ماذا يجري داخل حركة حماس؟

تابعنا على:   13:32 2020-03-12

طارق فهمي

أمد/ تسعى حركة حماس إلى تأكيد حضورها في المشهد الفلسطيني الراهن، بخاصة مع التحركات التي تبدو متعددة المسارات والاتجاهات، بهدف إعادة تقييم وضعها الراهن بصفتها حركة سياسية وليست حركة مقاومة، وبما يدفعها إلى تطبيق ميثاقها السياسي الذي سبق وأعلنته واعترفت في مضمونه بحدود 4 يونيو (حزيران) 1967، وبالتالي مضت في مسارات محددة انتظاراً للتطورات المقبلة.

المسار الدولي

اتجهت حماس أخيراً إلى الجانب الروسي بهدف التأكيد على قدرتها على اختراق الموقف الراهن حول الحركة، وتسعى لأن يكون الجانب الروسي مراقباً ووسيطاً في وقف إطلاق النار مع الحكومة الإسرائيلية الجديدة، على اعتبار أن العلاقات الروسية الإسرائيلية الجيدة تسمح لموسكو بالقيام بهذا الدور، مع تفكير قيادات حماس في إيجاد آلية أو إنذار استراتيجي مشترك بين غزة وتل أبيب بدعم روسيّ، مثلما حصل في سوريا، مع التأكيد على خبرات الجانب الروسي في إنجاح اتفاق طويل الأمد، وإقرار مرحلة تمهيدية لتثبيت حالة الهدنة أولاً، وفي المقابل لا يمانع الجانب الروسي في القيام بهذا الأمر، ولكن الإشكالية الحقيقية أن الطرف المسؤول والمطروح لا زال غير معلوم في إسرائيل، ومن ثم فإن الجانب الروسي سينتظر إلى حين تشكيل الحكومة الجديدة.

والواقع أن "حماس" لم تعد تسعى إلى تنفيذ اتفاق المصالحة أو التوافق على إطار فلسطيني موحّد، بل بالعكس ستركز في الفترة المقبلة على الجانب الروسي، إضافة إلى تخطيط الحركة لإجراء سلسلة من اللقاءات في النرويج والدنمارك ودول أوروبية، بهدف التأكيد على هدفها بالترويج لخطابها السياسي والاستراتيجي الجديد. وتتناسى حماس أن روسيا سبق وأن طرحت من قبل عقد مؤتمر موسكو للسلام في الشرق الأوسط وتم إفشاله أميركياً، كما أن فرنسا سبق وأن عقدت مؤتمر باريس وأفشله الإسرائيليون أيضاً.

المسار الإيراني

لم يكن خروج رئيس المكتب السياسي لحماس، إسماعيل هنية، من غزة إلا لهدف التسويق للتطورات الحالية في الحركة وضرورة تنويع وتعدد مصادر حركاتها والعمل على فتح مكاتب جديدة في الخارج وبناء شبكة تمثيل خارج القطاع، مع تطوير ما هو موجود، بخاصة وأن زيارة وفد حماس لإيران كانت بهدف التأكيد على توطيد العلاقات واستمرار الدعم العسكري والمادي بعد اغتيال قاسم سليماني، وفي ظل التمسك برفض حماس توحيد جبهتي حركة الجهاد الفلسطيني وحماس في منظومة واحدة، مثلما كان يريد قاسم سليماني، على أن ينضم لها أيضا "حزب الله"،  والمعنى أن حركة حماس تريد نقل رسائل إقليمية في آنٍ واحد لكل من مصر والسعودية والإمارات بقدرتها على التحرك والمناورة وأنها بصدد العودة إلى محور (إيران- تركيا- سوريا- روسيا)، وأنها لن تكون الحركة المحاصرة وتسعى لتكون اللاعب الأقوى سياسياً في الساحة الفلسطينية في ظل انكفاء السلطة على خياراتها وقبل تشكيل حكومة إسرائيلية جديدة لتبدأ التعامل غير المباشر معها في القطاع وخارجه.

المسار المصري

تكشف تطورات زيارة وفد حركة حماس بتمثيل محدود وبزيارة خاطفة للقاهرة حرص مصر على نقل رسالة لقيادات الحركة بإدراك القاهرة جيداً لما تقوم به الحركة في الوقت الراهن ومسعاها لتطوير علاقاتها مع الخارج والبدء تدريجياً في المناورة مع أطراف عربية مؤثرة، بما فيها مصر، مع سرعة تحرك الحركة في نطاقاتها المتعددة دولياً وإقليمياً، وهو الأمر الذي يعني عملياً التخلي تدريجياً عن الوساطة في تثبيت الهدنة أو إتمام صفقة تبادل الأسرى، أو نقل الرسائل غير المباشرة إلى إسرائيل مع تسويق خطاب غير صحيح بحرص القاهرة على ترتيب لقاءات للحركة ومسؤولين إسرائيليين، وهو دور لم تقم القاهرة به أصلاً، ولم تسعَ إليه لاعتبارات تتعلق بدور القاهرة التاريخي في الملف الفلسطيني وتجاه الحركة وتجاه فتح على الجانب الآخر.

