مرسي في القفص

تابعنا على:   09:42 2013-11-03

جلال عارف

 أيام حاسمة قبل مثول الرئيس المعزول مرسي أمام المحاكمة، في أولى القضايا المتهم فيها، وهي قضية قتل المتظاهرين في أحداث "الاتحادية"، في ديسمبر الماضي. الأيام السابقة للمحاكمة كانت سباقاً بين تصعيد الإخوان وحلفائهم للإرهاب الذي يمارسونه، وبين جهد أجهزة الأمن في مواجهة تلك المخططات.
وفي هذا الإطار لم تكن الضربة القاصمة بالقبض على القيادي عصام العريان هي الوحيدة. كان هناك أيضاً القبض على مرتكبي جريمة كنيسة العذراء بالوراق، والقبض على العديد من الخلايا الإرهابية من بينها واحدة، كان يقودها "الجهادي" القديم نبيل المغربي، أحد المتهمين في قضية اغتيال السادات، الذي خرج من السجن عام 2011، بعفو رئاسي(!)، ليعاود نشاطه، مستغلاً خبرته القديمة..
حيث عمل في المخابرات في بداية حياته العملية، ثم انتقل لعدة أعمال قبل أن ينضم لتنظيمات السلفية الجهادية. يعرف الإخوان جيداً رمزية وجود المعزول مرسي في قفص الاتهام، لكنهم يعرفون أيضاً خطورة هذا الطريق..
وما يمكن أن يكشف عنه من حقائق وفضائح لن تمسهم وحدهم، بل ستمس قوى أخرى في الداخل والخارج. وربما كان هذا وراء المحاولات الهستيرية والضغوط، التي مارستها أميركا وأوروبا ودول أخرى في المنطقة وخارجها من أجل الإفراج عن مرسي، أو على الأقل عدم تقديمه للمحاكمة. لم يكن يتعلق بشخص مرسي، فقد كان "الإخوان" مستعدين للتضحية به قبل 30 يونيو، إذا كان ذلك سيضمن بقاء الحكم في يدهم، وكانوا مستعدين أيضاً للتضحية به بعد 30 يونيو، إذا كان ذلك سيضمن لهم صفقة معقولة، لكن الأمر كان يتعلق برمزية وجود مرسي في قفص الاتهام.
القضية التي سيحاكم فيها مرسي، تتعلق بأحداث الاتحادية، التي كانت بداية السقوط الحقيقي لحكم الإخوان، الذين فوجئوا بثلاثة أرباع مليون مواطن، يحاصرون قصر الرئاسة في هذا اليوم المشهود من ديسمبر الماضي..
ولو كانوا يريدون اقتحام القصر لفعلوا بكل سهولة، لكنهم تظاهروا وأعلنوا غضبهم ورفضهم للإعلان الديكتاتوري الذي كان مرسي قد أصدره ليجمع كل السلطات، ويعطل القضاء، ويحصن جمعية الدستور الباطلة، ومجلس الشوري الأكثر بطلاناً. في اليوم الثاني لبداية أحداث الاتحادية كانت المأساة، حين دفع الإخوان بالميلشيات التابعة لهم، لمهاجمة المتظاهرين المسالمين.
وعلى وقع الهتاف بأنهم "رجالة مرسي في الميدان"، ارتكبت هذه الميلشيات مذبحة مشينة، سقط فيها العديد من الشهداء من بينهم شهيد الصحافة المصرية الشاب الرائع الحسيني أبو ضيف، الذي لم يكتف الإخوان بقتله، بل حاولوا الكذب بأنه إخواني، قتله الفريق الآخر، بينما الكل يعلم أن الحسيني، رحمه الله، كان إحدى القيادات الناصرية الشابة المخلصة لعقيدتها ولوطنها. مع القتل كانت هناك "حفلة تعذيب"، لمن اعتقلوهم من المتظاهرين.
وكانت المرة الأولى التي يتم فيها التعذيب على مدخل قصر الرئاسة ، ورغم أن مرسي أعلن بنفسه، قبل التحقيقات، أن من قبض عليهم اعترفوا بجريمتهم وبمن حرضوهم ودفعوا لهم، وكان فصلاً جديداً من الفضيحة التي تكشف أن الحكم كان يتصرف بمنطق "العصابة"، وليس بمنطق الدولة!
