صراع المصالح : المواقف والانعكاسات الاقليمية والدولية من الأزمة العراقية

تابعنا على:   11:02 2014-07-25

د. مثنى العبيدي

نظراً لأهمية العراق ومكانته الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية سواء على المستوى الإقليمي أو الدولي، صارت التطورات والأحداث التي يشهدها عوامل تأثير وتأثر في محيطيه الإقليمي والدولي ، ونظراً لتعدد واختلاف وأهمية المصالح التي تمتلكها دول الجوار الإقليمي العربية وغير العربية ولا سيما إيران وتركيا ، وكذلك القوى الدولية الفاعلة وبشكل خاص الولايات المتحدة الأمريكية ذات المصالح الأكبر والتأثير الأكثر في العراق ، أدى بهذه الدول أن لا تترك فرصة أو حدث ما دون استغلاله لتحقيق مصالحها او مواجهته إن كان في غير ذلك .
والعراق الذي يشهد أزمة سياسية واجتماعية مزمنة بين مكوناته السكانية الاساسية (السنة والأكراد والشيعة) أخذت أبعاداً أمنية ، واحتدمت لتصل الى حد المواجهة المسلحة التي اعلنت لبدء مرحلة جديدة منذ 10 يونيو المنصرم عندما استطاعت الجماعات المسلحة التي أطلقت على نفسها ثوار العراق أو ثوار العشائر أن تفرض سيطرتها على محافظة نينوى شمال العراق ثم محافظة صلاح الدين ومناطق عديدة من محافظتي كركوك وديالى فضلاً عن اجزاء كبيرة من محافظة الأنبار التي انطلق بها المواجهات منذ نهاية ديسمبر 2013 ، وبدأت الجماعات المسلحة تفرض طوقاً على العاصمة بغداد بعد إن تكبدت القوات الحكومية أمامها خسائر كبيرة وحل انهيار بالمنظومة الأمنية وسجلت حالات هروب جماعي كبيرة لقوات الأمن العراقية أمام هجمات المسلحين سهل عليهم فرض سيطرتهم على مناطق الصراع .
كل هذهِ التطورات لم تكن بمنأى عن التحرك الإقليمي والدولي منها فتباينت المواقف من دولةٍ الى أخرى بحسب ما تمليه عليها أهمية مصالحها في العراق وفاعلية وسائلها وتنوعها في التأثير على مجريات الأحداث وتطورها في هذهِ البلاد ولما لهذه التطورات من انعكاسات على وضع المنطقة وعلاقات الدول فيها ، ويمكن متابعة عدد من المواقف الإقليمية والدولية المؤثرة من تطورات الأزمة في العراق ومن ثم انعكاساتها على الساحتين الاقليمية والدولية وبالشكل التالي :-
المواقف العربية
المملكة العربية السعودية : قد تبدو المملكة العربية السعودية أكثر الأطراف العربية دخولاً على خط الأزمة العراقية من الناحية السياسية ، فأعلنت عقب انتهاء اجتماعات وزراء خارجية منظمة التعاون الإسلامي المنعقدة بجدة في 19 يونيو المنتهي إن ما يجري في العراق هو انتفاضة لأهل السنة جاءت بسبب أخطاء وفشل سياسة حكومة نوري المالكي ازاءهم وما رافقها من إقصاء وتهميش وممارسات طائفية دفعت بهم الى حمل السلاح والمواجهة مع الحكومة ، فبدأت بعدها بالتحرك والتنسيق مع الولايات المتحدة الأمريكية من اجل معالجة الأزمة بما يضمن للمكون السني في العراق حقوقه وتشكيل حكومة مشاركة حقيقية ، واعلنت عن تقديم مساعدات مالية تُقدر بنصف مليار دولار للمناطق الساخنة تقوم الامم المتحدة بتوزيعها .
سوريا : الدولة العربية الأكثر تأثراً بما يجري في العراق نظراً للانعكاسات والتداعيات التي تصيبها جراء تطورات الساحة العراقية ، فالنظام السوري رأى أن ما يحدث في العراق هو نفس \" الإرهاب \" الذي يواجهه في سوريا ولم تتوانى الطائرات السورية عن شن غارات جوية على المدن والبلدات العراقية التي تسيطر عليها الجماعات المسلحة راح ضحيتها العشرات من المدنيين . لا سيما في محافظة الأنبار المحاذية للحدود السورية مع العراق . أما الجماعات المسلحة في سوريا فقد وجدت في أحداث العراق مكسباً لها عندما وقعت المناطق الحدودية في قبضة الجماعات المسلحة العراقية ولا سيما تنظيم الدولة الإسلامية الذي أعلن مؤخراً ما يسمى بـ \"الخلافة الإسلامية\" على الأراضي التي تحت سيطرته في كل من العراق وسوريا .
