مقدمات للبيان القومي العربي الاخير

تابعنا على:   22:49 2013-11-02

عدنان الصباح

لست ادري من هي الجهة أو الشخص الذين سيعلنون يوما البيان الرسمي الذي سينعون به القومية العربية شعارا ( لا فكرا ) ومؤسسة فلا وجود فاعل للفكر القومي العربي بأدواته أو قاموسه كما أن المؤسسة القومية العربية غير قائمة أيضا إلا إذا اعتبرنا أن بعض الدول التي تتبنى الشعارات القومية هي البديل عن هذه المؤسسة وفيما عدا حزب البعث العربي الاشتراكي المنقسم أصلا فلا وجود لأي حزب أو إطار قومي عربي جماهيري فاعل ولست أقول ذلك تشاؤما مزاجيا فقط وإنما لان كل المؤشرات والدلائل للحركة السياسية والاجتماعية في الأقطار العربية تشير إلى ذلك والمقدمات بدأت أصلا منذ تأسيس الدولة القطرية الحديثة في العالم العربي وقبولها بسرقة حقوق الآخرين في داخلها وإلغائهم إما بتغييب دياناتهم أو بتغييب قومياتهم فالعراق الحديث مثلا غيب الأقليات غير العربية في أوساطه وقدم نفسه كدولة قومية عربية ويقودها حزب قومي عربي حتى أن القائد الحالي للحزب غير عربي وهو السيد عزت إبراهيم الدوري ومن غير المقنع لأيا كان أن يكون الأمر كذلك فلن يقبل منك احد أن تقاتل تحت راية قومية غير قوميتك أيا كانت صفاتك أو قناعاتك وكذا الحال في العديد من البلدان كالجزائر والمغرب الذين غيبوا القومية الامازيقية كليا تحت راية الإسلام اسما والعروبة فعلا ثم أن دساتير جميع هذه الدول جعلت من الإسلام مصدرا للتشريع وغيبت الأديان الأخرى كالمسيحية أو جعلت الإسلام السني هو مصدر التشريع وغيبت الطوائف الأخرى أو أنها صنعت خليطا عجيبا غريبا كما هو الحال في الطائفية السياسية أو الإقطاع السياسي في لبنان رغم أننا نقطع العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين وفي زمن الثورة الرقمية التي جعلت من العالم شاشة حاسوب يدوي لا اكبر.

في الجزيرة العربية حكم وهابي سني عائلي وراثي مع أن الشيعة يشكلون جزءا مهما من شعب الجزيرة العربية إلا أن الدولة الرسمية فكرا وتركيبا لا تكترث أبدا لوجودهم وبالتالي فان الاحتقان القائم في المنطقة الشرقية لا بد له أن ينفجر كما هو الحال في البحرين واليمن ويتعرض السكان هناك لتهميش متعمد بل والى مخاطر الفقر أحيانا رغم المصادر الكبيرة للمال الذي يصب في جيوب العائلة المالكة ومن حولها فقط ورغم حالة البحبوحة الاقتصادية التي يعيشها سكان بلدان الخليج القليلة عدد السكان إلا أن التباين في الدخل والثروة واضح بين الحاكمين والمحكومين ولن يمر وقت طويل قبل أن يتنبه المتنورين بهذه الشعوب للمخاطر المحدقة بثروة بلادهم وبالتالي ثروتهم وأهمية الحفاظ عليها من الإهدار الذي تتعرض له على يد الحاكمين هناك ويبدو الأمر جليا بالمعارك النيابية التي تدور في بلد بحجم الكويت

الأوضاع في دول المغرب العربي لا تقل عن ذلك أهمية وخطورة من خلال قضايا مثل الصحراء الغربية ومسالة الامازيق الذين بالضرورة سيبداون بالبحث عن هويتهم الخاصة في ظل السيطرة العربية عليهم وقد رأينا ما حدث في السودان من انفصال الجنوب وقضية دارفور وما حدث ويحدث في العراق.

