ما هي النظرية الأمنية الإسرائيلية الداخلية و ما هي ابعادها

تابعنا على:   23:09 2020-02-25

عصام سمير دلول

أمد/ تمهيد:
ختطت إسرائيل لنفسها منذ عام 1948 نظرية أمنية، وعملت على تطبيقها، وحققت وفقها الكثير من الإنجازات العسكرية، وألحقت بالعرب عددا من الهزائم أدت في النهاية إلى خضوع أغلب العرب لها، وتطبيع العلاقات معها، وإقامة علاقات دبلوماسية وتجارية واقتصادية معها. ووصل الحد ببعض العرب إلى التعاون الأمني معها ومن ضمنهم فلسطينيون.(1)

لكن معارك إسرائيل ضد المقاومة العربية سواء في جنوب لبنان أو جنوب فلسطين تلقي ظلالا ثقيلة على نظرية الأمن الإسرائيلية بحيث أنها غدت بلا جدوى، ومدمرة الأركان والأسس.
لبقاء قوة عسكرية أولى في المنطقة العربية الإسلامية بحيث تستطيع تحقيق نصر عسكري على الدول العربية والإسلامية فرادى ومجتمعة. كان الشعار الإسرائيلي الأمني المستمر أن بقاء إسرائيل مرتبط بقدراتها العسكرية الرادعة، ويجب أن يبقى جيشها أقوى جيش في المنطقة وقادرا على حسم المعارك بسرعة وكفاءة عالية.

وقد تبنت الولايات المتحدة الأميركية هذا الشعار وعملت على تمكين إسرائيل عسكريا حتى تبقى قوة عسكرية فوق التحدي. ومن هنا تولد شعار الجيش الذي لا يقهر ليكون جزءا من حرب نفسية مدعومة ميدانيا ضد العرب ومن والاهم.(2)

لم تعتمد إسرائيل على مساعدات عسكرية غربية فقط وإنما عملت على تطوير السلاح الذي تحتاجه، فطورت الدبابات والطائرات المقاتلة والطائرات الإلكترونية والصواريخ والزوارق الحربية والبنادق. إلخ. وفوق ذلك قررت إسرائيل امتلاك أسلحة الدمار الشامل وطورت قدرات نووية كبيرة يفتقر إليها خصومها.
_________________
1) المسيري ،عبد الوهاب ، الموسوعة اليهودية، دار الشرق القاهرة، ،1999،ص415.

2) بهاء الدين ، أحمد ، إسرائيليات، دار الهلال القاهرة، ص1965، ص178.

الفصل الاول

النظرية الأمنية الإسرائيلية1948

المبحث الاول :

النظرية الأمنية الإسرائيلية1948

المبحث الثاني :

انهيار أركان النظرية الأمنية

الفصل الاول :
النظرية الأمنية الإسرائيلية1948
المبحث الاول :
النظرية الأمنية الإسرائيلية1948
ولهذا عملت إسرائيل منذ عام 1948 على الاعتماد على نفسها في مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والسياسية والعسكرية والأمنية... إلخ. أسست الحركة الصهيونية للانطلاق العلمي على اعتبار أن النهوض العلمي هو أساس النهوض في مختلف المجالات فأقامت مدرسة زراعية في يافا عام 1870 لتعليم أبنائها فن الزراعة، ثم أقامت معهد رحوفوت للبحث العلمي ولم يكن له مثيل في المنطقة وذلك عام 1910، وأقامت أيضا معهد التخنيون في حيفا عام 1912، وافتتحت الجامعة العبرية عام 1925.(1)

انطلقت إسرائيل في أبحاثها العلمية، وركزت بداية على تطوير الزراعة على اعتبار أنها مصدر الغذاء الأول ويؤسس لإرادة سياسية مستقلة عن إرادات الآخرين الذين يملكون القمح. وانطلقت بعدها إلى تطوير قدراتها العسكرية من خلال التصنيع العسكري وتطوير التقنية العسكرية، واتجهت إلى صناعة المجوهرات، وإقامة المصانع والمعامل على اختلاف أنواعها حتى غدت من أوائل الدول المصدرة. استمرت إسرائيل بداية في الاعتماد على مساعدات مالية خارجية من الدول الغربية وعلى تبرعات أثرياء اليهود في العالم، لكن بقي هدفها التحرر من هذه المساعدات والاعتماد على نفسها حتى لا تعض أصابعها ندما في المستقبل.

البقاء قوة عسكرية أولى في المنطقة العربية الإسلامية بحيث تستطيع تحقيق نصر عسكري على الدول العربية والإسلامية فرادى ومجتمعة. كان الشعار الإسرائيلي الأمني المستمر أن بقاء إسرائيل مرتبط بقدراتها العسكرية الرادعة، ويجب أن يبقى جيشها أقوى جيش في المنطقة وقادرا على حسم المعارك بسرعة وكفاءة عالية.(2)

وقد تبنت الولايات المتحدة الأميركية هذا الشعار وعملت على تمكين إسرائيل عسكريا حتى تبقى قوة عسكرية فوق التحدي. ومن هنا تولد شعار الجيش الذي لا يقهر ليكون جزءا من حرب نفسية مدعومة ميدانيا ضد العرب ومن والاهم.
_________________
1) أحمد ،صلاح زكي ، نظرية الأمن الإسرائيلي، دار ابن زيدون بيروت، 1986، ص134.
2) المسيري ،عبد الوهاب ، الموسوعة اليهودية، دار الشرق القاهرة، ،1999،ص416.
لم تعتمد إسرائيل على مساعدات عسكرية غربية فقط وإنما عملت على تطوير السلاح الذي تحتاجه، فطورت الدبابات والطائرات المقاتلة والطائرات الإلكترونية والصواريخ والزوارق الحربية والبنادق... إلخ. وفوق ذلك قررت إسرائيل امتلاك أسلحة الدمار الشامل وطورت قدرات نووية كبيرة يفتقر إليها خصومها.

خوض المعارك الحربية في أراضي الغير، وتجنيب إسرائيل دائما ويلات القتال على مناطق سيطرتها. أقامت إسرائيل جيشا كبيرا وسريعا ومسلحا بأحدث أنواع الأسلحة، وكانت حركته متميزة من بين جيوش العالم من حيث الوصول إلى أماكن التوتر والقتال، والقدرة على الحشد وتوجيه الضربات السريعة والقاضية.(1)

ولهذا جنبت إسرائيل تجمعاتها السكانية الكبيرة والصغيرة ويلات الحروب، وحصرت حروبها في البلدان العربية المجاورة لها، وأحيانا في بلدان عربية بعيدة عنها مثل تونس والسودان.

دمرت إسرائيل تجمعات سكانية عربية وغزت دباباتها أراضي العرب، وهاجمت طائراتها العديد من المراكز والمؤسسات العربية، ولم تقو الجيوش العربية على الدفاع عن نفسها أو وقف الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية المتكررة.(2)

شن حروب ناظرة تعتمد على جمع المعلومات حول العدو وقدراته العسكرية ومخازن أسلحته ومخططاته... إلخ. ولذا عملت إسرائيل باستمرار على توظيف عملاء وجواسيس عرب في كل البلدان العربية مع تركيز على الفلسطينيين ودول الطوق العربية. وظفت إسرائيل عملاء لها من ضباط الجيوش العربية، وربما من الوزراء والحكام العرب، ونشرت عملاءها في المؤسسات المختلفة الأمنية والمدنية، واستطاعت أن تقف على دقائق الأمور في الساحات العربية.

