مستقبل النظام العالمي الحالي بعد جائحة فايروس كورورنا

تابعنا على:   19:38 2020-04-08

د. إياد مسعود رابعة

أمد/ منذُ شهرٍ وعلماءُ الاجتماعِ والاقتصادِ والمفكرون الاستراتيجيون والسياسيون يدرسون تأثيرَ جائحة كورونا على مسارِ الإنسانيةِ ، ولا يزالون في مدارِ التساؤلاتِ والتوقعات... ماذا سيبقى من النظامِ العالميِّ الحاليّ؟ أيُّ نظامٍ جديدٍ سيولَدُ؟ هل تدخلُ البشريةُ في حالةِ انهيارٍ نفسيٍ أم تتخطى هواجسَها؟ هل يؤدي هذا الاختبارُ الكونيُّ إلى بروزِ زعماءَ على مستوى التاريخِ؟ وهل سيولَدُ نظامٌ عالميٌ جديد؟ ام سينتقل هذا العالم من احادية القطبية الى ثنائية القطبية؟ وهل سيتم إعادة رسم العلاقات بين الدول بعد هذه الازمة العالمية؟

وهنا لا يخفى على أحدٍ أن هناك أحداثاً تاريخيةً عرفَتْها البشريةُ غيّرتْ مجرى التاريخِ وموازينَ القوى كالحربِ العالميةِ الثانيةِ والتي خُتمتْ بالقنبلةِ الذريةِ التي أُلقيتْ على مدينتيْ نجازاكي وهورشيما اليابانيتينِ ، وأدت إلى هيمنةِ الدولتينِ الكبريينِ الاتحادِ السوفياتيِّ والولاياتِ المتحدةِ الأميركيةِ على النظامِ العالميِّ ، وتراجعتْ بريطانيا وفرنسا عن عرشِ قيادةِ العالَمِ ، واندثرتْ كلٌّ من ألمانيا واليابان وإيطاليا ، وأدى ذلك إلى تقاسمِ قيادةِ العالَمِ بين القوتينِ أو الدولتينِ الكبريينِ وبناءِ نظامٍ عالميٍ يخدمُ مصالحَهُما فقط سرعانَ ما أصبح هذا النظامُ بعدَ عامِ ألفٍ وتسعِمئةٍ وتسعين تحتَ قيادةِ الولاياتِ المتحدةِ نتيجةَ انهيارِ الاتحادِ السوفياتيِّ والمعسكرِ الشرقي.

 يأتي ذلك في ظلِّ تحولاتٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ كان أهمَّها صعودُ دولٍ مثلَ اليابان وألمانيا وأخيرا الصين نحوَ التطورِ الاقتصاديِّ والعلميِّ والتقنيِّ ومحاولاتُ الانفكاكِ من الهيمنةِ الأميركيةِ على الاقتصادِ العالمي.

فما يمكنُ الحديثُ حولَ جائحةِ كورونا أنها أثبتتْ لنا نحن البشرَ :

 - ان الدولُ العظمى تتصرفُ بكلِّ أنانيةٍ ولا تراعي إلا مصالحَها.

 - ان العالَمُ لن يكونَ كما كان عليه وسوف ينقسمُ التاريخُ إلى ما قبلَ الجائحةِ وما بعدَها.

- تصميمُ العالَمِ الذي صنعناه وعايشناه غيرُ مؤهَّلٍ لمحاربةِ عدُوٍّ يستهدفُ الإنسان.

- العالَمُ مصمَّمٌ للدفاعِ عن الأشياءِ حتى لو تمَّ سحْقُ الإنسان.

- ان أكثرُ ما يقلقُ الإنسانَ ليس  الموتَ بل الخوفُ من المجهول.

في تقريرٍ نشرتْهُ مجلةُ فورين أفيرز الأميركيةُ قالت فيه إن «وباءَ كورونا قد يودي إلى إعادةِ تشكيلِ النظامِ العالميِّ حيث تناورُ الصين من أجلِ قيادةِ العالمِ في الوقتِ الذي يتداعى فيه دورُ الولاياتِ المتحدة». الكسندر فوتشيتش الرئيسُ الصربيُ في تصريحٍ له أكد بصراحةٍ على أن التضامنَ الدوليَ والأوروبيَ غيرُ موجودٍ ، مراهناً على تضامنِ الصين مع صربيا فهل الصين ستقودُ العالمَ خلالَ المرحلةِ القادمةِ فلنسمعْ ماذا قال الكسندر في هذا الشأن.