الأمر في الوطن العربي الممزق لم يقف عند القضايا القومية كالأكراد مثلا بل انتقل إلى صراع مذهبي غريب وهو أيضا حاول أن يجد في الصراع الديني قبل ذلك طريقا في لبنان وان لم يكن الأمر قد انتهى إلا أن الفتنة الدينية في لبنان لا زال لها متسع لان تعاود الأطلال برأيها فالدين السياسي والإقطاع السياسي المستظل بالدين والطوائف لا زال بأبهى صوره.

إن تطورات ما يسمى بالربيع العربي أو ما اسمي خلسة بهذا الاسم محاولا تقديم مدلولاته الايجابية كان يقصد منه مدلولات أخرى غابت كليا عن أذهان المهتمين أو المشاركين ليتبين بعد قليل أن المقصود بكلمة الربيع ليس معناها المباشر بل معناها الزمني أي أن الربيع فصل وهناك فصول قادمة كالصيف والخريف فلا تفرحوا بربيعكم لأنه فصل والفصول مؤقتة فوجدنا أنفسنا أمام طائفية العشائر في ليبيا تطل برأسها رغم العقود الطويلة من حكم رجل ادعى كذبا انه رجل دولة حديث وبدل أن يطور بلاده أغرقها بالجاهلية والتعمية والقبلية لنراها تعود أقوى مما كانت عليه قبل حكمه.

الأحوال في تونس الأكثر اقترابا من العلمانية والتي قدم التيار الإسلامي نفسه بها كأكثر الجهات قبولا بالأخر أثناء الثورة عاد لينكمش على ذاته ويوصد الأبواب في وجه الجميع معتمدا على ذاته بديلا لجميع الغير أو الآخرين أيا كانوا ورغم أن تونس لا تعاني من تعددية طائفية أو عشائرية بل هي دولة حديثة بالمطلق إلا أن سنوات القمع السياسي حولت الأحزاب إلى طوائف.

الأحوال التي تعيشها مصر أثناء كتابة هذه المادة لا تبشر بخير فالانقسام بين الليبراليين والقوميين من جهة والتيارات الإسلامية من جهة أخرى على أشده وبات غير قابل للجسر فيما بينهم وتعيش مصر حالة غريبة تقترب من حالة عاشتها الجزائر وحالة عاشتها وتعيشها العراق من انقسامات حادة وخطيرة تنذر بالكارثية فالإسلاميين لم يعتادوا التسليم بالأمر وبالتالي فهم لم يتنازلوا عن الحكم ببساطة أيا كانت القوى التي تواجههم ولا بديل إذن إن أصر الطرفان على مواقفهم من الانقسام والتقسيم وسيبتكر أصحاب (سايكس بيكو) القرن الواحد والعشرين أشكالا إبداعية للقضاء على وحدة أراضي دولة بحجم مصر ذلك أن انهيار البناء الرسمي للدولة المصرية وتعدد الخطابات هناك سوف يجعل العرب يعيشون حالة من البلبلة ثقافيا وسياسيا واجتماعيا وسيضع الحواجز تلو الحواجز في وجه استعادة الفكرة الغائبة أصلا عن الأرض للقومية العربية.

سوريا التي شكلت رافعة المواجهة مع إسرائيل وأمريكا وحاضنة المقاومة في المنطقة أيضا والتي شكلت مع إيران وحزب الله مثلث مختلف عن تركيبة المنطقة المنضوية تحت السيطرة الأمريكية المباشرة وجدوا السبيل إلى التسلل إليها وتمكنوا من إشغالها بأزمة داخلية بدأت بشعارات الإصلاح الديمقراطي لتتحول سريعا إلى الشعارات الطائفية.