_________________
1) ربيع ،حامد ، نظرية الأمن القومي العربي، دار الموقف العربي القاهرة، 1980 ،ص123.
2) أحمد ،صلاح زكي ، نظرية الأمن الإسرائيلي، دار ابن زيدون بيروت، 1986، ص135.

"كان العراق أول دولة عربية تغزو إسرائيل بالصواريخ، لكن صواريخها كانت قليلة ولم تؤثر جذريا على نظرية إسرائيل الأمنية، لكنها أعطت مؤشرا حول اتجاهات المستقبل. المقاومة العربية في لبنان وفلسطين كانت الأكثر تأثيرا والأكثر قوة"

شنت إسرائيل حرب جمع معلومات شرسة وقوية وفعالة، وخاضت حروبها وهي تملك معلومات وفيرة حول الأهداف التي يجب ضربها أو تحييدها، فكانت خسائر الجيوش العربية كبيرة جدا، بينما بقيت الخسائر الإسرائيلية في أضيق نطاق ممكن، وقد اعتمدت باستمرار على أجهزتها الأمنية الداخلية والخارجية لتقدير موازين القوى، وقدرات العرب على المساس بها وبجيشها، وكانت تتصرف دائما بناء على علم مسبق.(1)

الحرب الاستباقية أو الوقائية هي أفضل الحروب وأقلها خسائر، منذ البدء اعتمدت إسرائيل على المثل القائل "تغدى فيه قبل أن يتعشى فيك" أي يجب ضرب أي قوة عربية ناهضة وتدميرها قبل أن تكبر وتصبح قادرة على ضرب إسرائيل عسكريا. ولهذا عملت إسرائيل بعد عام 1948 على القيام بأعمال استفزازية بهدف جر جيوش عربية إلى ميدان المعركة ومن ثم القضاء عليها قبل أن تصبح قادرة على الإقلاع والتحدي.

اختطت إسرائيل برامج تثقيفية وتعليمية منذ قيامها بهدف تطوير العقلية العلمية لدى سكانها والتفكير العلمي، وبث الوعي بوجهة نظرها فيما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي، وبرفع مستويات الالتزام والفداء والتضحية من أجل إسرائيل. وعملت على بث الثقة في نفوس سكانها والهدوء والطمأنينة لكي يكونوا قادرين على مقاربة همومهم ومشاكلهم بروية ومنطق وأسلوب علمي. الدولة قوية بقوة أبنائها، وأولئك غير الأحرار وغير العلميين لا ينفعون لإقامة دولة وصون وجودها.(2)
_________________
1) أحمد ،صلاح زكي ، نظرية الأمن الإسرائيلي، دار ابن زيدون بيروت، 1986، ص136.
2) المسيري ،عبد الوهاب ، الموسوعة اليهودية، دار الشرق القاهرة، ،1999،ص417.

سابعا: الهدف الأمني الإسرائيلي النهائي هو أن تبقى إسرائيل واحة الأمن الحاضنة لكل يهود العالم، وإبقاء جدلية الصهيونية بأن لا أمن لليهود إلا في إسرائيل قائمة ومقنعة.
المبحث الثاني :
انهيار أركان النظرية الأمنية
كان العراق أول دولة عربية تغزو إسرائيل بالصواريخ، لكن صواريخها كانت قليلة ولم تؤثر جذريا على نظرية إسرائيل الأمنية، لكنها أعطت مؤشرا حول اتجاهات المستقبل. المقاومة العربية في لبنان وفلسطين كانت الأكثر تأثيرا والأكثر قوة.

شكلت حرب عام 2006 على لبنان الهزة الكبيرة الأولى للجيش الإسرائيلي، وكل النسيج الأمني الإسرائيلي. أمطر حزب الله إسرائيل بوابل متلاحق من الصواريخ شلت الحياة المدنية، تساقطت الصواريخ على المدن الإسرائيلية والمستوطنات، وهرع الناس إلى الملاجئ. لم تعد شوارع إسرائيل وميادينها آمنة، وأصبح البشر والحجر مهددون بدمار الصواريخ. لم تعد منطقة شمال إسرائيل آمنة، وفقد الناس شعورهم بالأمن وثقتهم بقدرة دولتهم على حمايتهم.(1)

وتبنى حزب الله على مدى السنين نظرية التحصين الأمني بحيث يقضي على الجواسيس والعملاء، ويمنع بذلك عن إسرائيل مصادر المعلومات. صحيح أن إسرائيل تملك وسائل تقنية لجمع المعلومات، لكن الحزب عمل على امتلاك وسائل تقنية مشابهة، واعتبر أن العنصر البشري هو الأهم في جمع المعلومات. لاحق العملاء والجواسيس، وطور أساليب متعددة لاقتفاء أثرهم، ولهذا أقدمت إسرائيل على حرب شبه عمياء، غير ناظرة ففاجأها الحزب بقدراته العسكرية الميدانية والتكتيكية المتعددة.

أهم ما جرى هو أن الحزب استطاع تحييد الطيران الإسرائيلي وذلك من خلال إقامة شبكة أنفاق تحت الأرض حتى لا يستطيع الطيران الوصول إلى المقاتلين. فانتقم الطيران من المدنيين ومن بيوت المواطنين العاديين.(2)
_________________
1) المسيري ،عبد الوهاب ، الموسوعة اليهودية، دار الشرق القاهرة، ،1999،ص418.

2) ربيع ،حامد ، نظرية الأمن القومي العربي، دار الموقف العربي القاهرة، 1980 ،ص124.

"لم يعد الفلسطينيون يحاربون من دول الجوار وإنما من بلادهم وانطلاقا من أرض محررة محاصرة. وليس هذا فحسب، وإنما يعمل سكان التجمعات السكانية اليهودية في جنوب فلسطين الآن على الرحيل ليخرجوا من همّ الصواريخ الفلسطينية"

المهم أن المعركة لم تجر على أرض لبنان فقط، وأن إسرائيل لم تفاجئ حزب الله، بل هو الذي فاجأها، وواحة الأمن الإسرائيلية أصبحت تقض المضاجع، ونظرية الجيش الذي لا يقهر لم تعد موجودة، وثقة الإسرائيليين بجيشهم أصيبت بضربة قوية.(1)

كما يندرج ذات المفهوم ضمن سياق مرتبط بالنظرة الإسرائيلية إلى الذات ونظرة اليهود إلى غير اليهود، فالنظرة إلى الذات تعني ذلك الشعور النفسي الداخلي للإنسان اليهودي القادم من الخارج بحثاً عن تحقيق الذات بعيداً عن "موروث الهولوكست"، و الاغتراب في أرض الميعاد في أجواء دولة عسكرية تعتمد على القوة - في المقام الأول - لاستمرارية وجودها والحفاظ على ما سلبته من الأراضي العربية، وهي بذلك تكون نظرة مستغرقة في البحث عن الأمن أولاً وقبل كل شيء، وبالمقابل نجد نظرة اليهود إلى غير اليهود نظرة تشوبها مقومات الإستعلاء الحذر وعدم الثقة انطلاقاً من دوافع دينية صرفة أو من دوافع أفرزتها دواعي احتلال أراضي الغير، واستيطان الأرض وإبادة شعبها أو تهجيره في سياق يُذكّر بالمعتدي النازي، وذلك إلى الحد الذي يعبر عنه مصطلح "الصهيونازية" أصدق تعبير عن هذا التوحد.(2)

_________________
1) العاجز ، صائب ، نظرية الأمن الإسرائيلي وأثرها على الأمن القومي العربي، مؤسسة الفيروز عمان، 1989 ، ص195.
2) ربيع ،حامد ، نظرية الأمن القومي العربي، دار الموقف العربي القاهرة، 1980 ،ص125.

