في زمن الكورونا والاحتلال: الثقافة الفلسطينية عصية على الحجر

تابعنا على:   23:24 2020-04-28

د. عبدالله عيسى

أمد/ لم يكن مشروع وزارة الثقافة الفلسطينية بخلق جسور تواصل بين الكتاب والشعراء والفنانين المبدعين  ، وسواهم ممن أثروا المشهد الثقافي الفلسطيني والعربي عموماً ، مع الجمهور الفلسطيني جديداً فحسب ، بل احتفظ لذاته بدلالات مهمة ، سوف تجسد لا شك مناخاً خاصاً ولائقاً لإطلاق المشروع الثقافي الوطني إلى مدارات جديدة . 

أولاً : أن تبادر وزارة الثقافة بإطلاق حملة " صحتك وطنك الك " عبر فيديو قصير يناشد فيه المبدعون أبناء  شعبنا العظيم بالبقاء في البيت حفاظاً على سلامة كل فلسطيني منا ربطاً بسلامة الوطن توكيد على دور وتأثير المبدع الفلسطيني وانخراطه في تفاصيل حياة شعبه  ،  وتعميق للحمة هذا الشعب في الوطن  والشتات والمنافي ، لتلتحق الحملة بالقرار التاريخي الذي اتخذته الحكومة الفلسطينية بالالتزام بالحجر الصحي للوقاية من لعنة كورونا ، 

وكانت سباقة وحكيمة في هذا الإجراء الأمر الذي حدّ ، بلا لبس ، من انتشار الوباء ، ولنا في دول أوربية متطورة صحياً قياساً عبرةً طالما تأخرت في اتخاذ مثل هذا القرار للأسف ، لينتشر فيها مثل النار في الهشيم .

وبهذا ، شكل سبق وزارة الثقافة باقتراح هذا المشروع رافعة لدعم قرار الحكومة الفلسطينية بالالتزام بالبيت وتعليمات الوقاية ، والمساهمة في تعزيز ثقافة السلامة والحياة .  

ثانياً : أكدت أنها وزارة الثقافة الفلسطينية وليست وزارة الثقافة في فلسطين ، من خلال دعوة المبدعين الفلسطينيين في كافة أماكن تواجدهم في الوطن المحتل ١٩٤٨ ، والأراضي المحتلة عام ١٩٦٧ ، وفي الشتات والمخيمات والمنافي للخروج على موقع الوزارة على الهواء مباشرة بعملية تفاعل رائدة عبر " طلات ثقافية"   . وبهذا ، ذهبت وزارة الثقافة ، برؤيا وموقف ثقافي أصيل ، إلى بيت المبدع في كل مكان ، وهو الملتزم  بدوره بالحجر الصحي ، لتدعوه لدخول بيت كل فلسطيني في الوطن والمنافي والشتات ، ليكون هذا الجسر في العالم الافتراضي خلقاً لعالم انساني وثقافي ووطني يتكامل رغماً عن الجغرافيا والتلونات الفكرية ، وكذلك رغمًا عما اصطلح على تسميته أولويات المرحلة في  كل من الوطن  المحتل والمجزأ أو الشتات  .

إن عملية التواصل هذه  ، 

و الحوارات التي تجلت عنها ، ثبّتت  الرؤيا بأن الشعب الفلسطيني واحد وموحد فكرة وموقفاً وحلماً ، وأن الثقافة الفلسطينية واحدة  رؤيا وأدوات تعبيرية ومنجزاً إبداعياً ، فوحدة الشعب مرهونة بثقافته الواحدة ، طالما يفضي التحزب الضيق إلى جعله منحازاً لأفكار تختلف وتتصارع . ووفق هذه الرؤية ، لم يعد لازماً أن ينظر للمبدع حسب قيده الإيديولوجي  ، بل وفق ما قدمه من فعل خلاق في حركية المشهد الثقافي الفلسطيني ، وهذا ما أصلت له وزارة الثقافة بدعوة المبدعين انطلاقاً من فعلهم الثقافي لا فاعليتهم الإيديولوجية . 