الحالة الفلسطينية لا تقل عن مثيلاتها في الوطن العربي فكما انتهت الانتفاضة الأولى باتفاقيات أوسلو وحالة الانقسام السياسي الفلسطيني التي رافقتها انتهت الانتفاضة الثانية بالانقسام المكاني السياسي الديني بين غزة والضفة وانشغل الفلسطينيون بأزمتهم الداخلية بينما انشغل المحتلون بتهويد الأرض والقدس في المقدمة وتمكين الاستيطان الذي دفع بأحد قادة إسرائيل للتحدث عن الفلسطينيين في الضفة الغربية كمستوطنين يجب حل مشكلتهم وليس العكس مستفيدا من حالة الانقسام الكارثية التي يعيشها الفلسطينيون والعرب.

منذ ما بعد حرب 1973 بدأت حالة التراجع العربي على الأرض فخرجت مصر من المواجهة مع إسرائيل واحتدمت الخلافات في جبهة المواجهة بين العراق وسوريا مثلا وانهارت هذه الجبهة كليا بحرب الخليج وتداعياتها ولسنوات ظلت سوريا مركز التفاف لقوى المقاومة والممانعة ومعها إيران وحزب الله وحماس وقوى الثورة الفلسطينية التي وجدت بدمشق ملاذا آمنا لها لعقود طويلة إلى أن جاءت أحداث ما يسمى بالربيع العربي فخرجت حماس من التحالف مع سوريا وحزب الله ووقفت في الجانب الآخر وانحاز النظام الإسلامي في مصر إلى جانب إسلاميي سوريا وجيشهم الحر وأصبحت قطر المعروفة بعلاقاتها الحميمة مع إسرائيل وأمريكا مركز الثقل في المنطقة.

أبدا لم تسعى أمريكا بدعمها للحراك الشعبي في البلدان العربية بدءا من تونس وليبيا ومصر إلى الذهاب بالوطن العربي إلى حالة الاستقرار والديمقراطية بل سعت إلى خلق تعارضات عميقة تقود إلى اقتتال يفضي إلى تقسيم الوطن العربي إلى دويلات مذهبية وطائفية وقومية بل وحتى حزبية ولذا يهمها أكثر إطالة أمد الحرب الداخلية في بلد مثل سوريا بهدف تدمير القدرات العسكرية في سوريا وتكريس الانشقاق وسد أية إمكانيات للتصالح الوطني داخل مكونات المجتمع السوري تمهيدا لتقاسمه ولو على قاعدة التشارك بذلك مع روسيا والصين ومن في فلكهم إن جاز التعبير فروسيا اليوم ليست الاتحاد السوفيتي القديم بل هي جزء من المنظومة الرأسمالية التي تحاول أن تجد لها مكانا على الأرض يمكنها من أن تضع رأسها برأس أمريكا للحفاظ على مصالحها القومية في العالم وتعتبر سوريا أهم مركز لذلك في الشرق الأوسط بعد أن فقدت تحالفا ممكنا في كل من العراق وليبيا كليا ومع ذلك فان من المفيد الاستفادة من هذا التنافس مهما كان ضئيلا لأنه لا بديل على المستوى العالمي اليوم سوى ذلك التعارض الوحيد القائم بين أمريكا وتشكيلات العالم خارجها.

لقد شكلت تجربة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر النواة الجنينية للاتجاه القومي العربي وقد بدأت تأخذ أشكالا على الأرض بنماذج كحركة القوميين العرب التي سرعان ما تفككت لتنشغل بالقضية الفلسطينية ومن ثم لتنكفئ قطاعاتها المختلفة على الهم الإقليمي في كل بلد من بلدانها فذهبت اليمن إلى الطريق الاشتراكي وعاش شقها الشمالي التجربة القومية مع تجربة عبد الناصر وانخرط الآخرون أما بالكفاح من اجل تحرير فلسطين أو بهمومهم الوطنية وعبر أحزاب وتشكيلات وطنية بحتة وغاب الفعل القومي ليحل محله الشعار اللفظي فقط عن القومية العربية التي باتت شعارا لفظيا لا مضامين له وحتى الثورة الفلسطينية الاحوج لحاضنة القومية العربية سعت للانسلاخ عن قوميتها بأشكال مختلفة حتى أنها خلقت تعارضا وانقساما في الموقف العربي منها وباتت جزءا من الصراعات الداخلية العربية خصوصا بعد حرب أكتوبر وأثناء حرب الخليج.

