً بممارستها الوطنية، وللغير أن يستخلص أو يقتبس منها ما يريد.

وتجدر الإشارة إلى أنه لا توجد سوابق تاريخية واضحة لسعي الصين إلى تصدير مفهوماتها السياسية. إنما لا يعنى هذا إطلاقاً أن بكين ‏لن تسعى إلى حماية مصالحها واستخدام ثقلها السياسي والأمني والاقتصادي، خصوصاً في الساحة الآسيوية، والتعامل دوليّاً بما يحقق ذلك، ولم تكن السياسات الصينية معصومة من الخطأ أو غائبة عنها طموحات ربما تتعارض مع مصالح دول أخرى في آسيا، ويلاحظ أنها في الأعوام الأخيرة أصبحت أكثر حدة في تعاملاتها في بحر الصين الجنوبي ومع جيرانها الآسيويين، وفي التعامل مع هونغ كونغ، ولا أستبعد إطلاقاً أن نشهد ممارسات أكثر قوة وإصراراً في حماية مصالحها الاقتصادية الدولية، بعد أن اتخذت مع بعض الدول الأخرى قراراً بعدم ربط تعاملاتها المالية بالدولار الأميركي، وطموحات وممارسات أتوقع أن تتكرر كلما انتشرت عالميّاً وتشابكت دوليّاً، حتى إذا تعرّضت لانتقادات أو ضغوط غربية في المنظمات الدولية، ‏مثل منظمة الصحة العالمية، أو كما شاهدنا أخيراً في مجلس الأمن الدولي.

ولا أودُّ التسرع في التهويل بأن حرباً أو صداماً عسكرياً بين الولايات المتحدة والصين على الأبواب، وإن كانت المناوشات بين البحرية الصينية والأميركية إنذاراً مبكّراً بأن المخاطر العسكرية قائمة حتى الآن، وأرى تشابهاً مقلقاً بين حالة التنافر الصيني الأميركي الحالي وتنافس سابق في بداية القرن العشرين، كان بين قوتين اقتصاديتين انتهى إلى نشوب حرب، وهما بريطانيا وألمانيا في العصر الأول للعولمة، الذي تزامن أيضاً مع مرحلة نمو اقتصادي وتكنولوجي، ومنافسة بين قوة مركزية باقتصاد موجّه، وأخرى ديمقراطية تتبني اقتصاد السوق، كلاهما كان اقتصاده مرتبطاً ومكملاً للآخر، وفرض كل منهما إجراءات حمائية وعقابية على منافسه، مثل الضرائب والضغوط المالية، ووضْع قيود على التعاون التكنولوجي، واستثمرا بكثافة في البنية التحتية دعماً وخدمة لمصالحهما، مثلما تفعل الصين وأميركا الآن. منافسة استمرّت حتى اندلعت الحرب العالمية الثانية.

لهذه الاعتبارات وغيرها أرى أهمية بالغة في تهدئة التوترات بين الصين والولايات المتحدة، وإيجاد سُبل لتجنُّب تصادم مفهوماتهما السياسية، وأن تعي الدولتان تداعيات خلافاتهما على الاستقرار السياسي والاقتصاد العالمي، وأحذّر من تنامي الخلافات وتصاعد التوترات الأميركية في المرحلة المقبلة الانتخابية، والضاغطة اقتصاديّاً بالولايات المتحدة التي ستشهد انخفاضاً في معدّلات النمو، ليسرِّع ذلك من معادلات المنافسة الأكبر والأشد حول الريادة الدولية المستقبلية، خصوصاً على المستويين الاقتصادي والتكنولوجي.

كلمات دلالية