ما يجري أكثر من تطبيع

تابعنا على:   17:11 2020-04-28

جميل السلحوت

أمد/ من حسن حظّي أن لا وقت ولا رغبة لديّ لمشاهدة الأفلام والمسلسلات التّلفزيونيّة، ومن نكد الحياة عليّ أنّني قرأت مقالات لكتّاب فلسطينيين وعرب، يستنكرون فيها بثّ مسلسلات خليجيّة تدعو إلى التّطبيع مع الاحتلال. ومع شكري لمن كتبوا إلا أنّني لم أستغرب بثّ هكذا مسلسلات، تماما مثلما لم أستغرب بثّ حلقات تلفزيونيّة مثل"رامز مجنون رسمي" و"خلّي بالك من فيفي". فكلتا الحالتين تعني السّقوط الفنّي والأخلاقي والإبداعي.

ولا يمكن تبرير هذا السّقوط، تماما مثلما لا يمكن الدّفاع عمّن يشاركون فيه، فقد اختاروا سقوطهم بأيديهم وباعوا أنفسهم بثمن بخس.

وفي هذا المجال عاد إلى ذاكرتي الكثير من المعتقدات والأحداث، فإذا كان إخوتنا الشّيعة يؤمنون بعصمة الإمام الوليّ الفقيه، وهذا ليس اتّهاما لمعتقداتهم، فقد جاء في كتاب "الدولة الإسلاميّة للمرحوم الإمام الخمينيّ" أن الإمام عند الشّيعة يبلغ عند الله مرتبة لم يبلغها نبيّ مرسل"! فإنّ "علماء السّنّة" يعتبرون وليّ الأمر "الحاكم"ظلّ الله وخليفته في أرضه"، ويدعون له بطول العمر على منابر المساجد، وبعضهم كالسّلفيّين لا يجيزون الخروج عن طاعته مهما طغى وتجبّر. وحسب معلوماتنا المتواضعة فإنّ الولّي الفقيه لم يبع شعبه ووطنه، لكنّ "خلفاء الله في الأرض" ارتكبوا الموبقات التي تزيد على السّبع الموبقات المعروفة. ومن المحزن أنّ من سوّقوا الموبقات واعتبروها إيمانا يقود إلى الجنّة هم مثقّفون "وعلماء دين"، باعوا أنفسهم للشّيطان.

ولم أتفاجأ بمسلسلات التّطبيع التي وبصدق متناهٍ لم أشاهد أيّ حلقة كاملة منها، لأنّ التّردّي العربيّ الرّسميّ قاد إلى ما هو أبعد من التّطبيع الثّقافي، مثل اللقاءات وتبادل الوفود والزّيارات لشخصيّات رسميّة، وفتح مكاتب تجاريّة، وتعدّاها إلى التّنسيق الأمني والعسكريّ.

وبما أنّنا ورثة ثقافة" النّاس على دين ملوكهم" فالفنّانون والمثقّفون والصّحفيّون وغيرهم ليسوا استثناء إلا من رحم ربّي، وكلّ ما يجري لا يدخل في باب حرّيّة الرّأي، ولا يجري دون إيعاز من "أولي الأمر". ولنتذكّر أنّ شعراء وكتّاب و"علماء" قد لاقوا حتفهم أو زُجّ بهم في السّجون لسنوات طويلة؛ لأنّهم انتقدوا أحد "طويلي العمر" بقصيدة أو مقالة أو خطبة.

وليس خافيا على من له عقل أنّ الحركة الصّهيونيّة وحليفتها أمريكا المتصهينة لم تكتف بطاحونة الإعلام الهائلة التي تملكها وتسيطر عليها، فلجأت إلى تأسيس فضائيّات عربيّة خدمة لأهدافها، وكانت البداية بفضائيّة الجزيرة، كي تدخل الرواية الصّهيونيّة والأمريكيّة كلّ بيت عربيّ. وصاحب ذلك تأسيس حوالي مائتي فضائيّة عربيّة لبثّ الخرافة والخزعبلات وثقافة الهبل لإبعاد النّاس عن قضاياهم المصيريّة. وهذا يدخل في نطاق ما طرحه بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكيّ في سبعينات القرن العشرين عندما قال:" يجب إعادة تثقيف شعوب الشّرق الأوسط."، ولا يغيبنّ عن بال أحد أنّ هكذا مسلسلات وما رافقها ولا يزال من مقالات صحفيّة وتغريدات إلا تمهيد لتهيئة الشّعوب العربيّة؛ كي توافق أو تسكت على تطبيق ما يسمّى"صفقة القرن" لتصفية القضيّة الفلسطينيّة لصالح المشروع الصّهيونيّ التّوسّعي، ولتطبيق المشروع الأمريكي" الشّرق الأوسط الجديد" لإعادة تقسيم المنطقة لدويلات طائفيّة متنحرة، ولتسيطر اسرائيل على المشرق العربيّ كاملا. وسيكون أوّل الضحايا فلسطين والأردنّ.

ويمتدّ نفوذها إلى إفريقيا بدءا من شمالها.

كلمات دلالية

اخر الأخبار