جامعة الدول العربية : اذ دعت الى عقد اجتماع طارئ لوزراء الخارجية العرب للوقوف على مستجدات الأزمة المتفاقمة في العراق من أجل إيجاد السبل المناسبة لحلها ، وكالمعتاد لم يتخطى الأمر سوى إصدار بيانات الدعوة الى الحلول السلمية وضبط النفس دون أن يتجسد ذلك بفعل على أرض الواقع لتبقى جامعة الدول العربية الطرف الأضعف في الكثير من القضايا والأحداث .
المواقف الإقليمية
• إيران ، الدولة الأكثر تأثيراً ونفوذاً في العراق حتى بدا الامر كأنما العراق باحة خلفية لإيران في ظل حكومة المالكي يدير شؤونه قائد الحرس الثوري الإيراني قاسم سليماني صاحب اليد الطولى في مجريات الأحداث العراقية .
وجدت إيران في الأزمة العراقية خطراً يهدد مصالحها في العراق وربما يؤثر سلباً في ساحتها الداخلية أمنياً وسياسياً . في أجواء إقليمية يتعرض فيها حلفاؤها في العراق وسوريا الى مواجهة كبيرة قد تفضي الى الإطاحة بهما ، الأمر الذي يحجّم نفوذها ودورها الإقليمي لصالح منافسيها الرئيسيين في المنطقة السعودية وتركيا . وقد يغري المعارضة الإيرانية في الداخل والخارج الى إعلان المواجهة مع النظام الإيراني ، وهذهِ المعارضة التي اعلنت أن الإطاحة بحكومة المالكي في العراق هي خطوة نحو الإطاحة بحكم الملالي في إيران كما ذكرت مريم رجوي رئيسة المعارضة الإيرانية في الخارج بآخر تصريح لها من باريس .
تحركت الحكومة الإيرانية وبشكل سريع لتعلن استعدادها مساعدة حكومة المالكي والقوات الامنية في العراق بكل ما يطلبونه من وسائل وإمكانيات سياسية وعسكرية تمكنهم من مواجهة ما أسمته \" بالجماعات الإرهابية المتطرفة \" وإنها مع وحدة العراق وضد أي محاولة لتقسيمه ، كما أبدت استعدادها للتعاون مع الولايات المتحدة الأمريكية للعمل على مساعدة الحكومة العراقية في مواجهة الجماعات المسلحة , هذا الاستعداد الايراني تحول في يوم 1 يوليو الى اتهام للولايات المتحدة الامريكية الى انها تحاول ان تجعل من العراق اوكرانيا جديدة في المنطقة وذلك بتصريح لنائب وزير الخارجية الايراني حسين امير عبد اللهيان .
وتجلت المساعدة الايرانية لحكومة المالكي بوجود اسراب من طائرة \" ابابيل\" الايرانية المسيرة في قاعدة الرشيد العسكرية في بغداد تنفذ مهام استطلاع وضرب مواقع مدنية في المناطق الساخنة , كما تبين وجود طائرات حربية ايرانية تقوم بنفس المهام , هذه الاسلحة تم بيعها للعراق بثلاثة اضعاف سعرها في الاسواق العالمية . واتضح الامر اكثر عندما تم اسر العديد من الايرانيين يقاتلون الى جانب القوات العراقية من قبل الجماعات المسلحة العراقية .
تركيا : اعلنت حكومتها منذ انطلاق المواجهات في محافظة نينوى واحكام المسلحين سيطرتهم عليها ضرورة التنسيق مع كل الاطراف والدول المؤثرة لإنهاء هذهِ الازمة ومعالجتها بالوسائل السلمية ، ولكن بعد اقتحام الجماعات المسلحة للقنصلية التركية في مدينة الموصل واختطاف عدد من العاملين فيها أفصحت تركيا عن استعداداتها للتدخل العسكري لحماية مواطنيها في حال تعرضهم للخطر ، كما هددت الحكومة التركية إنها ستتدخل في العراق إذا ما حصل تدخل مباشر فيه من قبل إيران ، وبدأت تركيا فيما بعد باستضافة العديد من قادة الحراك الشعبي في العراق ورعاية مؤتمراتهم وتقديم المساعدات الإنسانية للاجئين من أبناء المناطق الساخنة الى إقليم كردستان العراق ، وكانت للطائرات التركية هي الأخرى طلعات استطلاعية في الأجواء الشمالية للعراق كما أعلنت الحكومة التركية مؤخراً معارضتها الشديدة لمحاولة إقليم كردستان بالانفصال .
