المجزرة

تابعنا على:   20:23 2014-07-26

أمد/ غزة – خاص – ناصر عطاالله: بدأت وكأنها دخلت في سبات ذي رائحة معتَقة ، تعف المارة والعابرة من كثير يريحهم ، ولكن الشوق للذين فقدوا يصرف كل عفو الى بعيده ، فمن المشتاقين يهرلون نحو عناوينهم التي كانت سليمة قبل أيام ، ليرونها مكسورة على عتباتها ، وقد تحولت أسطحها الى لباس قاسٍ للذين سترتهم ، وخبأتهم من الشمس والهواء ، ليأتي من يسبق ويحملهم الى مثواهم التالي ، عن مكرمة من الله لهم ، من بعد ظلم وقع عليهم ، فكانوا الضحايا بمخالب الغزاة .

الشجاعية الحي الشرقي لمدينة غزة ، ومن أقدم الأحياء الغزية منذ أن حط الوعي في عقول السابقين ، من أهل القطاع ، وكثيرة هي حكايات غزة ، منذ ما قبل طرابيش العثماني ، مروراً بالحاكم المصري ، ومن بعدهما الاحتلال الاسرائيلي ، والذين يلونهم السلطة الوطنية ، وآخرهم الانقسام الدامي ، وكل هذه التواريخ في مراحلها مرت من البوابة الشرقية لغزة ، وتحديداً من الشجاعية .

ورغم ما استيقظ عليه الوعي في سابقات ما جرى حتى تهدئة الساعات الاثنا عشر ، الشجاعية لم تعش واقعاً كما تعيشه اليوم ، فالدمار الذي خلفه الغزاة براً وجواً ، لا يمكن تثبيته بعمل بشري طبيعي وإنساني منضبط بأخلاق وقيم ، بل المشهد المرئي للعين يقول: إن الغزاة عبارة عن آلات مصفحة ، لا ضمير فيها ولا أحاسيس ، رمت الخراب في الحي ، وفرت من جلدها ، لتقول للانسانية :\"افعلي ما تشائين، فإن القوي

هو السيد \" ولا بد أن عدالة البشرية ، وقوانين الحضارات التي تحترم الانسان ، أن تخجل كثيراً من مشهد الخراب والموت الكبير الذي تربع على حي الشجاعية ، ولتكفر موادها ، وتدس دساتيرها في التراب ،فالغزاة الاسرائيليون لا يحترمون ، واضعي هذه القوانين ، ولا يرعون فيها كبيراً كان مشرعاً او واضعاً ، لطالما همشوا هذه القوانين ودخلوا بخرابهم الكبير ، حي الشجاعية وقتلوا من فيه ، ودمروا المنازل على من فيها .

والحي الذي أصبح شاهد إثبات في إدانة المحتل ، يمكنه أن يسافر بصورته المدمرة عبر القارات ليكشف وجهاً جديداً للغزاة ، ولكن هل تصحوا ضمائر العواصم أمام عائلة قتلت بكاملها ، ودست في التراب بين دقيقة وأختها ؟.

الشجاعية المدمرة والباكية ، تستطيع أن تمشي الى وخز ضمائر البشرية ، وتصفع كل متكبر جبار ، يعيش على خدعة \" عدالة دولة إسرائيل\" وعلى حقها في الدفاع عن نفسها ، فمحمد ابن الشهرين لم يكن مقاوماً ولا مسلحاً ولا واعياً لما يجري ، وأمه فاطمة التي احتمت بدرج سقط عليها ، وشقيقها أحمد الذي أخذ من مغسلة الممر الضيق مخبأ له ، لم يكونوا مقاومين ولا مسلحين ولم يكونوا على خط النار ، بل كانوا آمنين في بيتهم ، يحتمون ببعض الأمل ، وينتظرون الصبح ، ليفروا بأرواحهم الى العراء البعيد عن القذائف ، ولكن \"عدالة\" القتل في روح يعلون لا تفهم معنى أن يخاف الانسان على حياته ، ويكسره الألم قبل موته ، اذا ما مات بلا ذنب!!!.

في الشجاعية جثث في الطرقات ، مجهولة الهوية ، من غياب ملامحها بعد التحلل ، تسأل عن اقاربها فيدخل الأحياء معها لعبة التخمين ، هو فلان ، لا ليس هو ، أنه لا يشبهه ، ولكنه هو ، فيصرخ المسعف في الجميع لنأخذه شهيداً ، ونسجل أسمه على أحد الغائبين فالكل ميت هنا ، وإن لم نجد لجثته اسماً ، نجد لروحه  الاسم ، عائلات تبكي شهيداً قد لايكون شهيدهم ، فالغزاة حرموهم حتى \"نعمة\"التعرف على من فقدوا ، باسم الدفاع عن النفس ودولة الغزاة.

في الشجاعية يد تبحث عن باقي جسدها ، ورأس لازالت ترقد بجانب وسادتها دون جسد ، وساق على الجدار علقت من زحمة الحطام ، وقطع صغيرة من اللحم بعثرت على رقعة الغبار في الممرات الترابية المخنوقة بالفوضى ، وحكايات لكل منها تثير رغبة جامحة للحكم على الغزاة بأنهم ليسوا بشراً، ولم يكونوا!!!.

الشجاعية حي مكرر في قطاع غزة ، بذات الهندسة الدموية ، وذات  الأبعاد الوحشية ، لمجرم واحد ، لم يتعلم في حياته شيئاً سوى القتل.

في الشجاعية تنعى الإنسانية ، ويكبّر عليها أربع ، ولا قبر لها في صدور الذين ذاقوا مرارة المحتل ، وللضحايا سلالم من نور ينتظرون قتلتهم عند الصراط ليسألوهم بأي ذنب قتلوا ؟!!

 

اخر الأخبار