وفي ضوء ذلك لا يمكن النظر إلى نظرية الأمن الإسرائيلي باعتبارها أداة للحماية الذاتية كما عبرت عن ذلك تاريخياً تلك التقاليد السياسية الثابتة، التي اتبعتها الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، إنما يمكن التعامل معها كونها المنطق الفكري الذي يراد به تبرير سياسة السيطرة وفرض الهيمنة الكاملة على الأرض ومن حولها من دول الجوار، بهدف ردع أية محاولات لاختراقات أمنية محتملة لاستعادة الحقوق المسلوبة.
وفي هذا السياق يمكن الإشارة إلى أن مفهوم الأمن الإسرائيلي يرتبط دراماتيكياً بالنظرة الإسرائيلية إلى الذات ونظرة اليهود إلى أنفسهم، وهو الأمر الذي يؤدي إلى توظيف التفوق العسكري لتحقيق التوازن والاستقرار كما تراه المؤسسة العسكرية الحاكمة في إسرائيل. "غادة كنفاني، نظرية الأمن الإسرائيلي". وتحديداً فهو يربط مفهوم الاستقرار بالردع والقدرة على التهديد به ومن ثم إجبار الطرف الآخر (دول الجوار العرب) على الاستجابة لما تراه إسرائيل مناسباً لأجوائها.(1)
كما يمكن أن يتشكل مفهوم الأمن الإسرائيلي بصورة تعتمد على تفوق قدرته العسكرية في المنطقة، الأمر الذي يفرز حالة من عدم التفكير (من قبل دول الجوار والدول العربية مجتمعة) في محاولة اختراق هذا التفوق والتسليم بالأمر الواقع واتخاذ خطوات وقائية، بدلاً من التفكير في حشد القوات العسكرية العربية لاختراق ذلك التفوق العسكري الإسرائيلي الذي يشكل قوة ردع ضاربة في المنطقة بأسرها. "صلاح إبراهيم، إستراتيجية الأمن القومي الإسرائيلي".
وإذا ما علمنا أن دولة إسرائيل قد نشأت "وسط بحر من الأعداء" كما يقول الكاتب الاسرائيلي هارون باريف في مقالة له نشرتها "المنار للصحافة والنشر"، فإن تمتع دولة إسرائيل بمساحة جغرافية صغيرة يفقدها العمق الإستراتيجي، لذلك فإن نظرية الأمن لديها تخضع للتغيير والتجديد والتطور باستمرار مقارنة بما يحدث من تطورات داخلية أو إقليمية وعالمية تجري ضمن ظروف تاريخية معينة، أي أن موضوع الأمن مصدر قلق دائم للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية وهو يمثل بؤرة إهتمام قصوى تسبق أياً من الأولويات الأخرى.
يقول شمعون بيريز فى كتابة "الشرق الأوسط الجديد" حول هذه المسألة: "إن موضوع الأمن لا يمكن اعتباره موضوعاً قابلاً للنقاش أمام أي رئيس حكومة إسرائيلية، إنه موضوع حياة أو موت بالنسبة لنا جميعاً، وعليه فإن النظر للأمن الاسرائيلي يجب أن يتقدم سلم الأولويات قبل تنفس الهواء، فبقدر ما نضغط أمنياً على أعدائنا بقدر ما تتوفر فرص البقاء والوجود".(2)
_________________
1) صحيفة "الحياة الجديدة ،ص52.
2) العاجز ، صائب ، نظرية الأمن الإسرائيلي وأثرها على الأمن القومي العربي، مؤسسة الفيروز عمان، 1989 ، ص196.


كما يشير أحمد بهاء الدين في كتابه "إسرائيليات" إلى أن مفهوم الأمن الإسرائيلي قد تنامى وأصبح من أهم ضرورات البقاء، وذلك يعود إلى عاملين أساسيين داخل إطار الدائرة الدينية والتي تؤكد أولاً أن إسرائيل هي "وعد الرب لنبيه إبراهيم "، وهي حلم صهيون، وأن هذا الحلم الذي توارى في سنوات الشتات والاضطهاد بفعل ظلم وطغيان قوى القهر والبغي لم يكن غائباً عن وجدان بني إسرائيل، والثاني ينبع من كون إسرائيل أقيمت فوق أراضي فلسطين التاريخية وسط موجة من العداء المستحكم والمفروض فرضاً على أرض الواقع، ففي الإعتقاد الإسرائيلي: "إن تقديم تنازلات من أراضي إسرائيل الكبرى يجب ألا يمس بجوهر الأمن الإسرائيلي بأي حال من الأحوال. "بنيامين نتنياهو، مكان تحت الشمس".
ويرى "إيغال الون" أن مفهوم الأمن الإسرائيلي - حتى قبيل إنشاء الدولة يعتمد على ما ورد في التوراة من نصوص، حيث ذكر أن من يصادر أحلام أو طموحات بني إسرائيل إنما يصادر حقاً شرعه الرب، كما أنه يصادر القوة الروحية الجبارة التي تدفع اليهود دفعاً للعمل والمثابرة والتضحية، بالإضافة إلى أن حلم صهيون وأرض الميعاد ما هي إلا عوامل ربط يهود الشتات بأرض يهود إسرائيل، وكل من تجرأ على حلم صهيون فإنه يجرد الصهيونية من مقوم الوحدة بين يهود العالم وبين أرض صهيون، وهو ما يقوض أركان الأمن الإسرائيلي.(1)
وعلى الرغم من هذه النظرة لمفهوم الأمن نجد إتساع رقعة التوجه استراتيجياً فى السنوات التى تلت إعلان الدولة، في الوقت الذي ربحت به إسرائيل بقرار التقسيم عام 1947. وقد اكتفت بالحدود الضيقة التى منحها القرار لها، ووجدناها عام 1967 تجاوزت تلك الحدود الأمنية وانطلقت لتهديد أمن ثلاث دول عربية مجتمعة، بدعوى الحفاظ على الأمن وإجبار تلك الدول على التسليم بسياسة الأمر الواقع الأمنية، والتي سرعان ما تراجعت في حرب أكتوبر عام 1973 ، لترسم صورة مغايرة لمفهوم الأمن بامتلاكها للقوة النووية الضاربة بعد ذلك، وإن كان المشروع النووي الإسرائيلي قد بدأ بالفعل قبل ذلك.
وعليه فإننا نحاول من خلال هذا الكتاب - أن نرصد ونحلل التطورات المختلفة فى نظرية الأمن الإسرائيلي، وما تنطوي عليه من مضامين سيكولوجية، وذلك وفق مفاصل الحروب التي خاضتها الدولة العبرية ضد العرب، فمن مرحلة " العمق الاستراتيجي" و"الضربة المضادة الاستباقية" كما أشار شمعون بيريز، إلى "استراتيجية الردع النووي" منذ العام 1975 ، وإلى "استراتيجية الهجوم الاستباقي" المتبعة حالياً في الأراضي المحتلة وغيرها من الإستراتيجيات الأخرى.(2)
_________________
1) ربيع ،حامد ، نظرية الأمن القومي العربي، دار الموقف العربي القاهرة، 1980 ،ص123.
2) العاجز ، صائب ، نظرية الأمن الإسرائيلي وأثرها على الأمن القومي العربي، مؤسسة الفيروز عمان، 1989 ، ص197.