ليس هذا فحسبُ بل الاتحادُ الأوروبيُ طلبَ المساعدةَ من الصين وقالت رئيسةُ المفوضيةِ الأوروبيةِ أورزولا فون دير لاين في رسالةٍ عبرَ الفيديو على موقعِ «تويتر» إن رئيسَ الحكومةِ الصينيةِ لي كه تشيانغ وعدَهَا بتزويدِ الاتحادِ بمعداتٍ طبيةٍ في محادثةٍ هاتفية، وفي يناير الماضي من هذا العامِ كان الاتحادُ الأوروبيُ قد أزودَ الصين بمعداتٍ طبيةٍ مع بدايةِ تفشي الأزمةِ ، واليومَ تقولُ فون دير لاين: «اليومَ يتضامنُ معنا الصينيون الذين يتجاوزون الصعوباتِ التي واجهتم ، كما تضامَنّا معهم».

في تقاريرَ اقتصاديةٍ تشيرُ إلى تحوّلِ وتغير في مركزِ الثِقَلِ الاقتصاديِ (أربعةٍ وعشرين مليارا وستِّمئةِ مليونِ دولارٍ فائضِ تجارةِ الصين مع أميركا ... وارتفاعِ وارداتِ الصين من النفطِ إلى خمسةٍ وأربعين مليونا وسبعِمئةِ ألفِ طن)،، وأشار تقريرٌ آخَرُ تحتَ عنوان «العالَمُ في ألفين وثلاثين... اتجاهاتٌ وتحولاتٌ وفرصٌ وتحديات» ، صادرٌ عن المنتدى الاستراتيجيِّ العربيِّ ، إلى حدوثِ تحوُّلٍ طويلِ الأجلِ في مركزِ الثقلِ الاقتصاديِّ عالمياً. وقال التقريرُ ، إن «اقتصادَ جمهوريةِ الصين الشعبيةِ يُعدُّ أكبرَ اقتصادٍ في العالَمِ من حيث تعادلِ القوةِ الشرائيةِ ، وإذا ما استمرتْ الاتجاهاتُ الحاليّةُ ، فمن المرجّحِ أن يتجاوزَ اقتصادُها الولاياتِ المتحدةَ على أساسِ أسعارِ الصرفِ الحقيقيةِ في غضونِ عشرِ سنوات» ووفقا لإحصائيةٍ تُعتبرُ الصين أكبرَ دولةٍ تجاريةٍ ، وأكبرَ مصدِّر،ٍ وثانيَ أكبرِ مستوردٍ في العالَمِ حيث تُصدِّرُ أربعةَ عشرَ في المائةِ من إجماليِّ السلعِ العالميةِ ، في حين تستوردُ عشرةً في المائةِ من مجملِ الوارداتِ العالمية. وبحلولِ عامِ ألفين وخمسين وحسبَ تقديراتِ المؤسسةِ الاستشاريةِ العالميةِ «برايس ووترهاوس كوبرز» قد تشكِّلُ الصين وحدَها عشرين في المائةِ من الناتجِ المحليِّ الإجماليِّ العالميِّ ، في حينِ ستشكِّلُ الهند خمسةَ عشرَ في المائةِ منه ، والولاياتُ المتحدةُ اثني عشرَ في المائةِ ، والاتحادُ الأوروبيُ - في حالِ ظلَّ متماسكاً - تسعةً في المائة. (جرافيك)

كما تؤكد المؤشرات الى قرب نهايةُ هيمنةِ الدولارِ (كترجمةٍ لنوايا موجودةٍ منذُ سنواتٍ لدى كلٍ من الاتحادِ الأوروبيِ وروسيا والصين ودولٍ أخرى) وكانت موسكو قد بدأتْ خطواتٍ هامةً للتخلي عن الدولارِ مع شركائِها في بعضِ التكتلاتِ الدوليةِ حيث تستبدل كلاً من الصين وروسيا احتياطاتهما من الدولار بالسبائك الذهبية، كما زادَ الاتحادُ الأوراسيُّ ، الذي يضمُ روسيا وكازخستان وبيلاروسيا وأرمينيا وقيرغستان من استخدامِ العملاتِ الوطنيةِ وخصوصا الروبلَ الروسيَّ في التجارةِ بين أعضائها لتصلَ حصةُ هذه التعاملاتِ في النصفِ الأولِ من هذا العامِ إلى سبعين في المائة.

