هذه هي أميركا؟

تابعنا على:   09:46 2013-11-03

الياس الديري

أوائل العام 1954 وصلت الى مرفأ بيروت سفينة أميركيَّة حربيّة، غادرها فور رسوِّها فريق من الرجال المتساوين في الطول والعرض واللباس، وحتى في الوجوه والابتسامات التي تشبه الأزياح المتناهية في الدقة.
طنطنت بيروت، والصحف الناصرية بصورة خاصة، محذِّرة من "احتلال أميركي بالتقسيط" يقوده خلسة ويشرف عليه من واشنطن وزير الخارجية الأميركي جون فوستر دالاس.
فكانت "النقطة الرابعة" أولى الثمار. ثم فتح دالاس خلال مؤتمر صحافي "الباب السرّي"، ليغادره للحال "مشروع ملء الفراغ"... الذي أقام دنيا العرب ضدّه ولم يقعدها. في الوقت نفسه كان الرئيس جمال عبد الناصر يهيّئ الشعوب العربيّة لانتفاضة "ضد الاستعمار الغربي".
لم يهدأ الغليان في العاصمة اللبنانيَّة. ولم يتمكَّن الدكتور شارل مالك، نجم إعلان حقوق الانسان، من تهدئة الخواطر وادخال الطمأنينة الى نفوس القلقين، بقدر ما ضاعف البلبلة تعيينه وزيراً للخارجيَّة بلفتة مسيَّسة من الرئيس كميل شمعون الذي أوصله كلام التجديد، وأوصل لبنان معه، إلى صيف الدم والثورة الحمراء.
فجاء الأسطول السادس ورَسَت بواخره صوب الجناح، وخسر التجديد الرهان. وانتُخب اللواء فؤاد شهاب رئيساً. وتمَّت الوحدة بين مصر وسوريا. واختفت النقطة الرابعة والخامسة...
هذه المقدمة غير الموجزة فرضتها تقلَّبات الطقس العربي، بصورة عامة، ضد إدارة الرئيس باراك أوباما والسياسة الأميركية في المنطقة، أو "اللاسياسة" التي تنتهجها واشنطن تحت "شعار خالد": لا صداقة دائمة بل مصلحة دائمة.
ربما على هذا الأساس بنت المملكة العربية السعودية موقفها الاعتراضي الغاضب والرافض للتوجَّهات الأميركيَّة الأخيرة في المنطقة، والتي أثارت في الوقت نفسه ضجة ونقمة صريحة في دول الخليج لا تقل حدّتها عن حدّة الغضبة السعودية.
"هذه هي أميركا"، قال الدكتور شارل مالك للرئيس شمعون وهو يسائله ويعاتبه على كل ما سمعه منه وحصل عكسه.
الآن، ومنذ أسابيع، تواجه هذه الأميركا ذاتها سيلاً عارماً من الاحتجاج والاستنكار، مصدره أقرب حلفائها اليها.
لقد اكتشف بعض رؤساء دول الاتحاد الأوروبي أنهم موضوعون هم وتلفوناتهم المحمولة والثابتة والمتحركة تحت مراقبة دائمة من لدُن "الأن إس آي". وأربعاً وعشرين ساعة على أربع وعشرين.
طار عقل المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل، ولم يصدِّق الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند ما يسمع ويقشع، ولا استطاع رئيس الحكومة الاسبانية ماريانو راخوي أن يستوعب ما اعتبره "فضيحة تاريخيّة"، وسابقة تنذر بتدمير العلاقات بين الدول كافة.
ناهيك بموقعي غوغل وياهو وسواهما، وبالسبعين مليون فرنسي والسبعين مليون إيطالي الموضوعين تحت المراقبة. هذه هي أميركا، قال مالك لشمعون! والخير لقدّام.

عن النهار اللبنانية