ومثال على ذلك التأرجح والتغير فى مفهوم الأمن الإسرائيلي ونظريته، نجد أن الدولة العبرية قبيل إندلاع حرب 1967، قد شددت على ناحيتين إيجابيتين في وضع الحرب، أولهما إيجاد خطوط دفاعية مثالية جغرافية على طول خطوط المجابهة مع الجيوش العربية، وثانيهما امتلاك فترة مطولة من الإنذار المبكر، وخاصة بالنسبة للجبهة الجنوبية في شبه جزيرة سيناء، وقد نجم عن هذا الوضع الجديد تبنّي إسرائيل "نظرية الحدود الأمنية" لحرص الدولة العبرية على إيجاد مسوغ تبرر بواسطته الاحتفاظ بالأراضي المحتلة، تحقيقاً "لنظرية العمق الإستراتيجي" المطلوب تحقيقها للأمن. لذلك فإن المبدأ الأمني القديم الداعي إلى "نقل الحرب إلى أراضي العدو" لم يعد ملزماً بالنسبة للجيش الاسرائيلي. "هيثم الكيلاني - نظرية التفوق الإسرائيلي".(1)
ومن هنا يمكن القول إن مفهوم الأمن الإسرائيلي، وكذلك نظرية الأمن الإستراتيجي الإسرائيلي قد عبرت مراحل مختلفة متناقضة تبعاً للظروف الإقليمية والدولية، وفي ضوء تعاقب حكومات إسرائيل نفسها، وتباين أهدافها الانتخابية والمرحلية، إلا في قواسم مشتركة أبقت على معيار هام جداً لا يمكن الحيدة عنه بأي ثمن، ألا وهو أن مقولة الأمن، أو الهاجس الأمني في الدولة العبرية لا بد أن يظل طوقاً للبقاء والنجاة أولاً وقبل كل شيء. وحتى مع تغيرات هذا المفهوم وتلك الاستراتيجية عبر تواريخ تأسيس الدولة العبرية، ومروراً بحروبها مع الدول العربية، خاصة حرب 1973، وانتهاء بالإنتفاضة الفلسطينية الأولى والثانية، وبما حققتاه من اختراق واضح وتاريخي لمفهوم الردع الاسرائيلي، ظلت مفاهيم الأمن واستراتيجياته تدور في فلك عملية البحث الدؤوب عن الصورة المثلى، لإبقاء الدولة العبرية متفوقة على العرب جميعاً في جميع مناحي التفوق العسكري، والتكنولوجي، والاقتصادي.
إن التقلبات التى طرأت على مفهوم الأمن الإسرائيلي، قد ارتكزت على أطر وتحليلات سيكولوجية لموقف هذه الدولة منذ بنائها التأسيسي، الذي أفرزته وقائع دولية أبرزها شعور أوربا بما لحق من ضيم بالشعب اليهودي، نتيجة لما حدث فى "الهولوكوست" النازية وما سببه شتات اليهود من مخاوف لتلك الدول الأوروبية، أبرزها شعور اليهود بالإحباط والرغبة الجامحة في الإنتقام، وهو الأمر الذي جعل تلك الدول مجتمعة تسعى للبحث عن موطئ قدم لليهود أو "مكان تحت الشمس" كما قال نتنياهو (رئيس وزراء إسرائيل الأسبق) في معظم صفحات كتابه الذي حمل العنوان نفسه.(2)

_________________
1) العاجز ، صائب ، نظرية الأمن الإسرائيلي وأثرها على الأمن القومي العربي، مؤسسة الفيروز عمان، 1989 ، ص198.
2) صحيفة "الحياة الجديدة ، عدد 4،ص53.


الفصل الثاني
النظرية الاسرائيلية القومية
المبحث الاول :
نظرية الأمن القومي الإسرائيلي
المبحث الثاني
البعد الزماني والمكاني للأمن الإسرائيلي
المبحث الثالث:
تحديات الأمن القومي الإسرائيلي

