كورونا يرسم ملامح نظام دولي جديد ..!

تابعنا على:   12:14 2020-04-05

د. عبدالرحيم جاموس

أمد/ لن تمر جائحة وباء كوفيد19 (كورونا) على العالم ونظامه القائم مرور الكرام، فالحرب العالمية الأولى غيرت وجه العالم فانهارت امبراطوريات ونشأت دول جديدة على اثرها ونتج عنها نظام دولي جديد انبثق عنه عصبة الأمم، وكذلك الحرب العالمية الثانية كان من نتائجها انهيار نظام دولي ليحل مكانه نظام دولي جديد انتج هيئة الامم المتحدة وتقدمت دول لتحل مكان دول في مكانتها الدولية في (ما عرف بسياسة الإحلال وملء الفراغ) حيث حلَّت الولايات المتحدة مكان بريطانيا العظمي وكذلك مكان فرنسا...الخ وانقسم العالم إلى معسكرين شرقي شيوعي اشتراكي بقيادة الإتحاد السوفياتي يستند إلى حلف وارسو وغربي رأسمالي ليبرالي بقيادة الولايات المتحدة يستند إلى الحلف الأطلسي وعالم ثالث عبرت عنه حركة عدم الإنحياز والنضال من اجل الإستقلال عن المستعمر.

المنتصرون في كل الحروب، سواء الأولى أو الثانية هم من رسموا خرائط الدول، وارسوا قواعد النظام الدولي وتقاسموا مناطق النفوذ.

اليوم في ظل اكتساح وباء كورونا للعالم جرى الكشف عن حالة الضعف التي تعتري كثير من الدول في مواجهة الوباء وعن ازمة اخلاقية دولية تعتري النظام الدولي القائم بما فيها النظم الإقليمية والقارية المتداعية التي وقفت مواقف العجز امام هذه الجائحة ولم تستطيع ان تقوم بما يفرضه عليها واجب التحالف من جهة والواجب الإنساني من جهة اخرى، خصوصا الولايات المتحدة المتسيدة على عرش النظام الدولي الذي كان مؤملا منها أن تكون في صدارة القيادة العالمية في مواجهة هذا الوباء وان تمد يد العون ان لم يكن لكافة الدول فعلى الأقل للدول الغربية الرأسمالية الحليفة لها ولكنها وقفت عاجزة عن ذلك، بل اظهرت عجزا في المواجهة داخل ولاياتها لهذه الجائحة، والأسوأ من ذلك وجدنا الدول الغربية بما فيها امريكا تتبادل الإتهامات فيما بينها عن حجز الواردات والمساعدات الطبية أو حجبها عن بعضها البعض في سابقة خطيرة لم يسبق لها ان حصلت من قبل ما يكشف عن انهيار اخلاقي دولي بإمتياز.
في حين وجدنا أن جمهورية الصين الشعبية والاتحاد الروسي ودولة صغيرة مثل كوبا وحتى دولة مثل الصومال وغيرها من دول تصنف من دول العالم الثالث استطاعت أن تقدم المساعدات الطبية والوقائية للدول المتضررة مثل ايطاليا واسبانيا والمانيا وامريكا نفسها، فالدور الذي كان متوجبا أن تقوم به الولايات المتحدة بصفتها الدولة الأولى الاقوى والأعظم وصاحبة اكبر اقتصاد، قد قامت به فعلا جمهورية الصين الشعبية وكذلك روسيا، وهنا علينا أن نعود إلى (نظرية الإحلال وملء الفراغ) الذي احدثته جائحة الكورونا وما سيترتب عليه من اعادة لترتيب القوى وما سيتبعه من اعادة تشكيل النظام الدولي وفق الواقع المستجد والذي ستحتل فيه جمهورية الصين الشعبية المكانة الأولى اقتصاديا وعلميا على الاقل أن لم تكن ايضا عسكريا في المدى القريب، فقد سقطت الأحادية القطبية الامريكية الرأسمالية الليبرالية سقوطا ذريعا، ما دعي هنري كسنجر وزير الخارجية الامريكية الأسبق إلى الاعتراف والإقرار أن العالم ونظامه سيتغير بعد كورونا وسيلد نظام دولي جديد محل النظام الدولي القائم، ويتمنى أن يحافظ النظام الدولي الجديد على النظام الليبرالي (والذي مثل اكبر خداع سياسي تاريخي في مصادرة ارادة الشعوب) وقد انكشف امام شعوبه في هذه الازمة انكشافا كاملا واظهر عجزه في حماية الإنسان وصحته وتركه وحده يصارع من اجل حقه في الصحة والحياة، واختار الثروة ورأس المال وتراكم الأرباح على حياة الانسان الذي طالما تغنى بحريته وحقوقه ..!

كخلاصة: نعم العالم سيشهد تغيرا كبيرا سيؤدي إلى ولادة ميزان قوى دولي جديد وبالتالي نظام دولي جديد قد تتبوء فيه جمهورية الصين الشعبية المكانة الأولى وبجانبها قوى اخرى ولن تكون الولايات المتحدة الامريكية سيدة منفردة فيه، كما كان يرسم لها منظروها واستراتجيوها بأن (القرن الواحد والعشرين هو القرن الامريكي بلا منازع).. بل سيكون عالما متعدد الاقطاب ومركز القيادة فيه للشرق وليس للغرب، وسيشهد افول النظام الرأسمالي الليبرالي وادواته ومؤسساته التي احكم قبضته وسيطرته من خلالها على العالم.

وللحديث بقية.

كلمات دلالية

اخر الأخبار