وتأسيساً على هذا كلّه ، يغدو من الضروري الأصيل أن يحتضن  المثقفون والمبدعون   رؤيا ثقافية وطنية تشكل هجوماً ثقافياً لنسف السردية العدوة ، تلتف حول الموقف القابض على الثابت الوطني الذي تنتهجه القيادة الفلسطينية ، لتشكل رافداً أصيلاً للهجوم السياسي والدبلوماسي ، بما في ذلك الدبلوماسي الشعبي ، عبر خلق آليات تواصل بين مكونات المشروع الوطني وتفاعل عناصره جميعاً ، والمؤسسات والشخصيات والمنابر المناصرة  في العالم لعدالة القضية الفلسطينية وحقوق شعبنا غير القابلة للنقصان انطلاقاً من الأعراف والقوانين الدولية والقيم الإنسانية التي لا تتجزأ . 

ثالثاً : وانطلاقاً من هذا كله ، تقدم وزارة الثقافة الفلسطينية معايير جديدة للتعامل مع المشهد الثقافي . فالأولوية للثقافي المبدع ، طالما أن الظل الحزبي المتحزب  لا يمكن  له أن يخلق قامة ثقافية خلاقة . وبي أمل أن يتم تأصيل هذا المبدأ في كافة المؤسسات الوطنية ، خاصة الثقافية والإبداعية ، بكسر  هذا الطوق ، وتحرير الإبداع من ربقة المؤدلج  الثابت . فالشراكة لا تعني المحاصصة ، والفعل  الثقافي   الوطني بعيد كل البعد عن الانفعال السياسي اليومي المتحرك  ، والخطاب الثقافي  الوطني لا يجب أن يتحرك في إطار الشعار السياسي الخاص ، وبالمحصلة ليس على الثقافي أن يكون بوقاً أجوف للمطروح المسيّس    . لقد تحول بعض  المبدعين وأشباههم  تحت طائلة المحاصصة السياسية إلى كهنة في المؤسسة الثقافية ، يفتون ما شاءت غريزتهم السياسية ، وهكذا تم محو وإلغاء مبدعين بعينهم ، أو استطاع هؤلاء الكهنة أن يسطوا على الفعل الثقافي باسم المؤسسة الفلسطينية   ، حتى صاروا ضيوفاً دائمين على المهرجانات الثقافية وعمليات الترجمة والعلاقات مع المؤسسات والدول . ولا بد أن نتأمل قليلاً لندرك أن  البعد الإيديولوجي  الضيق هو من يعيق فعل توحد الفعل الثقافي ، بما في ذلك النقابي والمؤسساتي ، في الوطن والشتات ويعيق حركته جهة استعادة دوره التاريخي كنصل متقدم في مواجهة سردية المحتل وتشكيل الضمير والوعي الجمعي القابض على الثابت الوطني ، ليظل المثقف وفق هذا فاعلاً في المشهد الفلسطيني برمته ورافعة للنهوض الوطني المتمسك بالثابت القائم على الحرية وتقرير المصير والعودة والاستقلال  .  

