رحل صديق العمر ....

تابعنا على:   08:42 2020-05-23

أبو علي حسن

أمد/ رحل الكاتب والمفكر الدكتور حسين ابو النمل ...
أبكيك يا صاحبي ، فانت صديق العمر ورفيق النضال ..كنا معا في البدايات نحمل على كواهلنا ذلك الحلم العظيم والثقيل ؛ حلم الوطن والعوده ، كنا شباب لا تفارقنا الحيوية والنشاط ، واكتافنا تتحمل ثقل هذا الحلم العظيم ، فلا نهدأ ، ولا نتعب ؛ ولا نشكو ؛ ولا نيأس .. كنا معا في البدايات في عام ١٩٧١ يوم أن كان النضال له طعمه الخاص، وكنا معا يوم أن اصدرنا نشرة  " الثورة مستمره " الطلابيه ردا على دعاة التسوية ومؤتمر جنيف عام ١٩٧٤ ..وكنت أنت صاحب الاقتراح واختيار اسم النشره ..واستمرت علاقتنا الى  ما قبل رحيلك بشهرين حين منعني وباء الكورونا من زيارتك والاطمئنان عليك ..وحين التقينا فبل شهرين كان جسدك لا يقوى على الجلوس ومع ذاك كان ذهنك صافيا متقدا وتحاورنا في كل شيئ كعادتنا في السياسة والفكر والتاريخ وهموم الوطن ..وعلى مدار ثلاث ساعات وأنت تقدم الفكرة تلو الفكره ونختلف ونتوافق وننضج الفكره ...
ابكيك يا صاحبي ، فأنت صديق العمر الذي اتفقت معه واختلفت معه، لكننا لم نختلف يوما على معنى صداقتنا وتواصلنا ، لم نختلف على القيمة الاخلاقيه للعلاقة ، لذلك لم أهجرك ، ولم أخلع صاحبي ، كنت تحترم رأيي وأنا احترم رأيك ، مارسنا الديموقراطية على اصولها ..والخلاف لم يفسد للود قضيه ...
رحلت ايها الرفيق المشاكس من غير دندنه ولا اعلانات ، رحلت بصمت وهدوؤ ، كما كنت في حياتك لا تحب " الزعبره " والهيلمان .. كنت تتندر على السياسيين وزعبراتهم ، فابتعدت عنهم ، لانهم سخفوا القضية واضاعوها في بهلواناتهم ، وهم من سرقوا واسرفوا في الكذب والادعاء ...
حددت لنفسك عالمك الخاص بك منسجما مع نفسك تماما ، عالما يصعب على الاخر أن يعيشه ، فقد كنت زاهدا في حياتك الى حد الحرمان من مباهج الحياة ، كل شيئ كان بسيطا في بيتك ، عتيقا ، لا شيئ تغير فيه منذ نصف قرن عندما كنت تقيم في حي فرحات في شاتيلا منذ نصف قرن ، الصالون والكرسي وغرفة النوم والمطبخ والمعالق والصحون  ومعلقات النحاس على الجدران والحمامات لم يتغير عليه شيئ ، لقد اسقطت كل شيئ من حياتك الا رفيقة دربك وعمرك  " درية الاصيله "  ، لقد اسقطت من حياتك كل متاع الدنيا ، وابقيت على فكرة الانسان .. الوعي .. الانسان هو الوعي .. علاقة الوعي بالحق والوطن والنضال  ، كنت مؤمنا ان الانسان يتجسد في الفكره ، ودون الفكرة يكمن فراغ الانسان ...
حين كنت تطرح فكرتك  كان يقال ان اسلوبه  وافكاره صعبة على الفهم ...!! وكنت تجيب ان الارتقاء بوعينا يبدا من الاصعب وصولا للسهل ، لا أن نبدأ في تكرار السهل الذي لا يرقى الى الى الفكرة الاهم ..كنت عميق الفكره ، كما لو أنها خارجه عن المألوف ، وصعبة الاستيعاب ، لذلك كنت تبدو سابحا عكس التيار ..والحق انك كنت سابحا عكس التيار تحمل فكرة مختلفة تماما عن التيار ، فأنت القائل ان هذا التيار عاش ويعيش في " غيبوبة الوعي " فكنت كما لو أنك مشاكسا في آراءك ومواقفك وافكارك ، والحقيقة انك لم تكن لتسمح بأن تكون بين قطيع الحالة العامه التي يقودها هواة السياسة لا هواة التحرير ..لم تكن لتسمح لنفسك ان تكون اسيرا لنمطية السياسه والسياسيين ، كنت تعطي نفسك مساحة اكبر  من التفكير ، والتفكير الاعمق في التفاصيل والجزئيات ، والنقد ، وتعرية المألوف ، واكتشاف زيف النص وفراغه ، كنت دائما خارج السر ب في تنظيمك وفي بيئتك السياسيه والثقافيه ، لأنك قدست حرية الذات الواعيه ...
ايها الراحل عنا .. كنت زاهدا الى حد العباده في صومعتك ، ومكتبتك ، لا تعرف معنى السعادة الا بين صفحات كتبك وقلمك ، بين اكوام الكتب التى لا تتسع ارفف المكتبة على استيعابها ، فاضحت الكتب تغطي وتتكدس في كل مكان من المنزل العتيق ..
كنت بسيطا وفقيرا وعفيفا ونظيفا في حياتك ، لكنك غنيا بفكرك وثقافتك ، وكنت لا تعتبر الغنى له معنى او ميزه ، فقد عودت نفسك على بساطة الحياة وتماسك الذات ..لم تكن تعرف المجاملة ولا تعرف قاموسها ، نقدك طاغي وقاسي ، هو جزء من شخصيتك واسلوبك ومطارحاتك الفكريه والثقافيه ..لذلك هذه الشخصية لم تلقى هوى البعض لان نقدها يصل احيانا الى تعرية الاخر ..نعم كنت قاسيا في طرح افكارك ونقدك ، لكنهم لم يعرفوا حقيقة معدنك أو مقصد قسوتك ... 
كنت عزيز النفس ، عظيم الكبرياء ، ليس لك مطالب ذاتيه ، لم تسعى الى وظيفه ولا منصب ولا لقب ، لم تركض وراء المنافع والامتيازات حين حج الكثير الكثير الى سلطة الوظائف ... 
كنت تقول أعطوا الكلمات معناها الحقيقي ومضمونها الاساس ..وهانذا احاول أن اكون صادقا معك ايها الرفيق والصديق ..
كنت ترى الانسان في فكرته وكرامته ونزاهته ..فرحلت الى دنيا ثانيه بذات الرؤيه للانسان ....
ايها الرفيق ..وداعا ..فقد اعطيت ما استطعت وما لديك للوطن وللقضيه ....سلام عليك