شوكولا سودا

تابعنا على:   23:41 2013-11-02

نيروز قرموط

كثير ما زاد الطلب على شراء الشوكولا السوداء في قطاع غزة منذ التوتر الداخلي الفلسطيني الذي انتهى بانقسام مرير قسم الفلسطينيين روحا وعقلا ، و ليتها السوداء هي الشوكولا و ليست أيامنا التي ازدادت اسودادا ومرارا منذ ذلك الحين.

ولكن لربما زاد الطلب على الشوكولا التي ازدادت انتشارا في أسواق غزة ، ولم يتم مقاطعتها مهما كانت هي صناعتها سواء اسرائيلية أو أوروبية أو تركية أو عربية، فالشوكولا هي ما تشبع توتراتنا العاطفية والاجتماعية و السياسية ، فشوكولا عليت الاسرائيلية هي شوكولا فاخرة غالبا ما نتذوق جمال مذاقها و طعمها المميز إذ أنها منتوج اسرائيلي فاخر كما هي باقي المنتوجات الاسرائيلية المنافسة من ألبان و أجبان و شمينيت اسرائيلي رائع المذاق و القوام.

ناهينا عن مختلف البرامج التلفزيونية و النشرات الصحية على مواقع انترنت متعددة تتحدث عن فوائد الشوكولا السوداء للشباب و الصحة و صحة الدماء التي تجري في عروقنا مع أنها تحمل سوائل ملوثة جراء شح المياه الصالحة للاستخدام في قطاع غزة ، و تمتلك دماءنا من تلوث البيئة و الهواء بفعل الغازات المنبعثة من الموتورات ما يكفي للاصابة بأمراض لا تقل خطورة بتراكمها عن عمليات القتل المباشر سواء بالقصف الاسرائيلي المباشر أو بشح الادوية المطلوبة للعلاج من الأمراض المزمنة و الحساسة.

و لكن مع ذلك نحن مجتمع حساس يطلب الشوكولا مع فنجان قهوة ساخن ازددنا حبا وعشقا له ، وأصبحنا نبحث أكثر عن جودة القهوة التي نحتاج شربها كثيرا سواء مع الاركيلة الممتعة التي ازداد انتشارها أكثر في مقاهي غزة و بيوتها بين الشباب اليافعين أو من هم أكبر سنا على السواء ما بين الفتيات و الصبية ، و لدى قطاع غزة ماركات عدة مسجلة للقهوة كما هي مزاج أو ديليس أو الباشا أو برادايس جميعها إن دلت في عنوانها فهي تدل على حجم المزاج العالي في اختيارات سكان القطاع الذي يزداد عشقهم للحياة يوما بعد يوم رغم الاختناق الذي يشعرون به الناس جراء الاغلاق وشح السولار والبنزين و صعوبة الانفتاح على العالم الخارجي إلا من خلال شاشات التلفزة أو الانترنت و مع ذلك قهوة عليت هي قهوة رائدة عندما يضرب المثل بمذاقها.

حتى في مناسباتنا الخاص أصبحنا أكثر جرأة على العري ولباس صيحات الموضة العالمية ، مهما تحجبنا طوال النهار ، و تفضل الكثير من النساء ركوب السيارات بدلا من المشي على الاقدام طلبا للراحة من أي انتقادات ممكنة.

هذه المفارقات التي نعيشها قد يستطيع جزء صغير يظهرعلى سطح الحياة العامة في غزة ممارسة سلوكياتها واختياراتها كطبقة هلامية تشبه الطبقة الوسطى و لكن الجزء الأكبر هو أصبح معوزا للقمة العيش مما يلفت نظرك عندما تمشى في شوارع القطاع كم المتسولين سواء نساء أوأطفالا أو كبار سن ، قد ترى طفلة في عمر الورد بلباس المدرسة تتسول من المارة ليلا فما هو حجم الظلم و الاستغلال الذي سيقع عليها، أو إمرأة منقبة تحمل طفلا تجلس على الرصيف تتسول المارة من الرجال و النساء فما هو فائدة هذا النقاب هل سيغطي سوء فعلها جراء احتياجها، أو رجلا طاعن بالسن يتسول و هو يهدر كبرياء عمره ، إن كنا نلوم هذه البشرعلى سوء تسولها لكن الحال العام هو أسوأ من فعلهم المشين و يبرر لهم ضغط الحاجة و ندرة فرص العمل.