تماما كما شكل انتهاء العصر الذهبي للناصرية بغياب قائدها الرئيس الراحل جمال عبد الناصر جاءت حرب الخليج لتهدم ما تبقى من احتمالات التوافق بين مكونات الحالة القومية العربية وخصوصا حزبي البعث في سوريا والعراق وتراجع الخطاب القومي لنظام مثل نظام القذافي لينكفئ داخليا قابلا بتنفيذ الأوامر الأمريكية بدون شروط وخرجت القضية الفلسطينية من دائرتها القومية لتمسك بأطرافها الإدارة الأمريكية ولتصبح وحدها وحلفاءها الفاعلين الرئيسيين بهذه القضية ولم تعد بوابات العالم العربي مفتوحة أمام مكونات الشعب الفلسطيني كما كانت بل إن أحداث الانتفاضة الثانية وحصار الرئيس الراحل عرفات في مقره في رام الله كشفت مدى الغياب العربي عن أي اهتمام بفلسطين وقضيتها وقيادتها.

خلال العقد الأخير أطلت الطائفية برأسها وطغى الديني على القومي والوطني أكان ذلك في العراق بعد غياب صدام وحزب البعث أو في فلسطين وانقسام الضفة عن غزة أو الاقتتال في سوريا والذي اخذ منحى طائفي وكذا أحداث مصر بعد صعود الإخوان إلى الحكم وبروز الطائفية وانقسام السودان وعودة الخلافات الطائفية إلى لبنان وان بأشكال جديدة بين حزب الله والآخرين أو بين الشيعة وما عداهم هناك أيضا مما يشير إلى أن القومية لم تتجذر أبدا في العالم العربي وان العرب لم يتمكنوا من تأسيس هوية قومية لهم وان الشعار القومي لم يكن أكثر من شعار لفظي سرعان ما انهار أمام الطائفة أو الدين.

تاريخيا لعبت دولتان رئيسيتان الدور القيادي في المنطقة وهما مصر والسعودية ومن الكارثية إن من يقوم بهذا الدور حاليا هما اصغر دولتان في العالم العربي وهما قطر ودولة الإمارات.

إن القومية العربية المغلفة بالنمطية الدينية لا يمكنها العيش وعليها أن تعلن تخلصها عن الارتباط الشكلي بالدين لصالح الوطنية وبالتالي فانه لا يمكن للعراق أن تواصل إعلانها العروبي بإلغاء الأكراد والتركمان ولا يمكن ذلك لسوريا أو للجزائر أو المغرب فهي إما أن تعلن إسلاميتها وتتنازل عن قوميتها العربية كليا لتحدث الانسجام الديني بين مواطنيها وإما أن تتنازل عن نموذجها الإسلامي وقوميتها العربية لصالح وطنيتها وقد قدمت السودان النموذج الآخر بانفصال جنوبها لدولة أخرى وقومية أخرى ولغة أخرى وهذا الخيار الذي تشير كل الدلائل إننا ذاهبون إليه متخلصين من كل المحاولات الفاشلة للوصول لقومية ناجحة وناهضة أو حتى لدولة المواطنة المدنية وسوف نجد أنفسنا للأسف أمام تنفيذ كامل للمشروع المعادي المسمى بالشرق الأوسط الجديد القائم على دويلات صغيرة متنافرة لا رابط بينها سوى الرابط الجغرافي.

