فيروس كورونا عالميا وشرق أوسطيا

تابعنا على:   11:35 2020-04-06

أمد/ يجب هيكلة النظام الدولي بشكل يجمعنا ويحمينا من دون أن نغفل مسؤوليتنا تجاه الآخر

في نهاية الأسبوع الماضي تجاوز عدد المصابين بفيروس كورونا المُستجد مليون نسمة، ووصلت الوفيات إلى ما يزيد على 50.000، وهزَّت الأحداث نمط الحياة الطبيعية التي اعتدناها، فلعله من المناسب التطرُّق إلى الاحتمالات المستقبلية الواردة بعد تجاوز الأزمة، وتلك التي يجب أن نتطلع إليها بعد دروس هذه التجربة القاسية، مع الأخذ بالاعتبار بعض تداعياتها المختلفة، خصوصاً على الشرق الأوسط والعالم العربي.

العودة مرة أخرى إلى الوضع الدولي المعاصر، الذي شُكِّل في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وكان يواجه تحديات التعامل مع معدلات التغيُّر السريع لعصر العولمة بدرجات متفاوتة من النجاح، نظراً إلى تطوّر وتغيُّر الخريطة المجتمعية والسياسية والأمنية والاقتصادية، هي احتمالٌ وخيارٌ غير منطقيّ وغير مجدٍّ.

وأتطلع وآمل أن ينتهي المجتمع الدولي إلى الخيار الثالث في نهاية المطاف، بعد المرور بمرحلة التعامل مع الموقف بانعزالية، بل حتى بين الحين والآخر حتى داخل الدولة الواحدة، الذي لم يكن غريباً أو مستغرباً، وهو موقفٌ مؤلمٌ كثيراً، فرضته الظروف والأخطاء السابقة.     

وإذ أرحّب بهذه الخطوة والدعم المالي المعلن، فأكثر ما رحبتُ به كان الإشارة إلى "التداعيات الاجتماعية"، بل بالتعامل معها على حد السواء مع التداعيات الاقتصادية والمالية، لقناعتي أنّ أهم وأخطر مشكلات عصر العولمة الذي نعيشه، هو غياب "الضمير الاجتماعي" لذلك العصر، وفي تعامل المستفيدين منه، والتركيز المبالغ فيه على الجانب المادي، وهو قصورٌ خطيرٌ وعميقٌ، لم نلحظه كافياً إلا بعد الدرس القاسي لفيروس كورونا الجديد. والآن عَلِم الكبيرُ قبل الصغيرِ أن العالم مترابط ومتكامل، وأن النظرة الشمولية هي طريق النجاح للتصدي للأزمة في الأمد القريب.

والاحتمال الثاني هو الإسراع في إجراءات لإبطاء معدلات العولمة، لصالح إجراءات وطنية تارة ومحلية تارة أخرى، بالتركيز على القضايا والتحديات والمصالح القصيرة الأجل و"الانعزالية"، مدفوعين بالضغوط الآنية، وهو خيارٌ محكومٌ عليه حتماً بالفشل، لأن عصر العولمة وتكنولوجياته لا يتّسق مع الانعزالية الطويلة الأجل، كما أنّ التحديات العالمية مثل الأوبئة أو التغيّر المناخي أو حتى الاقتصاد العالمي لا تتعثر طويلاً أمام الحواجز أو تقف طواعية عند الحدود.

والحمد لله، شهدنا أخيراً، وبعد تأخّر لا مبرر له، بوادر تغيّر في نمط التعامل الدولي بين المسؤولين والتجمّعات والدول، فتحدّث الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن خطورة الفيروس على المجتمع الدولي بأكمله، وضرورة التصدي إليه جماعةً.

ورجّح صندوق النقد الدولي أن ينكمش الاقتصاد العالمي خلال العام الحالي، وأصدرت منظمة العمل الدولية تقريراً يتضمّن أن الخسائر الاقتصادية ربما تصل إلى 3.4 تريليونات دولار هذا العام، وأعلنت مجموعة الـ20 التي تشمل أقوى اقتصادات العالم بعد اجتماعها عبر الوسائل الإلكترونية، برئاسة عربية للملك سلمان بن عبد العزيز آل سعود أنها ستضخ 5 تريليونات دولار أميركي في الاقتصاد الدولي، وتتخذ إجراءات محددة وموجهة لتوفير برامج للتصدي إلى التداعيات الاجتماعية، والاقتصادية، والمالية لفيروس كورونا بالتعاون مع المنظمات الدولية المعنية.