رابعاً : أكدت تجربة الوزارة هذه على حقائق بقيت خافية على كثيرين . أولها أن شعبنا ، خلافاً لادعاءات مضللة ، شعب قارئ بامتياز ، ومتابع حاذق لحركة الابداع الفلسطيني على اختلاف أجيالها ومراحلها  ، ويحتفظ لذاته بقابلية استثنائية لا مفر منها ،  وهي  احتضان الابداع الفلسطيني الذي يؤصل الرواية الوطنية ويقدمها بأدوات ورؤى جمالية تناقض قبح السردية العدوة . وثانيها أن انحياز الجمهور الفلسطيني القارئ للثقافة الوطنية مرتبط بمدى قدرتها على خلق انحيازات جمالية مؤثرة في المشهد العربي والإنساني برمته ، طالما أن الإبداع الفلسطيني  الذي قدم ذاته كإبداع أصيل  عمق بنماذج كثيرة أثره في حركة الإبداع الإنساني ليصبح جزء أصيلاً منه ، تمامًا كما هو الشعب الفلسطيني ذاته جزء أصيل من العائلة الإنسانية الكبيرة . وثالثها  أن المبدع الفلسطيني المتفاعل مع جمهور حاذق القراءة وعالي الذائقة أصبح مطالباً أكثر من أي وقت مضى بالاهتمام بمبدعه المنجز ، طالما أن القارئ الفلسطيني هذا لم يعد يمارس دور المستهلك الثقافي ، المتلقي السلبي ، بل غدا مشاركاً حقيقياً في اعادة صياغة الوعي الثقافي ، وبالتالي إعادة كتابة المنجز الإبداعي بتأويله لقراءته في سياق وعي خاص متميز بمثابرته على عدم خلق أي شكل من أشكال المصالحة مع المقدم الرديء في الثقافة والفنون  ، ووعي عام منحاز بلا شك لروايته الفلسطينية بتعدد قراءاتها وتأويلاتها والانتصار لها . 

ورابعها أن المبدع ليس لقباً أو صفة أو مشيخة ترمى على شخص دون سواه من قبل سياسي أو كاهن ثقافي مثلاً ، بل هو حالة احتراق بالقبض على جمر  أسئلة الإبداع والعالم المبدَع ، لتقديم رؤيا خاصة بالضرورة للمحيط والذات الإنسانية . فالمبدع هو من يخلق ، وليس  من يفسر ، ومن يرى ما لا يُرى ، لا من يقول ما يقال  ، ومن يخلق عوالم ابداعية ، لا من يطرح أفكاراً وهواجس وشعارات ، من يقدم  الرواية  الفلسطينية مشروعاً جمالياً إنسانياً نقيصاً  لشرعة المحتل القائمة على القبح والتصفية والقتل والإلغاء  . كما أنه - أقصد المبدع /  يطرح أسئلة فنية ، ولا يجتر بلاغة مألوفة مكررة . وبهذا يتأكد بلا شك أن شعبنا مبدع بامتياز في عمليتي الكتابة والقراءة معاً . 

خامساً : أعدنا مجدداً الإكتشاف الفذٓ بأن سؤال الثقافة هو متن سؤال الهوية والمصير . ولا يجب أن تكون الثقافة بمثابة  السلم الإحتياطي أو الخلفي   الذي ينبغي استخدامه فقط في حالة الطوارئ . فالطارئ هو اليومي ّ المتحوّل الذي يلاحقه  مقتنصو الأخبار والمقيمون في وسائل التواصل الإجتماعي و مروجو الإشاعات .. الخ

مرحى وزارة الثقافة ! 

لم أعد بعد للوطن الحبيب ، على الرغم من كل المحاولات ، خاصة من قبل اتحاد كتاب وأدباء فلسطين ووزارة الثقافة مشكورين  ، لكنني دخلت مدخل صدق ، من خلال إطلالتي وتفاعلي مع أهلنا في كل المدن والقرى المقدسة في فلسطين المقدسة ، كل البيوت التي احتضنتني . كل بيت فلسطيني أصبح بيتي ، ولم تعد المنافي وحدها تدلّ عليّ . 

وإذ عطلت كورونا  عودتي إلى الوطن ضمن فعالية بيت لحم ٢٠٢٠ عاصمة للثقافة العربية ، فكأنني عدت ، لكن عودتي ستظل منقوصة حتى يكتمل حلم عودتي الذي كبر معي.  و أكبر به  ، فيما لا يشيخ كلانا، ولا يسقط  أي منا بالتقادم .

كما أنه - أقصد المبدع /  يطرح أسئلة فنية ، ولا يجتر بلاغة مألوفة مكررة . وبهذا يتأكد بلا شك أن شعبنا مبدع بامتياز في عمليتي الكتابة والقراءة معاً .

كلمات دلالية

اخر الأخبار