في أوروبا تتعدد القوميات ويوحد المكان وقد تمكنت الدول الأوروبية رغم اختلاف قوميتها من الاستفادة من وحدة المكان والثقافة الأوروبية لتشكيل الاتحاد الأوروبي الناجح كما تمكنت أمريكا الطارئة والاحلالية والتي تشكلت اعتباطا من توحيد العديد من الأصول والأجناس والأعراق واللغات في قومية واحدة عجيبة غريبة ولكنها تؤسس لنجاح الدولة المدنية الحديثة رغم الاختلافات وبالمقابل لم ينجح العرب أبدا في تأسيس أي دولة حديثة لأنهم وحتى اللحظة لم يتمكنوا من تحديد هوية العصر الحديث التي ينتموا إليها وبدون ذلك ستصبح العروبة وبلدانها في مهب الريح.

لم يتم ابدا ومن خلال حركات ما يسمى اعتباطا بالربيع العربي التاسيس على تشكيل الدولة القومية العربية الحديثة ولا الدولة القطرية المدنية بل اختلط الديني بالطائفي بالوطني بالقومي بالعلماني بالليبرالي بدون برامج وبدون رؤى وبدون التوافق على فكر مدني لمرحلة جديدة قادرة على صهر الجميع في بوتقة الدولة المدنية وعلى قاعدة المواطنة الموحدة للجميع والغريب ان احداث مصر التي انتهت بالغاء حكم الاخوان المسلمين ظهر في المشهد الاخير لمرحلة الاخوان والمشهد الاول للمرحلة القادمة في الواجهة لا منظمات ومكونات ومؤسسات وقوى المجتمع المدني بل تقدم الجميع العسكر والمؤسستين الدينيتين والعديد العديد من العسكر وغاب المجتمع المدني الا من رجل كهل مشكوك اصلا بولائه الوطني او القومي بسبب تاريخه بغض النظر عن وجود شاب او اثنان بين الجميع فالثورات لا تبنى على الشباب ولا يمكن للشباب ان يشكلوا قيادة للثورة فافعالهم ونشاطاتهم عادة ما تكون موسمية ارتجالية تشبه موسمية ما اسمي بالربيع لنجد انفسنا في صيفه وما جرى في مصر سينسحب على غيرها دون ان يكون ثورة حقيقية فالثورة ليس تغيير الشخوص بل تغيير الفكر والثقافة والرؤى وهو ما لم يحدث في مصر.

القرن العشرين كان قرن المتغيرات العالمية من خلال الحربين الاستعماريتين الأولى والثانية وخلال القرن السابق تمكنت العديد من الأمم والشعوب من الخروج من تحت عباءة الاستعمار والاستقلال الحقيقي كان ذلك عبر دول كبرى كفرنسا وألمانيا واليابان والصين وحتى دول اقل ثقلا كالهند وماليزيا بينما ظل الوطن العربي ( إن جاز التعبير ) يراوح مكانه للأسباب التالية:

1- لم تقدم الحركة القومية العربية حلا حقيقيا للقضايا القومية الداخلية للقوميات الأخرى التي تعيش في ما اسمي بالبلدان العربية كقضايا الأكراد والامازيغ وغيرهم.

2- لم يتم تقديم حلول حقيقية للقضايا الدينية والطائفية كمكانة المسيحيين أو اليهود أو الشيعة وخلافهم وبسبب من ذلك تم تفريغ اليهود من البلدان العربية وتم إنشاء الكيان الإسرائيلي على أنقاض الشعب الفلسطيني وكذا يدرك الجميع الحال القائم بين إيران والعراق حول التداخل الطائفي والقومي هناك.

3- ظلت المسالة القومية العربية متداخلة بشكل اعتباطي مع الدين الإسلامي ولم يتمكن القوميون العرب من الخروج من عباءة الإسلام السني ولذا وجد غير المسلمين السنة تحديدا أنفسهم على الهامش وفيما عدا لبنان لم يتم دمج غير المسلمين السنة في الحياة السياسية بالتساوي الوطني وعلى قاعدة المواطنة فالكردي العراقي أو الجزائري الامازيغي أو السوداني الجنوبي لا يملك الشعور القومي الذي أرادت له دوله أن يتبناه أو يعيشه وهو غير ملزم بالقتال في سبيل قومية لا ينتمي إليها وكذا كان الموقف في الاختلاف الديني أو الطائفي.