والخيار الثالث هو الاستفادة من التجارب المتعددة والمشتركة لتحدي فيروس كورونا الجديد، لإعادة هندسة النظام الدولي بقوانينه، ومؤسساته، وبروتوكولاته، بحيث يكون أكثر توافقاً مع عالمنا المعاصر في القرن الـ21، وهو البديل الأكثر طموحاً، إنما الأصعب تحقيقاً، لأنه يفترض التغيّر في مفاهيمنا السياسية والمجتمعية والاقتصادية.

والمبدأ الأساسي الحاكم في الخيار الثالث هو ضرورة النظر "بمفهوم شامل وتكاملي" للقضايا، بما يعني التعامل مع جوانبها الاجتماعية بنفس قدر تعاملنا مع الاعتبارات الاقتصادية أو الأمنية أو السياسية، ومراعاة ظروف ومصالح المنظومة الدولية عموماً وداخل الدولة الواحدة وبمختلف فئاتها.

لم يفرِّق الفيروس الجديد بين الدول العظمى حينما أصاب الولايات المتحدة والصين وبشدة، أو الغنية فلم يرحم إيطاليا أو إسبانيا أو حتى سويسرا وفرنسا، وأصاب أنظمة مختلفة وبعنف مثل إيران، وتوجد مؤشرات كثيرة أنّ معدلات الإصابات أو تداعياتها في تصاعد في أفريقيا. وتتلخص الاحتمالات أساساً في ثلاث.

ولعلي أضيف وبصراحة كاملة، أنّ حدة التحدي الذي شكّله فيروس كورونا الجديد، ومدة استمرار هذه الجائحة، هما اللذان سيحكمان ويحسمان تحرّكنا وتصرّفاتنا، وهل ننتهي إلى الخيار الأول القصير النظر، الذي لا يتماشى مع الواقع الدولي، أو مزيج من الخيارات الأخرى الأكثر واقعية وحكمة.

وآمل أن نستخلص من هذه التجربة الأليمة، أن علينا إعادة هيكلة بناء النظام الدولي المعاصر، بشكل يجمعنا ويحمينا، ويعطي لكل صاحب حق حقه، من دون أن نغفل مسؤوليتنا نحو الآخر، سواء أكان ذلك عبر الحدود والقارات أو من طبقات اقتصادية أقل وفراً وثراءً، والثقافات والمجتمعات المتعددة عبر المعمورة.

إن صحة الإنسان هي أوّل الأولويات التي يجب أن نضعها بالاعتبار في التعامل مع فيروس كورونا عالمياً وإقليمياً بين دول الشرق الأوسط خصوصاً. الكل لم يتعامل مع الفيروس سريعاً، وبشكل احترازي كافٍ في المرحلة الأولى من المواجهة، وما صعّب التحدي بشكل خاص في الشرق الأوسط فالبعض لا يتوافر لديه نُظم طبية متقدمة، مثل العراق وسوريا واليمن، والبعض تأخّر في إجراءاته الاحترازية مثل إيران، وأعجبني توفير دولة الإمارات مساعدات إنسانية لبعض هذه الدول رغم الاختلافات السياسية القائمة.

وأشهد أنه في طريق عودتي من الهند في النصف الأخير من فبراير (شباط)، اُستقبلت بإجراءات احترازية دقيقة وسريعة في مطار القاهرة، لم أشهدها في مطار دلهي حينذاك أو مطار الترانزيت، وهو أمرٌ سعدتُ وفخرتُ به، وأرجو أن تستمر تلك الجهود وغيرها داخل مصر وفي دول عربية شقيقة أخرى، لتنجح في التصدي إلى المخاطر والتحديات الصحية.