المبحث الرابع :
مصادر النظرية الأمنية

الفصل الثاني : النظرية الاسرائيلية القومية
المبحث الاول :
نظرية الأمن القومي الإسرائيلي
استمد الفكر الأمني الإسرائيلي شرعيته السياسية من الأفكار والتعاليم التي جاءت بها الديانة اليهودية، وذلك في إطاره العام الذي صاغه ديفيد بن غوريون أحد مؤسسي دولة إسرائيل وأول رئيس وزراء للدولة العبرية، وذلك إلى الحد الذي يمكن القول فيه إن الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية ما هي إلا الإطار الفكري والتطبيقي للعقيدة الدينية، سواء في الدعوة للإستيلاء على الأرض "تنفيذاً لوعد الرب"، أو من خلال القناعات اليهودية الصهيونية.
وقد مر مفهوم الأمن الإسرائيلي بأربع مراحل أساسية: مرحلة القاعدة الإستيطانية، ثم مرحلة تحويل القاعدة إلى دولة، ومرحلة التوسع، ومرحلة الهيمنة، ومن هنا ندرك أسباب هذا التغيير والحراك في المفهوم الأمني لما تقتضيه السياسة التوسعية التي تنتهجها إسرائيل، فهو مفهوم متحرك يتبدل بتبدل الظروف السياسية والعسكرية المحيطة، كما أنه لا يعني الدفاع عن أرض محدودة، بل يتحقق على أساس ردعي يمنع بمعطياته نشوب حرب أخرى، إلى حين إتاحة الظروف التي تراها إسرائيل مناسبة لنشوب حرب تخدم مصالحها وتحقق أهدافها.(1)
ورغم المتغيرات والحراك في مرتكزات مفهوم الأمن الإسرائيلي، إلا أنه يمكن تحديد بعض ثوابت وركائز هذا المفهوم.
أولاً: نظرية الردع التي تبنتها إسرائيل في إطار عقيدتها الأمنية بهدف التقليل من احتمالات اندلاع الحرب بينها وبين العرب، ودفعهم إلى التسليم بها كأمر واقع عن طريق إقناعهم بأن أية مجابهة معها ستكون باهظة الثمن.
ثانياً: إستراتيجية الحرب الإستباقية وهي صفة اتسمت بها معظم الحروب التي شنتها إسرائيل ضد العرب، وتشكل أحد أنماط التعبير عن مصداقية الردع.
ثالثاً: مفهوم الحدود الآمنة، وهذا المفهوم يعد وفق هذه الإستراتيجية مفهوماً متغيراً وقابلاً للتمديد بما يتماشى مع متطلبات الأمن الإسرائيلي.
رابعاً: العمق الإستراتيجي، والذي يعتبر غيابه من التحديات الرئيسة للنظرية الأمنية الإسرائيلية "نظراً لوضع إسرائيل الجغرافي"، ومن هنا اعتقد مخططو نظرية الأمن الإسرائيلي أن من شأن أية حرب شاملة أن تهدد وجود الدولة، وهو ما دفعها إلى تجنب أي حرب من هذا النوع على أراضيها، مما استوجب بلورة مفهوم نقل المعركة إلى أرض العدو لإيجاد عمق إستراتيجي مصطنع.(2)
_________________
1) ربيع ،حامد ، نظرية الأمن القومي العربي، دار الموقف العربي القاهرة، 1980 ،ص127.
2) المسيري ،عبد الوهاب ، الموسوعة اليهودية، دار الشرق القاهرة، ،1999،ص419.
إن نظرية الأمن الإسرائيلي لا تستهدف فقط تحقيق الأمن عبر ضمانات دبلوماسية وسياسية دولية، بل تستهدف إيجاد الوسائل العملية الداخلية لدى إسرائيل القادرة على تجسيد نظرية الأمن الإسرائيلي، وفي هذا المجال تقول غولدا مائير: إن ما نريده ليس ضماناً من الآخرين لأمننا، بل ظروفاً مادية وحدوداً في هذه البلاد تضمن بشكل أكيد عدم نشوب حرب أخرى. وبذلك نرى أن نظرية الأمن الإسرائيلي تقوم على مبدأ الحقائق الملموسة، بتعبير آخر تستند إلى قوة فعلية تتجسد في وجود جيش عسكري قوي يشكل سياجاً حقيقياً للأمن الإسرائيلي، في مرحلة معينة، ووسيلة لتحقيق نظرية الأمن التي تتضمن في إطارها مظاهر التوسع في الأرض العربية أيضاً.
ونظرية الأمن الإسرائيلي ترتكز على جملة من العوامل المتداخلة المترابطة، والتي تشمل مختلف مجالات النشاط والفعاليات الحيوية في إسرائيل، ومن هنا فإن نظرية الأمن الإسرائيلي هي ظاهرة مركبة تتكون من القوة العسكرية، والهجرة اليهودية إلى إسرائيل، وتوسيع عمليات الاستيطان، وتخفيف الهجرة المعاكسة من إسرائيل إلى الخارج، وتقوية القاعدة الاقتصادية، وتأمين تحرك سياسي دبلوماسي خارجي يوظف لصالح تأمين متطلبات الأمن، وتوفير المعلومات اللازمة عن الدول العربية، وفي النهاية استخدام العوامل السابقة من أجل التوسع قدر الإمكان وضمن المناطق الحيوية والاستراتيجية المحيطة بإسرائيل، لذلك تتضمن الاستراتيجية الإسرائيلية مخططات شاملة للتوسع في جنوب لبنان، والضفة الغربية، والجولان.
والسؤال الحائر الذي يواجه نظرية الأمن الإسرائيلي يتمثل في كيفية التعامل مع مصادر التهديد الداخلي والخارجي وتحديداً أيهما يجب أن يحظى بالأولوية.(1)
ومن الملاحظ أن وجود نظرية الأمن الإسرائيلية واستمرارها مرتبط بشكل أساسي بتأمين متطلبات القوة اللازمة بكل أشكالها وأبعادها السياسية والعسكرية والإقتصادية والتكنولوجية، التي تشكل أحد الأسس والمرتكزات الهامة للإستراتيجية الإسرائيلية، وعملية تأمين استمرارية الدعم المختلف والمتعدد الجوانب شكلت أيضاً عاملاً أساسياً في قيام إسرائيل وفي الحفاظ على ديمومتها واستمراريتها وتأمين وسائل ومتطلبات تطورها وتوسعها أيضاً.
وقد ركزت الحركة الصهيونية قبل قيام إسرائيل على الدعم السياسي، كعامل هام للمساعدة على إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين، وبعد قيام إسرائيل استمر مخططو الاستراتيجية في إسرائيل في التركيز على استمرارية تأمين الدعم اللازم أيضاً لإسرائيل لتحويلها إلى حقيقة قائمة والاعتراف بها من جانب العرب، وأن هذا الاعتراف عملية تحتاج إلى علاقات متعددة متداخلة بين إسرائيل والمجتمع الدولي، وعبر هذه العلاقة تؤمن إسرائيل اعترافاً دولياً واسعاً بها. كما يمكنها هذا الإاعتراف من إقامة علاقات سياسية واقتصادية وعسكرية تؤمن لها عوامل القوة والاستمرار أولاً، وتحول هذه العلاقات إلى عوامل ضاغطة من قبل المجتمع الدولي وإسرائيل على العرب باتجاه القبول بالوجود الإسرائيلي إلى جانب الأمة العربية.(2)
_________________
1) العاجز ، صائب ، نظرية الأمن الإسرائيلي وأثرها على الأمن القومي العربي، مؤسسة الفيروز عمان، 1989 ، ص194.
2) المسيري ،عبد الوهاب ، الموسوعة اليهودية، دار الشرق القاهرة، ،1999،ص420.
المبحث الثاني
البعد الزماني والمكاني للأمن الإسرائيلي
وتُعَد نظرية الأمن القومي في إسرائيل ذات مركزية خاصة بالنسبة للكيان الصهيوني. فالمشروع الصهيوني مشروع استيطاني مبني على نقل كتلة بشرية لتحل محل الفلسطينيين وتغيبهم، وتلغي تاريخهم وتستولي على أرضهم، وهو ما لن يتحقق إلا من خلال العنف والقوة العسكرية وخلق الحقائق الإقتصادية والسياسية والاستيطانية من وجهة نظرهم، وهذا هو الإطار الحقيقي الذي تدور داخله نظرية الأمن الإسرائيلي. وما عقلية الحصار سوى نتاج لهذا الوضع البنيوي، أي أن نظرية الأمن الإسرائيلي والهاجس الأمني يفترض أن الصراع حالة دائمة وعلى دولة إسرائيل ديمومة الاستعداد والتخطيط للحرب القادمة.(1)
هذا الإدراك يعبّر عن نفسه عبر المفاهيم التي تشكل ركائز نظرية الأمن في إسرائيل التي تدور جميعها حول فكرة إلغاء الزمان والارتباط بالمكان. فهناك فكرة الأمن السرمدي، أي أن أمن إسرائيل مهدد دائماً، وأن حالة الحرب مع العرب حالة شبه أزلية. وقد عبّر حاييم أرونسون عن هذه الرؤية في إحدى دراساته بالإشارة إلى ما سماه "حرب المائة عام (1882-1982) "، أي الحرب الدائمة بين العرب والصهاينة. وهو يذهب إلى أن هذه الحرب لا تزال مستمرة، ويُفسّر هذا الاستمرار على أساس أن إسرائيل بلد غربي حديث يعيش في وسط عربي لا يزال يخوض عملية التحديث، ومن ثم فهو معرّض للقلاقل ولا يمكن عقد سلام معه. ويتوقع أرونسون أن تستمر الحرب لفترة أخرى إلى حين الإنتهاء من تحديث العالم العربي. وقد تحدّث موشيه ديان عن (إين بريرا) وهي كلمة عبرية تعني "لا خيار"، فعلى المستوطنين أن يستمروا في الصراع إلى ما لا نهاية. "د. عبد الوهاب المسيري".
وقد استخدم إسحق رابين تعبير "الحرب الراقدة" لوصف العلاقة القائمة بين إسرائيل والمحيط العربي، كما استخدم الكثير من القيادات الإسرائيلية تعبيرات مشابهة مثل تعبير "الحرب منخفضة الحدة"، حيث تشير كلها إلى غياب الحدود الواضحة بين الحرب وحالة السلم في علاقة الدولة الصهيونية بمحيطها.
ويرى كثيرون من أعضاء المؤسسة العسكرية الإسرائيلية أن التوجه نحو السلام مجرد مرحلة انتقالية يلتقط العرب فيها أنفاسهم ليعاودوا القتال، وهو ما أثبته تاريخ الصراع عبر الأعوام المائة السابقة . من ثم يصبح من الضروري محاصرة العنصر الإنساني الفلسطيني وقمعه بضراوة كما حدث أثناء الانتفاضة، وكما يتبدّى من المفهوم الإسرائيلي للحكم الذاتي. أما بالنسبة للعرب فلا بد من ضربهم باستمرار لبث روح اليأس فيهم وإقناعهم بأن الاستمرار في تبنّي الصراع العسكري كوسيلة لاستعادة الحقوق غير مجدٍ .(2)
_________________
1) صحيفة "الحياة الجديدة ،عدد5، ص54.
2)الموسوعة الفلسطينية ، ج4، ص452.