المواقف الدولية
الولايات المتحدة الأمريكية : هي القوة العالمية التي من المفترض ان تكون الراعي للعراق والمسؤولة عن العملية السياسية فيه بعد انسحابها ، والتي يربطها مع العراق اتفاقية تعاون استراتيجي بعيدة المدى ، حدد موقفها الرئيس باراك أوباما عند تفاقم الأزمة بأن كل الخيارات متاحة للتعامل مع الأحداث العراق مع استبعاد لأي تدخل عسكري بري ، وما لم يصرح بهِ أوباما أعلنه أغلب أعضاء إدارته ومستشاريه من أن ما يحصل في العراق هو نتيجة لسياسة حكومة نوري المالكي السلبية ضد المكون السني وإدارته الفاشلة للبلاد وعلاقته بإيران وأتضح من ضمن خيارات الإدارة الأمريكية إرسال عشرات المستشارين العسكريين الى العراق للمساعدة في إعادة تدريب القوات العراقية ، وقوة عسكرية قوامها 500 عنصراً من المارينز لحماية السفارة الامريكية في بغداد مزودين بطائرات اباتشي وطائرات استطلاع مسيرة غير مسلحة .
وبدا التحرك الامريكي متسارعاً صوب تشكيل حكومة عراقية جديدة بدون نوري المالكي لتحظى بإجماع وطني واسع ، واخذ وزير الخارجية الامريكي جون كيري على عاتقه العمل بغية تحقيق ذلك ، بحث قام بزيارات دول المنطقة المختلفة منها مصر والاردن والسعودية وتركيا ، وتواصل مع السياسيين العراقيين على مختلف انتماءاتهم في بغداد واربيل ، ثم عاد في جولة اخرى الى المنطقة التقى خلالها بالملك السعودي عبدالله بن عبدالعزيز للتباحث بشأن تشكيل الحكومة العراقية .
وضمن تطور آخر قامت الولايات المتحدة الامريكية بتسيير طلعات جوية بطائرات حربية واخرى بطائرات من دون طيار بمهمات استطلاعية في الاجواء العراقية لتحديد اماكن المسلحين، فضلاً عن الاعلان بالاسراع بإتمام صفقة الطائرات من نوع F16 التي كان من المؤمل تسليمها الى الجانب العراقي في سبتمبر القادم .
بريطانيا : لم يختلف الموقف البريطاني عن الموقف الامريكي تجاه الازمة في العراق بأن المتسبب فيما يجري في العراق هو حكومة المالكي مع ضرورة محاربة تنظيم الدولة الاسلامية في العراق والاسراع بتشكيل حكومة وطنية تشارك فيها جميع المكونات العراقية . هذا الموقف ابداه وليم هيغ وزير الخارجية البريطاني الذي زار العراق مؤخراً والتقى بمختلف السياسيين العراقيين في بغداد واربيل .
فرنسا : هي الاخرى كان لها موقفاً مماثلاً للموقفين الامريكي والبريطاني مع اختلاف القوة في الطرح بتحميل نوري المالكي مسؤولية ما يجري من احداث في العراق ويشاركه المسؤولية تنظيم الدولة الاسلامية ، الذي اعلن وزير الخارجية الفرنسي لوران فابيوس ان لدى بلاده ادلة تثبت ان هذا التنظيم يبيع ما يحصل عليه من البترول من المناطق التي يسيطر عليها الى نظام الاسد في سوريا ، وتوجه فرنسا بضرورة محاربة التنظيمات الارهابية مع التأكيد على منح المكون السني حقوقه بعد تعرضه للتهميش والاقصاء فضلاً عن ذلك جمعت عدد من الساسة العراقيين في باريس قبل ان ينضم اليهن جون كيري ويجتمع بهم ابضاً .
