المشتركة رقم صعب

تابعنا على:   15:31 2020-03-29

عمر حلمي الغول

أمد/ إنتخابات الكنيست ال23 الأخيرة مطلع الشهر الحالي (آذار/ مارس) أضافت زخما جديدا للقائمة المشتركة بحصولها على 15 مقعدا، وكرستها كقوة أساسية في المشهد السياسي الإسرائيلي، لم يعد بمقدور أية حكومة القفز عنها، والتغافل عن دورها، حتى لو كانت حكومة وحدة، وأي كانت نزعاتها العنصرية. لإن مكانتها، وثقلها في الخارطة الحزبية والسياسية تستمده من الإلتفاف الجماهير الفلسطينية خلفها، التي منحتها التفويض لتمثيلها، ليس هذا فحسب، بل ان شريحة من المجتمع الإسرائيلي المؤمن بالسلام، والرافض لقانون "اساس القومية للدولة اليهودية"، والمؤيد للمساواة، باتت تدعم توجهاتها، وصوتت لها باعداد متزايدة نسبيا.

صحيح ان سقوط الجنرال غانتس في شرك نتنياهو، وإرتداده إلى حاضنة اليمين المتطرف، وهو بالمناسبة موقعه الطبيعي، شكل صفعة للقائمة المشتركة والقوى الإسرائيلية، التي راهنت للحظة عليه. لكن أقطاب المشتركة لم يفاجأوا بإستدارة بيني، بل كان لديهم الإدراك المسبق، بأن الرجل لا يمكن الرهان عليه. وعندما أوصوا الرئيس الإسرائيلي بتكليفه لتشكيل حكومة الأقلية، كانت ايديهم على قلوبهم. لكن لم تكن توصيتهم به محبة، او مجانية، ولا هي ثقة به، إنما كان إستنادا إلى اتفاق محدد المعالم، تقوم ركائزه على إسقاط نتنياهو، وإخراجه من شارع بلفور، بالإضافة للحصول على العديد من الإنجازات لصالح الجماهير الفلسطينية في الجليل والمثلث والنقب ومدن الساحل المختلطة، منها: إلغاء قانون كامينتس، الأعتراف بالقرى غير المعترف بها في النقب، زيادة الموازانات للمجالس القطرية، إعادة النظر بالخرائط الهيكلية للمدن والبلدات والقرى الفلسطينية، والعمل على إسقاط قانون "أساس القومية للدولة اليهودية"، وودعم خيار السلام على اساس حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967. غير انه عاد إلى حاضنته، وموقعه الأساس كصهيوني يميني، وإنقلب على برنامجه المعلن، وأطلق الرصاص على رأس تحالف "كاحول لافان"، وتخلى عن كتاب التكليف دون مقابل، أو بثمن بخس، وسلم رأسه وحزبه "مناعة إسرائيل" لرئيس حكومة تسيير الأعمال المتهم بثلاث قضايا فساد، وغرق في مستنقع أحابيل بيبي. وهذا الإنقلاب لم يكن مفاجئا لزعماء القائمة، ولا غائبا عن حساباتهم، وسيناريوهاتهم، بل مأخوذا بعين الإعتبار، ولديهم البدائل.

الآن وبعد خلط الجنرال الجبان الأوراق في المشهد الحزبي والسياسي الإسرائيلي ما العمل؟ وماذا سيفعل زعماء المشتركة؟ وما هو السيناريو الواقعي لعمل القائمة في ظل المعطى الجديد؟ وهل تأثر وزن ومكانة القائمة المشتركة سلبا؟ وهل سيسلموا ببقاء تحالف نتنياهو غانتس على سدة الحكم؟ وما هي بدائلهم؟... إلخ من الأسئلة ذات الصلة تدور في اوساط المراقبين للمشهد الإسرائيلي.

من المؤكد كان سيكون وضع المشتركة افضل نسبيا في حال حافظ غانتس على إتفاقه، وفيما لو شكل حكومة أقلية. لإن الهدف الأساس كان سيتم، وهو إبعاد زعيم الليكود عن كرسي الحكم. لكن رب ضارة نافعة. لا سيما وان الجنرال لم يكن أهلا للحكم، ولم يكن جاهزا، ولا مستعدا لتنفيذ وعوده لإقطاب المشتركة، لإنه لا يختلف نهائيا عن نتنياهو وإئتلافه اليميني الفاشي. وعليه فإن المعادلة بالمعنى الدقيق للكلمة لم تتغير كثيرا على القوى الفلسطينية وانصارها في الشارع الإسرائيلي. كيف؟ وعلى اي اساس؟ لإكثر من سبب، منها اولا لإن المشتركة ليست جزءا من الحكومة، وكانت ستبقى في الظل؛ ثانيا سيلزمها إتفاقها مع بيني على التصويت لحكومته المشلولة والمتعثرة؛ ثالثا سيحسب عليها لاحقا كل تبعات سياسة حكومة صهيونية متطرفة؛ رابعا كما ان الحكومة لن تصمد كثيرا، وستسقط في اول إختبار بعدم تنفيذ اي من بنود الإتفاق. وبالتالي الآن وجودها في المعارضة بالإضافة لأحزاب "هناك مستقبل" بزعامة يئير لبيد، الذي سيكون زعيم المعارضة، مع "العمل ميرتس" بزعامة عمير بيرتس، و"تيليم" بزعامة موشي يعلون، و"يسرائيل بيتينو" بزعامة أفيغدور ليبرمان، يعطيها القدرة على المناورة بحرية اكبر، كونها تحتل الموقع الثاني في المعارضة، لإن لبيد ويعلون سيقفان سويا كفريق واحد، كونهما كانا جزءا من التحالف المنحل "أزرق ابيض". اضف إلى انها ستدافع بقوة عن برنامجها السياسي والإقتصادي والإجتماعي والثقافي، وستشكل رافعة لذاتها، ولجماهير الشعب الفلسطيني العربي في داخل الداخل، وللقوى المؤيدة لها في الشارع الإسرائيلي، مما يوسع مساحة رصيدها في اوساط الشرائح والفئات المؤيدة للسلام، وهو ما يفتح الأفق لبناء قواعد شراكة فلسطينية إسرائيلية. وسيساعدها صراع الديكة الصهاينة على كعكة السلطة على تبلور مشروعها. لا سيما وان الأزمة السياسية والحزبية الصهيونية تتعمق كل يوم، ولم ولن تكون حكومة المصالح النفعية لنتنياهو غانتس مخرجا لإنهاء الأزمة، بل ستكون محطة جديدة لتوسيع نطاقها. وسيكون وجودها في لجان الكنيست مؤثرا وهاما من خلال دفاعها عن مصالح ممثليها. 

كما ان المشتركة ستكون جاهزة ومستعدة للتعامل بمرونة لإستثمار والإستفادة من كل المتغيرات في المشهد الإسرائيلي. وستبقى لاعبا اساسيا، وصعبا في مواجهة التحديات المنتصبة امامها. وليس كما يفترض اصحاب المواقف العدمية في الساحة الفلسطينية.

كلمات دلالية