وإذا كان الزمان تكراراً رتيباً لا يأتي بالسلام أو بالتحولات الجذرية، فإنه لا يبقى سوى المكان الثابت الذي لا يعرف الزمان. "د. عبد الوهاب المسيري، الموسوعة اليهودية". وبالفعل نجد أن الأرض تشكل حجر الزاوية في الأيديولوجية الصهيونية وفي نظرية الأمن الإسرائيلية، فالأرض الخالية من العرب، أي من الزمان العربي، هي المجال الحيوي الذي يمكن توطين الشعب اليهودي فيه وتحويله إلى عنصر استيطاني يقوم على خدمة المصالح الغربية في إطار الدولة الوظيفية. ومن دون الأرض سيظل الشعب اليهودي شعباً شريداً طريداً، بلا سيادة سياسية أو اقتصادية. والأرض التي يستولي عليها الصهاينة لا بد أن تُعقَّم من زمانها التاريخي العربي، لكي تصبح أرضاً بلا زمان، أي أرضاً بلا شعب.
ولذا فنظرية الأمن الإسرائيلي تدور داخل فكرة الحدود الجغرافية الآمنة ذات الطابع الغيتوي التي تستند إلى معطيات جغرافية مثل الحدود الطبيعية: نهر الأردن، هضبة الجولان، قناة السويس. وقد اقترح حاييم أرونسون ما سماه "الحائط النووي"، أي أن تقبع إسرائيل داخل حزام مسلح تحميه الأسلحة النووية. وهي فكرة بسيطة مجنونة، تتجاهل العنصر الإنساني الملتحم بالجسد الصهيوني نفسه، ولا تختلف فكرة المستوطنات - القلاع المحصنة كثيراً عن الحائط النووي، وهي سلسلة من المستوطنات التي تحيط بحدود إسرائيل في الضفة الغربية وقطاع غزة ومرتفعات الجولان والنقب، وهي مستوطنات أمنية مختلفة عن تلك التي أقيمت لأسباب دينية أو إقتصادية.(1)
وإزاء مشكلة غياب العمق الإستراتيجي للكيان الصهيوني يُحدّد الفكر العسكري الإسرائيلي ما يُسمّى "ذرائع الحرب" على نحو فريد. فالدولة الصهيونية تعتبر كل دولة عربية مسؤولة عن أي نشاط فدائي ينطلق من أراضيها، وازدياد هذا النشاط يُعدّ ذريعة من ذرائع الحرب. ويضاف إلى هذا الذرائع التالية:
لقد حددت الحركة الصهيونية فكرة الأمن بشكل جغرافي وأسقطت العنصر التاريخي، وتصوّرت أنه عن طريق الاستيلاء على قطعة ما من الأرض أو على هذا الجزء من العالم العربي أو ذاك وعن طريق التحالف مع الولايات المتحدة والقوة العسكرية، فإنها تحل مشكلة الأمن وتصل إلى الحدود الآمنة، ولكن الانتصارات الإسرائيلية التي كانت ترمي لتحقيق الأمن كانت تؤدي إلى نتيجة عكسية، حتى وصلت التناقضات إلى قمتها مع انتصار عام 1967، وكان لا بد أن تُحسم هذه التناقضات، وهو الأمر الذي أنجزت القوات المصرية والسورية يوم 6 أكتوبر 1973 جزءاً منه، ثم اندلعت الانتفاضة لتبين العجز الصهيوني..(2)
_________________
1) بهاء الدين ، أحمد ، إسرائيليات، دار الهلال القاهرة، ص1965، ص189.
2) المسيري ،عبد الوهاب ، الموسوعة اليهودية، دار الشرق القاهرة، ،1999،ص421.


ومع هذا تجدر الإشارة إلى أنه ثمة اختلافات داخل المعسكر الصهيوني في مدى هيمنة مقولة الأرض ، ويمكن القول إن صهيونية الأراضي الليكودية تعبير عن هذا التمركز الشرس حول الأرض وإهمال الزمان والتاريخ. أما الصهيونية الديموغرافية أو السكانية العمالية فهي تعبير عن إدراك الوجود العربي والزمان العربي وربما استعداد للتعامل معه، وإن كان التعامل يظل في إطار المنطلقات الصهيونية، وهي أن أرض فلسطين، أي (إرتس يسرائيل) في المصطلح الصهيوني، هي ملك خالص للشعب اليهودي وحده كما تنص على ذلك لوائح الوكالة اليهودية والصندوق القومي اليهودي .ولكن إن اختلف الصهاينة بشأن بعض التفاصيل فثمة إجماع صهيوني راسخ بأن أمن إسرائيل يتوقف على الدعم الغربي لها، وبخاصة الدعم الأمريكي، ولذا لا يوجد أي اختلاف بشأن هذه النقطة.
والحقيقة التي فاتت الزعامات الصهيونية أن أمن إسرائيل يمثل مشكلة كيانية، لأن إسرائيل كيان مزروع بلا جذور، ممول من الخارج من قبل يهود الغرب والدول الغربية، لا يتفاعل مع الواقع التاريخي العربي المحيط به، ولكي تُدافع إسرائيل عن أمنها، أي كيانها، يضطر الكيان الاستيطاني الشاذ إلى أن يعسكر نفسه عسكرة تامة ليتحول إلى المجتمع/القلعة الذي تجري العسكرية في عروقة والذي لا توجد فيه أية فواصل بين الشعب والجيش. وما تنساه الزعامات الصهيونية أنه بغض النظر عن مقدار الأمن الذي سيصل إليه هذا المجتمع وبغض النظر عن حجم انتصاراته، فإن عليه أن يخوض الحرب تلو الحرب ليدافع عن أمنه "المهدد" وذلك بسبب الحركة الطاردة في المنطقة. "فهمي هويدي، الموسوعة الصهيونية".(1)
المبحث الثالث:
تحديات الأمن القومي الإسرائيلي
الحقيقه أن مسـألة الأمن الخاصة بإسرائيل تتأثر بعدة عوامل يأتي في مقدمتها:
عامل الجغرافيا السياسية، وكما تشير المعطيات فإنه يحتشد حوالى 80 -90% من سكان إسرائيل في منطقة تمتد نحو 120 كلم على طول الشاطئ بين حيفا وأسدود، وهذا يشكل تهديداً أمنياً حقيقياً لإسرائيل نتيجة العمق الإستراتيجي الضيق الذي يجتمع فيه غالبية السكان هناك، وما يشكله ذلك من خسائر بشرية فادحة في حال تعرضت إسرائيل لهجمات تطول تلك المنطقة الجغرافية من إسرائيل، الأمر الذي يحد كثيراً من قدرة إسرائيل على المناورة والحركة.
ويأتي عاملا نسب القوى والموقف العربي العام في سياق تهديد الأمن الإسرائيلي، إلا أن مراقبين يرون أن هذين العاملين لم يعودا يشكلان تهديداً مباشراً لاسرائيل، التي ترتبط بعملية سلام مع الأردن ومصر ورغم ذلك فهي لا تزال تواجه سوريا في وضع قلق على جانبي مرتفعات الجولان.
_________________
1) المسيري ،عبد الوهاب ، الموسوعة اليهودية، دار الشرق القاهرة، ،1999،ص422.