روسيا : وجدت روسيا في الازمة العراقية فرصة كبيرة لها في مضمار التنافس مع الولايات المتحدة الامريكية والغرب ولا سيما ايجاد موطئ قدم لها في العراق الذي يُعد ضمن مجال النفوذ الامريكي في منطقة الشرق الاوسط منذ عام 2003 . هذه الازمة دفعت نوري المالكي الى التوجه صوب روسيا للتزود بالأسلحة التي تحاجها في مواجهة جماعات الثوار والتنظيمات المحاربة معها ، وبالمقابل كانت روسيا الاسرع استجابة للاستفادة الاقتصادية والحصول على مكانة سياسية بالتعامل مع الازمة ، فضلاً عن التخلص من الاسلحة والطائرات القديمة ببيعها الى العراق بأسعار باهضة .


انعكاسات الازمة اقليمياً ودولياً
لا مناص من تأثيرات الازمة العراقية ، لما لها من نتائج وافرازات قد تغير من ملامح جزء مهم من المنطقة ، على العلاقات والتوافقات بين الدول الاقليمية والدولية ، كان اوضحها تصاعد الخلافات والاتهامات بين حكومة المالكي والحكومة السعودية بتحمل المسؤولية لما يحدث في العراق اذ اتهم المالكي السعودية بدعم وتمويل الارهاب في العراق وسوريا وبالمقابل حملت السعودية - أسوة بباقي الدول - حكومة المالكي مسؤولية ما يجري في العراق من اضطهاد للمكون السني واستعداء للأكراد واستئثار بالسلطة وفشل بإدارة البلاد .
هذه المواقف انسحبت على باقي الدول التي تؤثر وتتأثر بالأزمة في العراق ، اذ وقف كل من النظام السوري وايران وروسيا الى جانب حكومة المالكي وساندوها سياسياً وعسكرياً ، بينما تخلت الولايات المتحدة الامريكية عن المالكي وشاطرتها الموقف كل من السعودية وتركيا وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الاوروبي ، حينما دعوا الى ضرورة تشكيل حكومة عراقية جديدة تنال رضا عراقي واقليمي واسع وتزيل الاثار السلبية التي خلفتها حكومة المالكي .
وترى إيران وروسيا بأن الحفاظ على المالكي في السلطة يتضمن بقاء حليف مهم في المنطقة يتيح لهما التأثير والاستفادة من أهم دول المنطقة وهو العراق وبقاءه تحت دائرة نفوذهما ولا سيما بعد تخلي الإدارة الأمريكية عن المالكي الأمر الذي يضمن انضمامه بشكل اكبر الى محورهما في المنطقة ، فضلاً عن ذلك فإن بقاء المالكي في السلطة وتحقيقه الانتصار على الجماعات المسلحة يساهم بشكل كبير في مساعدة نظام الأسد في سوريا إذ يتعرض لنفس ما يتعرض له المالكي ، فيُقوي التحالف القائم بين بغداد – دمشق – طهران – موسكو ويضعف الجماعات المسلحة التي أصبحت تتنقل وتنقل الأسلحة والمعدات عبر الحدود السائبة بين العراق وسوريا ، كما سيتم توجيه الجماعات والمليشيات الشيعية من العراق الى سوريا للقتال الى جانب قوات الأسد في حال حسم الأمر لصالح المالكي .
وبالمقابل فإن الإطاحة بحكومة المالكي وتشكيل حكومة جديدة تشارك فيها المكونات العراقية المختلفة وتحظى بقبول عربي وإقليمي ، وهو التوقع الأرجح في ظل المعطيات الراهنة ، قد يؤدي الى إعادة تفعيل العلاقات العراقية – العربية وإعادة التوازن بالعلاقة مع تركيا وإيران والاتجاه صوب الولايات المتحدة الأمريكية والغرب على حساب روسيا .
كل هذهِ الأمور من الممكن أن تؤدي الى إعادة رسم العلاقات العراقية – الإقليمية والدولية بشكل جديد يختلف عما كانت عليه في السنوات السابقة .
وفي ظل هذا المشهد فأنه سيكون هنالك فرصة كبيرة لدعم الجماعات المعارضة السورية لا سيما الجيش الحر والقوى السورية المعتدلة في مواجهة قوات الأسد بعد منع الدعم الإيراني عبر الأجواء العراقية والسيطرة على المليشيات والحركات الشيعية العراقية التي تدعمها إيران وتدفع بها الى الصراع في سوريا مما يزيد من فرصة الإطاحة بنظام الأسد في سوريا وانهاء محور التحالف العراقي – السوري – الايراني – الروسي ويُعيد شكل العلاقات والتحالفات في عموم منطقة الشرق الاوسط .

اخر الأخبار