ويجب أن تحظى التداعيات الاقتصادية بالاهتمام المبكّر، بعضها نتيجة لوقف أو تخفيض النشاط التجاري والاقتصادي عالمياً وإقليمياً، بما في ذلك على منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، التي تواجه الآن صدمة اقتصادية من آثار الإغلاق الاقتصادي الكوروني والانخفاض الشديد في سعر البترول بنسبة تجاوزت الـ50 في المئة خلال أشهر معدودة، وسيترتب عليهما انكماشٌ سوقيٌّ، وانخفاض في الإيرادات المتاحة للحكومات والقطاع الخاص، ومن النتائج المباشرة السريعة أيضاً رفع معدلات البطالة، خصوصاً في الدول التي تعتمد على اقتصادات توظيفية، مثل السياحة التي انكمشت أكثر من 80 في المئة، أو الأسواق التجارية الجزئية، ستكون للتداعيات الدولية والإقليمية أثرٌ في إيرادات الدول عموماً، وبما في ذلك البترولية، ما يضع ضغوطاً إضافية في تسديد الديون الخارجية خلال عام 2020 التي ستصل إلى 35 مليون دولار.

هذا وستتأثر كذلك دول المنطقة المصدرة السلع والمنتجات، نتيجة لانخفاض الحاجات والقدرات الاستيرادية لأسواقها الخارجية، وبما قد يحدّ من قدرتها على تشغيل مصانعها، لتوفير المنتجات والسلع المطلوبة للتصدير، في ظل الظروف والإجراءات الاحترازية القائمة، ويُنتظر أن نشهد انخفاضاً وانكماشاً في معدلات النمو الاقتصادي لعددٍ من دول المنطقة، خصوصاً إذا امتدت الظروف الحالية، وهو ما صرّحت به المؤسسات الدولية، وكذلك وزيرة التخطيط المصرية منذ أيام معدودة، ويجب أن لا نفاجأ إذا شهدنا هروباً لبعض الاستثمارات الأجنبية والمحلية إلى مناطق أخرى أقل تعرضاً للتداعيات الاقتصادية، ويشير بعض التقارير إلى خروج أكثر من بليوني دولار أميركي من الشرق الأوسط منذ شهر فبراير (شباط).

وفي سياق التعامل الإنساني والاستراتيجي مع الأوضاع الحالية، على القيادات السياسية بالمنطقة وعالمياً اتخاذ عدة خطوات في آن، أولاها مزيدٌ من الإنفاق على الرعاية الصحية، لتمكين الأوطان من التعامل مع أهم الأولويات، وهي صحة الإنسان، على المستوى الوطني وعبر العالم في المناطق الأكثر تضرراً، فلن نستطيع العودة حتى إلى فتح الحدود والتبادل السلعي من دون كبح جماح الفيروس جوهرياً.

والخطوة الثانية الواجب اتخاذها، ولها طابعٌ اقتصاديٌّ، هي العمل على تجنُّب دخول العالم في مرحلة ركود اقتصادي ممتدة، وبإجراءات عامة مثل توفير الحكومات مزيداً من الموارد، وتسهيلات من البنوك لتخفيض العبء الاقتصادي، فضلاً عن إجراءات موجّهة، تستهدف الفئات والطبقات الأكثر تضرراً من الأوضاع، من خلال الإعفاءات الضريبية والدعم النقدي الموجه، واتخذ كثيرٌ من دول المنطقة خطوات في هذا السبيل، لإعادة جدولة الديون على الشركات والأفراد.

وإذا شهدنا انكساراً في حدة الأزمة الفيروسية، بما يسمح ذلك بتخفيض ما تطلبه من ترتيبات احترازية، يجب النظر في بعض الخطوات الاقتصادية التقليدية لتنشيط اقتصادات المنظمة، مثل الإنفاق على البنية الأساسية.

وغنيٌّ عن القول، إن مؤسسات المنظومة الدولية يجب أن تلعب دوراً رئيساً في دعم قرارات الدول في تخطي العقبة والأزمات الحالية، ولمنظمة الصحة العالمية الدور الرئيس في المجال الطبي والصحي، كما يمكن لصندوق النقد الدولي العمل مع الدول لبلورة السياسات الملائمة، وتوفير الدعم المالي الضروري في هذه الظروف الصعبة.

وهيا بنا نعمل سوياً برؤية جديدة وشاملة وتكاملية، نتعامل فيها بكل جدية مع التحديات في عصر العولمة النشط والثري بأفكاره وفرصه، والذي يحمل أيضاً في طياته مخاطر جمّة، إذا سقطنا في فخ الطمع والنظرة القصيرة الأجل وانحياز إلى المصلحة الذاتية على حساب الغير، نتطلع إلى عصر اليقظة والحكمة والضمير الاجتماعي الذي يوفّر مستقبلاً أفضل للجميع.