2) بهاء الدين ، أحمد ، إسرائيليات، دار الهلال القاهرة، ص1965، ص199.

وهذا ما يبقي الهجوم على الجبهة الشمالية لإسرائيل أكثر احتمالاً بنظر العديد من الخبراء الاستراتيجيين، نظراً لعدم تحقيق أي تقدم على طاولة المفاوضات السورية الإسرائيلية، كما أن استمرار عمليات حزب الله في مزارع شبعا وتحميل إسرائيل دمشق مسؤولية استمرار هذه الهجمات، يبقيان حالة التوتر العسكري قائمة في ظل إجماع غالبية الخبراء الإسرائيليين على أن سوريا ستستمر بالتسلح ودعم حزب الله، وستستغل أول فرصة تسنح لها لشن هجوم مباغت لاسترجاع هضبة الجولان أو جزء منها، بالمقابل لم تعد هذه الهضبة تشكل أهمية كبيرة في مفهوم السياسة الدفاعية الاسرائيلية، كما أنها لم تعد حاسمة في توفير الأمن لإسرائيل بعد التقدم الكبير في تكنولوجيا الصواريخ والمدافع التي اختصرت جغرافية المكان والزمان، سيما وأن الصواريخ الباليستية التي تدّعي اسرائيل بأن سوريا تمتلك العديد منها سيتم استخدامها بكثافة اذا ما قررت سوريا ضرب أو صد أي هجوم اسرائيلي عليها، وهذا يعني أن هضبة الجولان فقدت أهميتها كعمق جغرافي لاسرائيل، وستحل محلها الصواريخ المضادة للصواريخ الباليستية التي ستقوم بالدور الأساسي في حماية عمق الدولة العبرية، مع ترسخ قناعة لدى الخبراء الإسرائيليين بأن التكنولوجيا الصاروخية لا يمكن أن توفر حماية وأمناً لإسرائيل بنسبة مئة بالمئة وخصوصاً ضد صواريخ الكاتيوشا.(1)
أما زئيف شيف المحلل العسكري في صحيفة "هآرتس" الاسرائيلية فيرى أن هذه المبادئ تتجسد في الاستراتيجية الدفاعية، الردع النووي الغامض ونقل الحرب الى أرض العدو، وبالمقابل يرى محللون أن ثمة سلسلة مشكلات ستظل تضع اسرائيل امام تحديات أمنية بعيدة المدى هي:
- صغر اسرائيل وقلة مواردها.
- انعزال اسرائيل من الناحية الجغرافية وضعف عمقها الاستراتيجي.
- حساسية الإسرائيليين للخسائر المدنية والعسكرية.
- رفض مجموعة من الدول العربية والاسلامية الاعتراف بشرعية إسرائيل ووجودها كدولة يهودية في المنطقة، على الرغم من أن المعطيات الراهنة تغيرت، حيث أبدى كثير من تلك الدول استعداداً للإعتراف باسرائيل، لا بل إن بعضها يقيم علاقات سرية سياسية أو تجارية معها.(2)