غدت غزة مجتمع رأسمالي بامتياز ، كإحدى ولايات الولايات المتحدة الامريكية، برامج عدة تتحدث عن تنمية المجتمع المحلي ولكن بدءا من تنمية القطاع الخاص الذي تنحسرأمواله في أيدي تجار محددة لا يستطيعون ضمن مشاريعهم تشغيل العديد من الشباب و لكنهم يستطيعون استنزاف المواطن جيدا من خلال الاسعار الغير مقبولة في جميع ما يبيعونه من سلعة وخدمة و ما عليهم إلا أن يشتكون كم يكلفهم استيراد البضائع من ضرائب وجمارك عند المصريين أو الفلسطينيين و مواصلات وديكورات الشركات و المحلات التي تجذب المشتري.

أصبحنا نهتم أكثر بأناقتنا الخارجية حتى أننا رغم الحصار نمتلك من أطباء التجميل ما يستطيعون تجميل النساء كما هو أي بلد منفتح و رأسمالي ، كما نهتم بديكورات البيوت و العمارات ، ولكننا افتقدنا ديكورنا المجتمعي الاكبر في رسم تواصل مجتمعي في احساسنا أن الفائدة عندما تعم الجميع فهي تعم كل فرد على حدا، وعندما تعم الفرد فقط فهو كمن يرقص لوحده في مجتمع اصبح لا يجيد الرقص معه ولا حتى مجاملته و لو كان بالتصفيق.

ثقافة الانجؤوز تعم المجتمع ، و تجارالقطاع الخاص ينتظرون رواتب هذا الانجؤوز ليأخذوا حصتهم منه في شراء السلع النادرة و الكمالية بأسعار غير معقولة أما رواتب الموظفين الحكوميين التي تنعش سوق غزة بدءا من شراء الشوكولا حتى الحذاء بداية كل شهر هو الانعاش الاخير للحياة التي تتوقف عند قرب نهاية كل شهر ، هذه الرواتب التي مازالت حكومة رام الله تصرفها لموظفين غزة و إن ما توقفت فجأة لتوقفت حياة بكاملها و لكن هل ستراعي هذه الحكومة غلاء المعيشة لهذا الموظف مستقبلا الذي ستنخفض القيمة الشرائية لراتبه عاما بعدعام.

الشوكولا مع فنجان قهوة شيق الحديث و الوئام في عتمة الليل و ضوء القمر هو ضرورة، عندما تقطع الكهرباء ساعات مطولة لخلاف ما بين حكومتي رام الله و غزة هو أبشع انتهاكات الوقت و الانتاجية للمواطن الذي يحتاج الكهرباء سواء للتعلم أو التثقيف أو العمل ، كم من ساعات مطولة منذ 2006 انقطعنا بها عن العالم و العمل ، و صنعنا ثقافة تكيف متواضعة من خلال موتورات لا تستطيع العمل لفترات مطولة بل إن الكثير من الناس من اضطرإلى شراء موتورات جديدة وأجهزة اليوبي اس لان الموتور القديم قد انتهى عمره بعدما استغل كامل ساعاته في خدمتنا .

كثير ما نقول ما أجمل الشوكولا عندما نفتقد لراحة البال و رفاهية الحال ، نحن نقاطع سولار نعترض على سعره رغم حاجتنا الماسة له ، لكننا أبدا لن نعترض على شوكولا مهما ارتفع ثمنها و لن نقاطعها ولن نقاطع الكابتشينو و لن نقاطع النسكافيه و سنسعى لاستيراد اجمل ورد الجوري و تزيين أفراحنا في أفخر الفنادق على شاطئ غزة ولكن ليس للجميع و إنما لمجموعة محدودة هي قادرة على شراء وقتها وسولارها و زهورها عندما تتتقاطع مصالها معا ، ولكن تبقى الشوكولا رفاهية الفقير و حاجة للغني عندما يثقل بثروة يبحث عن سبل رديئة لاستمرار سيولتها.

اخر الأخبار