وإن كانت القاهرة قد نقلت رسائل لحماس بحرصها على استقرار الأوضاع في القطاع، وأنها من سمحت بالفعل بخروج إسماعيل هنية إلى قطر وتركيا وإيران، وأنها لا تتدخل في الشأن الداخلي للحركة، بخاصة وأن الأوضاع في الحركة تتسم بحالة من عدم الاستقرار ووجود صراعات على الأولويات بين التيارين العسكري والسياسي.

والمعلوم أن التيار العسكري رافض لأغلب ما تشهده الحركة من تحركات في الوقت الراهن، وأن قيادات مثل صالح العاروري وخالد مشعل ومحمود الزهار وإسماعيل هنية، يراجعون مرجعياتهم الأولى. لهذا كانت زيارة العاروري لإيران وتحركات إسماعيل هنية في تركيا وقطر وإيران، ترقباً لإجراء انتخابات جديدة ستجرى في حركة حماس، غالباً ستكون منتصف العام الحالي، وقد تعيد خالد مشعل لرئاسة المكتب السياسي بعد أن فشل المخطط التركي الآسيوي في توليه موقعاً دولياً للحركة عبر التنظيم الدولي لجماعة الإخوان المسلمين، ومن ثم فإن ما يجري في الوقت الراهن داخل حركة حماس مرتبط بصراع مكتوم غير معلن على السياسات المحتملة لحركة حماس، والتي ستطرح في الفترة المقبلة، بما في ذلك التعامل مع المشهد الإسرائيلي برغم إنكار الحركة لكل ما يجري، وسيكون للتيار العسكري اليد الطولى في تقرير ما سيجري لاحقاً.

تطلعات حقيقية

يمكن التأكيد إذاً على أن حركة حماس تسعى للخروج من المظلة التقليدية لتحركاتها استثماراً لحالة عدم الاستقرار في المنطقة، وهو ما يدفعها للاستمرار في ضبط الحدود مع مصر وإدارة الأوضاع في القطاع مع عدم التفكير في تنفيذ استحقاقات المصالحة والإبقاء على المشهد الراهن انتظارا لما سيجري في حالتين:

الأولى: تولي حكومة إسرائيلية جديدة تسرع بتنفيذ مخطط الفصل أحادي الجانب والخروج من الضفة الغربية على طريقة الانسحاب من قطاع غزة بعد ضم المستوطنات والأغوار وترك الفلسطينيين يقررون مصيرهم بمفردهم ومن دون مشاورات في غضون أربع سنوات من عمر الولاية الثانية للرئيس ترمب.

الثانية: استثمار مساعي الولايات المتحدة لتنفيذ الشق الاقتصادي لما يعرف بالخطة الأميركية للسلام في الشرق الأوسط (مقاربة المنامة) في قطاع غزة، وهو الأمر الذي سيجعل حركة حماس الطرف المعني والموافق على خطط تنمية القطاع، وأهمها إنشاء جزيرة اصطناعية وتشغيل الربط بين مطار غزة والدوحة وفتح منفذ في اتجاه قبرص، مع التعجيل بتنفيذ خطط الربط بين اقتصاد غزة وإسرائيل وإعطاء حزمة من الإجراءات الاقتصادية إلى القطاع، مما سيفرض مناخاً سياسياً واقتصادياً للحركة ويكرس سياسة الفصل بين الضفة الغربية والقطاع عملياً، وبما يمنح حماس الاستمرار في الحكم. وبالتالي الإشكالية - في منظور حركة حماس- ليست التأييد أو الرفض للخطة الأميركية ما دامت ستعمل بعض أفكارها لصالح بقاء حكم حماس في القطاع، وتحيّناً لطرح مسألة الخلافة الفلسطينية لاحقاً، وتحسباً لعلاقاتها مع حركة فتح والسلطة الفلسطينية التي تعتبر ممثلاً شرعياً (ليس وحيداً) للشعب الفلسطيني وفقاً لنص أوسلو، ومن ثم فإن حركة حماس قد يكون في تقديرها وبعد تعديل ميثاقها وتدوير حسابتها أن تكون البديل لحركة فتح والسلطة الفلسطينية بأكملها.

محفزات حقيقية

ليست الإشكالية في نفي أو تأكيد تطلع حركة حماس للانفتاح على الخارج، ليست في روسيا أو الاتحاد الأوروبي بل والولايات المتحدة (حددت الرباعية الدولية شروطاً عدة للتعامل مع حركة حماس، أهمها نبذ الإرهاب والاعتراف بإسرائيل)، وقد استوفت حركة حماس الشروط المطلوبة بتعديل ميثاقها، إذاً لا توجد أي إشكاليات تسمح بعقد وترتيب لقاءات مشتركة، وهو ما ينطبق على الجانب الأميركي نفسه الذي يملك وسائل غير مباشرة وغير معلنة عبر خبراء واستشاريين في مراكز البحوث ومسؤولين سابقين في إدارات سابقة سبق وأن أجروا لقاءات مع شخصيات قريبة من حماس ومن تنظيمات فلسطينية متعددة، بخاصة وأن الاتصالات الأميركية لم تنقطع مع الجانب الفلسطيني على أي مستوى، ففي قلب الرفض الفلسطيني للخطة الأميركية للسلام في الشرق الأوسط زارت رئيسة المخابرات المركزية، جينا هاسبل، رام الله والتقت قيادات فلسطينية كبيرة، بما فيها الرئيس محمود عباس وماجد فرج وآخرون.