تورط مرسي المباشر تكشفه شهادة وزير الداخلية السابق أحمد جمال الدين الذي رفض الأوامر باستخدام القوة ضد المتظاهرين أمام قصر "الاتحادية"، وفقد منصبه بعد ذلك. وتكشف شهادة أخرى لقيادات في الحرس الجمهوري، الذين تمسكوا بأن دور الحرس، يقتصر على حماية القصر الرئاسي، وأنهم لن يخرجوا إلي الشارع لمواجهة المتظاهرين..
كما أراد الرئيس المعزول. ومع ذلك كله، ومع العقوبة المشددة إذا ثبتت هذه الوقائع، فإن القضية ليست هي الأخطر في ملف الاتهامات ضد المعزول مرسي، فهناك قضية التخابر مع جهات أجنبية قبل ثورة يناير، والتخطيط لاقتحام السجون ومراكز الشرطة، حيث وقع العديد من الضحايا، والجدير بالذكر هنا أن النيابة قد أدخلته متهماً في هذه القضايا قبل عزله، وأن هناك حكماً قضائياً قد صدر بهذا الشأن قبل 30 يونيو!
وهناك الأهم والأخطر في أثناء العام الأسود من حكم الإخوان، وهو ما يتعلق، أولاً، بالتنسيق مع جماعات الإرهاب، وإخراج قيادتها من السجون أو السماح لها بالعودة من الخارج، بعد العفو عنها، ثم ترك المجال لها للتمكين في سيناء، وتقييد حركة القوات المسلحة والشرطة في متابعتها، ثم التنسيق معها ضد حركة الشعب في 30 يونيو، وما كان أن يحدث من مذابح لولا تدخل الجيش وانحيازه لإرادة الشعب..
وإنهاء حكم مرسي. وهناك، ثانياً، ما يتعلق بالصفقات السرية وما تضمنته من تفريط باستقلال الوطن والمساس بوحدة أراضيه مقابل دعم حكم الإخوان، واستعدادهم للمساعدة على تنفيذ المخطط الأمريكي لإعادة رسم خريطة المنطقة جغرافياً وسياسياً، وأظن أن هذه هو الملف الأخطر الذي يتوقف الكشف عنه على عوامل عديدة لا تتعلق فقط بمصير مرسي أو الإخوان، بل بعلاقات مصر بالعديد من الأطراف الدولية والإقليمية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية، وما إذا كانت ستواصل موقفها العدائي من شعب مصر وثورته التي أسقطت حليفاً، راهنوا عليه و خسروا الرهان !
ربما يفسر ذلك الجهد الهائل الذي بذلته واشنطن وعواصم أوروبية كبيرة من اجل الإفراج عن المعزول مرسي، أو على الأقل عدم محاكمته! وربما يفسر أيضاً تشجيع هؤلاء للإخوان وحلفائهم للاستمرار في الضغط على الحكم الحالي في مصر، حتى وإن غامرت هذه العواصم بأن تقف مع الإرهاب في صف واحد!
وربما يفسر ذلك هذا الهوس الذي يصيب الإخوان وحلفاءهم كلما اقترب موعد المحاكمة. عاشت الجماعة طوال تاريخها، وهي تجيد الهروب من المسؤولية عن الأخطاء أو الجرائم. لم تعترف يوماً، بصورة رسمية، بما اقترفته في حق الوطن، اعتصمت بالسرية دائماً، وناورت بأن تنظيماته الخاصة التي تعمل في الخفاء لا تلتزم أحيانا بالتعليمات(!) مشكلة الجماعة الآن أن وصولها للحكم وضعها في بؤرة الضوء..
وأن استقواءها بالخارج جعلها تتجاوز كل المحظورات، وأن صدامها مع الشعب، جعلها تفقد التوازن وتضيع البوصلة. وتعرف الجماعة الآن أن وجود مرسي في قفص المحاكمة لا يعني نهاية حاكم سقط بالفعل، بل يعني نهاية جماعة، استطاعت على مدى السنين، ومع تعدد الأخطاء والجرائم، أن تقاوم السقوط. نهاية مؤلمة و لكنها محتومة!
عن البيان الاماراتية

اخر الأخبار