عون ونصرالله.... ثالثهما الفساد

تابعنا على:   19:59 2020-05-24

    ميشال نصر

أمد/ بين كلام رئيس مجلس النواب نبيه بري، وما قاله الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله، نقطة تقاطع كبيرة عنوانها "فتشوا عن غير صندوق النقد الدولي"، وإن عبّر كل واحد منهما على طريقته. فالأول دعا "الوزراء للإنطلاق بعيداً عن الخطط والبرامج الورقية" ، أمّا الثاني فقد أكد أننا "لسنا أمام خيارَين، فالاستسلام لن ينقذنا من الجوع"، في ردٍّ صريح على ما يدور همساً من كلام في الأروقة البرتقالية، وانتقاد مضمر لخيار رئيس الجمهورية المُدرك أن لا خلاص من دون المساعدة الدولية، والأميركية خصوصاً.

صحيحٌ أن للسيد حسابات، ترتبط بما هو أكبر وأبعد من الحدود اللبنانية، حيث يخوض مع حزبه حرباً استباقية عشية دخول "قانون قيصر " الاميركي حيّز التنفيذ، والذي بعرف الجميع لن يترك مجالاً أمام بيروت لترك حدودها مفتوحة على أيّ نوع من الحركة مع سوريا، دون أن يكون لذلك تبعات وعواقب أكبر من طاقتنا على احتمالها. نتيجة تعني عملياً قطع طريق طهران - بغداد-دمشق-بيروت، الذي ظنّ كثيرون ان فاتورة فتحه قد دفعت مسبقاً، دماً شيعياً فوق الارض السورية.


في الخيارات الاستراتيجية، لطالما وقف الجنرال الى جانب الحزب قلباً وقالباً، إنطلاقاً من قناعاته، التي ذهب في سبيلها أبعد مما تخيّل كثيرون، فوقف على منبر الأمم المتحدة ليَنطق بما لم يتجرأ أحد على قوله، بمن فيهم الرئيس الأسبق اميل لحود،حتّى أن وزير الخارجية جبران باسيل تحدّى الأميركيين في عقر دارهم. يومها عاد الرئيس الى بيروت وفي قلبه خوف على لبنان وعلى جبران.

صحّت رؤية "بيّ الكل"، فجاءت الكبائر على قدر أهل الكبر، وانفجر الوضع دفعة واحدة، فيما كان منظّرو محور الممانعة، وما زالوا، غير مصدقين أن واشنطن اتّخذت قرارها ولا رجوع عنه، وأن الصفقات إن كانت واردة إنما ليس وفق المقاييس السابقة. فالحزب لن يكون الى الطاولة بل على الطاولة من اليوم وصاعداً، بعدما اعتبرت ادارة الرئيس ترامب ان لا فرق بين لبنان وحزب الله، بعدما سقط البلد تحت هيمنة الحزب، دفع لأول مرة بطرح مشروع في الكونغرس يقضي بفرض عقوبات ووقف المساعدات عن الحكومات المدعومة من حزب الله.

أمر مهّد له بوضوح النائب جبران باسيل الذي تحدّث بوضوح عن تنسيق أمني مع قوى الأمر الواقع لإبقاء الحدود "فالتة"، وخارج إطار الضبط رغم توفر الامكانات لذلك، في رسالة واضحة للاميركيين ،الذين تلقفوها جيداً وبادروا الى ترويج معلومات عن إنذار وصل بيروت يتحدث عن ضبط الحدود في غضون أيام وإمّا عقوبات ستطال الاجهزة المقصّرة، تزامناً مع أمر يوم صادر عن قائد الجيش يتحدث عن إقفال الحدود غير الشرعية ضمن الامكانات المتاحة.

قد يكون الرئيس عون، أدرك مسبقاً ان اليوم الذي ستصبح فيه الحرب ضد لبنان مفتوحة على كل الحدود، ليس ببعيد. فالخطر الاكبر على الدولة، وبالتالي على حزب الله، هو منظومة الفساد التي حكمها وأدارها حزب الله وحلفاؤه الداخليون والاقليميون، والتي استفاد منها الجميع طوال 30 سنة. وهنا يجدر التوقف عند نقطة أساسية. مع دخول حارة حريك جنة الحكم تقاسمت مع الباقين قالب الجبنة، الذي كانت تأخذ حصته منه تحت عباءة رئيس مجلس النواب، الذي يحمل وزر ذلك. فجمهور الحزب وظف في الدولة، ومؤيدوه حصلوا على تعويضات من مجلس الجنوب، وغيرها عشرات الأمور....

الى ذلك، فقد فرض الحزب بـ "المونة" أجنداته الوزارية وتركيباتها على الرئيس عون منذ حكومة اليوم الاول، فكسر كلمة الرئيس وأسقط فيتوات كان وضعها على توزير فاسدين معروفين بحجج واهية، "حفاظاً على وحدة الطائفة"، فدقَّ المسمار الأول في نعش المشروع الاصلاحي للوطني الحر. ليكمل مسيرته بالدخول بمحاصصة مع تيار المستقبل تحت عنوان "لا للفتنة"، فاستشرى الفساد وبدأت التصدعات دون أن تشفع للرئيس عون مواقفه الاستراتيجية بتغيير موقف الحارة قيد أنملة.

هكذا تحوّل الحزب عن سابق إصرار وصميم، الى عبء على التيار الوطني الحر والعهد العوني، مع تصاعد الحملة الدولية التي عنوانها "إمّا البارودة وإمّا إطعام الناس"، فواشنطن غير مستعجلة وغير محشورة، تتحكم "بحنفية" ما قد يصلنا من مساعدات، ظاهرها اقتصادي مالي، باطنها سياسي بإمتياز، باتت أمراً مفروضاً، مكره العهد لا بطل، على السير بها.

فضغط المقاومة المتواصل لثلاث سنوات، وتطنيشها تارةً وورفضها طوراً للسير بمشروع الرئيس عون ورؤيته ضد الفساد، جعل من الهوّة بين الطرفَين تكبر، ما انعكس في كل مرة اشتباكاً الكترونياً بين جمهور الطرفَين، مادتها حليف الحليف، لتنتهي على "زغل" وبحفلة "تبويس لحى"، فيما الجمر راقد تحت الرماد منتظراً ثورة ما تزيح عن كاهل بعبدا شيطان الفساد الأخرس.

قد يقول البعض، ماذا بعد؟ هل ما سبق معناه ان الطّلاق وقع بين الطرفين؟ اكيد أن شيئاً ما تغير، ومار مخايل بات بحاجة الى فاصلة، فكلام النائب زياد أسود وما استتبعه خلال الساعات الـ 48 الماضية يطرح العديد من علامات الاستفهامات.

ظنَّ العونيون يوماً أن السيد نصرالله تحت عنوان المؤتمر التأسيسي سيعيد للمسيحيين جزءاً ممّا فقدوه، ليكتشفوا بعد سنوات، أنهم عاشوا وهماً. فهل يكون ذلك بداية لانهيار توافق مارمخايل الذي فَرغ من مضمونه مع الوقت.

اخر الأخبار