4- خسرت الدول العربية صيرورتها التي حلمت بها للأسباب السابقة فالعراق لم يعد العراق والاستقرار في لبنان لم يسد أبدا والتحركات القومية والطائفية في العراق قضت على البلد نفسه وما يعيشه العراق اليوم اكبر دليل على ذلك فالانقسام الفعلي قائم هناك.

5- حرصت الأنظمة الرسمية العربية على تغييب التنظيم عن جماهيرها ففقدت المنظمات المهنية والعمالية والنسائية والشبابية دورها ولم يتم تشكيل منظمات مجتمع مدني فاعلة وفيما عدا المنظمات المرتبطة بالدول الداعمة والتي تنفذ أجنداتها لم يكن لأي منظمة جماهيرية حقيقية أي دور مجتمعي فاعل على الإطلاق.

6- عدم قدرة الدولة العربية الحديثة على القضاء على العشائرية والجهوية فبعد أكثر منم أربعين عاما من الحكم الديكتاتوري للقذافي وتحت الشعارات القومية بل والأممية أحيانا وجدنا أنفسنا أمام نفس حالة الانقسام التي كانت سائدة ما قبل الملكية جهويا وعشائريا وحتى الآن رغم كل التمدن والتطور السياسي والأحداث التي عاشها لبنان إلا أن الطائفية الدينية السياسية لازالت قائمة وتصل إلى حد نماذج فريدة من اختلاط الإقطاع بالدين والسياسة بكل تلاوين الطيف السياسي اللبناني من اليمين إلى اليسار وما بينهما.

7- لم تستطع القضية الفلسطينية من مواصلة دورها التوحيدي للأمة العربية والانكى من ذلك أن الفلسطينيون بأنفسهم سعوا إلى الانكفاء على الوطني والتخلص من البعد القومي لقضيتهم ووصل الأمر بهم إلى أسوا حالات الانقسام ما افقدهم الكثير من التعاطف القومي العربي معهم أو مع قضيتهم.

علينا إذن أن نلوي عنق الاحداث لتتحول ثورة الانتقال العفوي من عهد اللافكر او اختلاط الافكار إلى ثورة حقيقية تنقلنا إلى عصر الفكر المدني الحديث الذي ينطلق من واقع الحال والظروف المكونة لمجتمع البلدان العربية والا سنجد انفسنا نكرس الحلم الامريكي الصهيوني بشرق اوسط جديد تكون فيه بلدان دينية او عرقية او طائفية فلتنتصر اذن ثورة المجتمع المدني بشكل حقيقي لا لبس فيه والا فالكارثة ستقود حتما لنفس النتيجة ولكن بعد الدمار ولعقود.

لا بديل عن بناء مجتمع مدني وطني منظم وفاعل وقادر على التأثير الجماعي المنظم في الشأن العام والتأسيس لفكر مدني ديمقراطي حديث يعطي الشعب هبر فعالياته المنظمة السلطة الحقيقية وخلاف ذلك فان الفوضى ستبقى البديل الوحيد للحياة السياسية في العالم العربي وبعيدا عن العواطف والمشاعر فان من يقرا المشهد الأخير في مصر يصاب بالإحباط فلم تقم أحداث 30/6 2013 عبر أداء جماهيري منظم بل عبر فعل عفوي شعبي شبابي بلا جذور ولم تظهر على السطح قيادة حقيقية للجماهير هناك والذي ظهر فقط هو قوتان منظمتان العسكر والإخوان المسلمين مما يمنع التأسيس لمجتمع مدني حقيقي تؤسس لظهور قيادة قوية قادرة على إدارة الشأن العام بنجاح فلا بديل إذن بكلمة عن مجتمع مدني منظم يفرز قيادة فاعلة قادرة على إدارة الشأن القطري لكل بلد على حده