ولكن المشكلة التي ستفرض نفسها على حركة حماس تحديداً حدود المسموح لها إقليمياً للتحرك تجاه كل الأطراف الدولية، بما فيها الولايات المتحدة. والسؤال ماذا عن الموقف الإيراني وهل ستنجح حركة حماس في إقناع إيران بهذا التوجه وما هي حدوده أم أن الحركة ستستمر في مراجعة حساباتها إلى حين تتضح الرؤية؟ بخاصة وأن التزامات حركة المقاومة تختلف تماماً عن التزامات الحركة السياسية ومن الصعوبة العمل بالتوجهين معا وفي آن واحد، وهو ما لا تدركه حركة حماس في الوقت الراهن.

صحيح أن الأطراف الإقليمية مثل مصر وقطر وتركيا وإيران تتعامل مع الحركة ولكل طرف مصالحه وحساباته، إلا أن مصر وحدها التي تنفتح على الجانب الإسرائيلي، والتي تربطه بها معاهدة سلام تتيح للمصريين العمل على مسارات واتجاهات متعددة، وهو ما لا يتوفّر مع الأطراف الأخرى، بما فيها قطر التي يبقى دورها محدوداً وفي إطار ضيق ومن خلال مهام خدمية، تحولت أخيراً إلى زاوية استثمارية.

المتغيرات الإسرائيلية

ستنعكس إجمالاً التطورات الحالية في إسرائيل على توجهات حركة حماس، كما أن تشكيل حكومة يمينية جديدة سيلقي بتداعياته على الحركة ومساراتها السياسية وليست الأمنية، فلن تدخل إسرائيل مع أي تشكيل حكومي في مواجهة شاملة في القطاع، ولن تتجدد سياسات الاغتيالات لقيادات ميدانية وستفرض معادلة الأمن مقابل الأمن والتهدئة مقابل التهدئة والتصعيد مقابل التصعيد، ومن ثم فإن حركة حماس ستكرس استراتيجية الانفتاح على الخارج ونقل رسائل سياسية بأنها لا تريد المواجهة، بل ستعمل على تسكين المشهد بل وتبريده، مع التزام مواقفها مع كل الأطراف، مصر (ضبط الحدود)، وإيران (الدعم العسكري)، وتركيا (الدعم الاستراتيجي)، وقطر (شراكة مصلحية)، مع الانطلاق لبناء سياسة خارجية متحررة من تبعات الفترة السابقة، والتي أبقت الحركة في موقعها من دون تحقيق مكاسب جديدة باستثناء الاستمرار في حكم القطاع.

الخلاصات

سيبقى الرهان داخل حماس على الخروج من الدائرة الراهنة، وبناء دوائر سياسية جديدة، وهو الأمر الذي سيكلف الحركة الكثير من التبعات في إطار معادلة (النفقة- التكلفة- العائد)، وفي ظل صراع غير معلن وحالة من التجاذب والغليان داخل الحركة وتأهب القيادات الميدانية في مواجهة تفاعل التيار السياسي لن يكون الأمر سهلاً أو متاحاً، ولعل تصميم قيادات الحركة ومتحدثيها على أن الأمور على ما يرام داخل الحركة بهدف التشويش على ما يجري في انتظار الإعصار المقبل. وسيكون السؤال المطروح هل ستشهد الأيام المقبلة ولحين تشكيل الحكومة الإسرائيلية الجديدة لقاءات إسرائيلية مع الحركة بصورة غير مباشرة حول ملف التهدئة وهل سيكون للجانب الروسي دور كبير في هذا؟ ولماذا تتجه الحركة للتحرك يميناً ويساراً لتسويق نفسها في الوقت الراهن، وهل ستطرح الحركة وجودها بديلاً حقيقياً للسلطة الفلسطينية، بخاصة وأنها حتى الآن لم تدخل نظام منظمة التحرير الفلسطينية؟ وكيف ستقدم أوراق اعتمادها للجانب الأميركي بعد أن عدّلت ميثاقها وفككت علاقاتها مع جماعة الإخوان المسلمين، وهل نحن في النهاية أمام حركة نفعية مصلحية بالأساس، ولم تعد حركة مقاومة؟ بالتأكيد، وقولاً واحداً، نعم. ولننتظر في المستقبل القريب والقريب جداً تطورات حقيقية على الساحة الفلسطينية، وفي القلب منها حركة حماس.

عن إندبندنت عربية

كلمات دلالية