 كذلك فعلتْ مجموعةُ بريكس (البرازيل وروسيا والهند والصين وجنوب أفريقيا) التي اتخذتْ خطواتٍ نحوَ زيادةِ التعاملاتِ بعملاتِ الدولِ الأعضاءِ في التكتل. في ديسمبر عامَ ألفين وثمانيةَ عشرَ عقدتْ المفوضيةُ الأوروبيةُ اجتماعا هاماً لدرْسِ خطتِها لتقليلِ هيمنةِ الدولارِ على الاقتصادِ العالميِّ وتعزيزِ دوْرِ اليورو خاصةً في تعاملاتِ الطاقة. جرافيك... ستيل

ويرى التقريرُ أن مؤشراتِ التحولِ ستؤدي لتقليصِ الأهميةِ النسبيةِ لمجموعةِ الدولِ الصناعيةِ السبعِ G7 بصفتِها هيئةً مسؤولةً عن وضعِ معاييرِ الاقتصادِ العالميِّ ، وستؤدي لضعفِ المكانةِ المركزيةِ للدولارِ الأميركيِ بصفتِه عملةً احتياطيةً دولية.

فكلُّ المؤشراتِ والتحليلاتِ السياسيةِ والاقتصاديةِ تشير إلى أن الصين هي الدولةُ الصاعدةُ والمؤهلةُ لقيادةِ هذا العالَم ، وبروزِ قوًى اقتصاديةٍ جديدةٍ وانحسارِ النفوذِ الاقتصاديِ للقوى التقليديةِ ، وتقويضِ مؤسساتِ النظامِ الدوليِّ القائمةِ وبروزِ مبادرةٍ لصياغةِ نظامٍ دوليٍ جديد.

وأمامَ كلِّ هذه المؤشراتِ هل آنَ الأوانُ للنظامِ العالميِّ المرعبِ الذي أنتجتْه قنبلَتَا هيروشيما وناجازاكي وأجسادُ عشراتِ الآلافِ من البشرِ التي أذابَها الانفجارُ النوويُ أنْ يتقاعد. ترى هل يتساءلُ الأوروبيون أنفسُهُم اليومَ عن الحاجةِ للدباباتِ والطائراتِ والرؤوسِ النوويةِ ومصانعِ الأسلحةِ ومدى قدرتِها على الحمايةِ ، في الوقتِ الذي لا يجدون فيه سريراً للاستشفاء؟

ألم يكنْ الأجدى بمصانعِ السلاح  ان تصنع مخزوناً استراتيجياً من اجهزة التنفس ترقباً لاندلاع الحرب مع المرض أسوة بتخزين الصواريخ؟ هل بات يشعرُ الأوروبيُ بما يشعرُ به نظيرُه في الخلقِ مثلاً كمعاناةِ الفلسطينيِّ واليمنيِّ والسوريِّ والليبيِّ والسودانيِّ الذي فتكتْ ببلادِه أسلحةُ المصانعِ الغربيةِ وتُرِكَ محاصَراً وحيداً ليواجهَ وباءَ الكورونا دونَ ناصرٍ أو معين؟

التاريخُ.. سِجلُّ الحياةِ ووقائعِها.. ووصْفٌ لأحداثِها، وما جرى فيها.. وهو كثير. ما من يومٍ يمرُ إلا ويحملُ بين طياتِه العديدَ من الأحداث، وهذا ما يصوِّرُه الشاعرُ في قولِه:" والليالي من الزمانِ حُبالَى .. يلدْنَ كلَّ عجيبة " تلك الأحداثُ التي تتفاوتُ من حيث أهميتِها وجسامتِها وتأثيرِها .. فهناك من الأحداثِ التي أثّرتْ بطريقٍ مباشرٍ وغيرِ مباشرٍ في مجرى الحياة.. فقامت بسببِها الحروبُ، وانقسمتْ دولٌ، واتحدتْ دولٌ أخرى.. عُلّقَ عظماءُ في أحبالِ المشانقِ وقفَزَ صعاليكُ إلى سُدَّةِ الحكم.. بادتْ ممالكُ وسادَتْ أخرى.. إمبراطورياتٌ أفلَ نجمُها، وأخرى سطَعَ نجمُها وبسطتْ نفوذَها.. وهكذا الحياةُ لا استقرارَ لأحداثِها فهي لا تدومُ لأحدٍ، وإنما هي دُولٌ ترفعُ أقواما وتضَعُ آخَرين.. فالتاريخُ يعطي بعضَ العِبَرِ للعالَمين.. فهل من مُتَّعِظ ؟ ! وهل ستَقبلُ أمريكا أن تقودَ الصين هذا العالَم؟

اخر الأخبار