_________________
1) صحيفة الأيام ، عدد4 ، ص416.
2) الموسوعة الفلسطينية ، ج4، ص452.


- بعض دول المنطقة ترى في قدرات إسرائيل العسكرية تهديداً لأمنها ومصالحها.
- وعلى الرغم من أن هناك تطورات قلصت أو حدّت من مستويات التهديد الموجهة لاسرائيل مثل معاهدة السلام مع مصر ومعاهدة أوسلو مع الفلسطينين واتفاقية السلام مع الأردن، والنتائج المترتبة على حرب الخليج عام 1991 من تدمير البنية العسكرية العراقية التي كانت تشكل خطراً على الوجود الاسرائيلي، إلا أن إسرائيل ما زالت ترى أن هناك تهديدات متزايدة لأمنها، لأن الأمن هو الهاجس الذي تعيش فيه اسرائيل وتعتبر نفسها في تهديد دائم نتيجة صغر مساحتها الجغرافية وقلة سكانها، وترى في ذلك نقاط ضعف لا تجعلها قادرة على المجازفة بخسارة معركة واحدة خوفاً من انهيارها أو زوالها.(1)
وكما هو معروف لدى الخبراء في الشأن الإستراتيجي فإن التحولات العميقة التي طرأت على تكنولوجيا الأسلحة العسكرية أو ما يطلق عليها "الثورة في الشؤون العسكرية"، أخذت تسبب تحدياً آخر للأمن الإسرائيلي، فمثل هذه الأسلحة المتقدمة المزودة بتكنولوجيا رفيعة وأساليب حديثة جعلت الحديث عن الدفاع والأمن القومي الإسرائيلي ومهدداته موضوع جدل سياسي عام، يجري في سياق يسود فيه قلق كبير لدى الساسة الإسرائيليين من امتلاك جماعات متطرفة أو أفراد لمثل هذه التكنولوجيا المتطورة التي تهدد أمن اسرائيل، من هنا بات الحديث عن النظرية الأمنية الإسرائيلية في سياق مختلف عما كان سائداً من قبل، في ظل ازدياد ملحوظ لكثير من الإسرائيليين حول نظرتهم للأمن سيما مع ازدياد عدم الاستقرار العالمي نتيجة تهديد الارهاب أو خطر الهجمات التي تشن بالصواريخ، وقد يكون أقلها صواريخ محلية الصنع التي تستخدمها الفصائل الفلسطينية ضد أهداف إسرائيلية، فقد أعربت إسرائيل عن خشيتها من حصول الفلسطينيين على صواريخ تهدد ملاحتها الجوية، وحسب مصادر أمنية اسرائيلية فإن هناك إمكانية تهريب الصواريخ الروسية المضادة للطائرات من طراز "ام إي 18"، التي ستزود بها سوريا الضفة الغربية وقطاع غزة، إذ أن اسرائيل تعتبر وصول هذه الصواريخ للضفة الغربية تحديداً يمثل تهديداً بالغ الخطورة لملاحتها الجوية .وحسب المصادر العسكرية الاسرائيلية، فإن هناك خوفاً من أن تقوم سوريا بتزويد حزب الله بهذه الصواريخ، والذي يقوم بدوره بتهريبها لحركات المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة .وكانت إسرائيل قد اتهمت حزب الله بتهريب أسلحة ووسائل قتالية لحركات المقاومة الفلسطينية في الضفة والقطاع. وتحذر المصادر العسكرية الإسرائيلية من إمكانية أن يؤدي حصول الفلسطينيين على مثل هذه الصواريخ إلى تقليص قدرة سلاح الجو الإسرائيلي على العمل بحرية في أجواء الضفة الغربية وقطاع غزة. ويذكر أن وزير الدفاع الإسرائيلي السابق "شاؤول موفاز" قد ادّعى في وقت سابق أن حركات المقاومة قد حصلت مؤخراً على صواريخ مضادة للطائرات من طراز "ستريلا"، وشددت المصادر العسكرية الإسرائيلية على أن مستوى التهديد الذي تمثله صواريخ "إم إي 18" أكبر بكثير من الخطر الكامن في صواريخ "ستريلا".(2)
_________________
1) صحيفة الأيام ، عدد4 ، ص417.
2) الموسوعة الفلسطينية ، ج4، ص456.
ونتيجة هذه العوامل التي تهدد الأمن الإسرائيلي بدأت العقيدة الأمنية الإسرائيلية في تبني سياسة التسلح في إطار يتوافق والتهديدات والمخاطر الجديدة التي تواجه إسرائيل، مركزة على المنظومة الدفاعية "صواريخ وسلاح جو" مع تجاوز لمفهوم الأرض التي لم تعد من وجهة نظر المفكرين الإستراتيجيين الإسرائيليين ذات أهمية في توفير أمن إسرائيل، بقدر ما لفتت الصواريخ بعيدة المدى أنظار الإسرائيليين وزادت من قلقهم، في ظل مخاوف المخططين العسكريين الإسرائيليين من اقتراب خطر الصواريخ الإيرانية. وبحسب هؤلاء فإن لهذه الصواريخ تأثيراً جوهرياً في التفكير الإستراتيجي الإسرائيلي، لذا فقد أثارت تجربة إطلاق الصاروخ الإيراني (شهاب 3) والكشف عنه في عرض عسكري في طهران عام 1998 ردود فعل إسرائيلية قوية، ولا سيما التحذيرات التي صدرت عن وزير الدفاع الإيراني آنذاك بالرد على أية اعتداءات قد تشنها إسرائيل، وظهرت دعوات لتوجيه ضربات رادعة لإيران من قبل "افرايم سنيه وعوزي لنداو" عضوي لجنة الخارجية والأمن في الكنيست، وتقول تقديرات عسكرية اسرائيلية إنه ستتوافر لإيران خلال السنوات القليلة القادمة صواريخ ذات مدى أطول بإمكانها حمل رؤوس نووية وضرب العمق الإسرائيلي، وقد زادت التخوفات الإسرائيلية من القدرة الإيرانية على إنتاج قنبلة نووية يوماً بعد يوم، حتى أن إسرائيل تتحرك دولياً لعرض الملف النووي الإيراني على مجلس الأمن، في وقت لم تستبعد مصادر سياسية أن تقوم إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية لمحطات إيران النووية. من هنا فإن خطر الصواريخ بعيدة المدى أضاف تحديات جديدة إلى النظرية الأمنية الإسرائيلية من منطلق أن العدو القادر على مهاجمة العمق الإسرائيلي قد لا يكون بعد الآن على حدود إسرائيل .لذا واستباقاً لأية حرب ممكنة الوقوع ووفقاً للمفهوم الذي تبلور في سنوات ما بعد حرب الخليج الثانية، والتجارب الصاروخية التي تجريها إيران، رفع الجيش الإسرائيلي درجة استعداده لمواجهة خطر هذه الصواريخ عن طريق منظومة صواريخ دفاعية لاعتراض الصواريخ قبل وصولها إلى عمق إسرائيل.(1)

افترضت نظرية الأمن الإسرائيلية دائماً وأبداً بأن الدولة تواجه خطراً يهدد وجودها من جانب الدول العربية، وأنه لا يوجد لإسرائيل حلفاء مخلصون تستطيع الإستعانة بهم لمواجهة هذا الخطر.
وانطلاقاً من هاتين الفرضيتين أسس المسؤولون عن الأمن في إسرائيل نظريتهم الأمنية على مبدأ الإعتماد أولاً وقبل كل شيء على قدرة الجيش الإسرائيلي، وليس على التسويات السياسية أو الحلفاء الخارجيين، وأن مكانة الجيش في تأمين إسرائيل ضد المخاطر لها الأهمية الخاصة في النظرية الإستراتيجية للأمن القومي الإسرائيلي.(2)
_________________
1) صحيفة الأيام ، عدد4 ، ص416.
2) صحيفة القدس ، عدد 5، ص418.

ومنذ حرب 1948 تم رسم الإستراتيجية الأمنية على مبدأ الدفاع، أي المحافظة على الوضع الراهن وردع الطرف الآخر عن الحرب، ولكن في المستوى التكتيكي عند اقتضاء الأمر، توجد لدى هذه الإستراتيجية نظرية عسكرية هجومية، أي نقل الحرب إلى أرض الأعداء، وشن هجوم مسبق بقدر الإمكان، وفي ذلك يرى ديفيد بن غوريون "أن أخطر عدو لأمن إسرائيل هو الروتين الفكري لدى المسؤولين عن هذا الأمن"، وما عناه بن غوريون في هذا القول هو أن إسرائيل إذا ما اضطرت للحرب مرة ثانية فعليها أن لا تحارب في الماضي، بل في المستقبل، وأن ما نجح في الماضي ليس بالضرورة أن ينجح وأن يتلاءم مع المستقبل. إن ما دفع بن غوريون إلى هذا الرأي هو إدراكه أن بعض قادة الجيش في إسرائيل يفضلون التعايش مع إرث انتصاراتهم، ولا يرون ما يتطلبه الوقت الراهن، حيث رد عليهم في إحدى اجتماعاته بهم قائلاً: "إن الدفاع المحلي الثابت لم يعد الشيء المهم في دفاعنا، لذا يجب علينا أن نرى مشكلة الأمن وأسلوب دفاعنا بعين جديدة، ليس دفاعاً محلياً بل إقليمياً، ليس دفاعاً ثابتاً بل دفاعاً ديناميكياً، ليس أمن النقاط وإنما أمن المستوطنات والمواصلات ... إن كل مصطلحات الدفاع التي كانت متبعة لدينا في الماضي أصبحت الآن قديمة ومضى وقتها ... لقد تغيّر الوضع من أساسه، وإذا كنا لا نشعر بهذا التغيير فهذا ناجم فقط عن التفكير الروتيني ... نحن بحاجة إلى نظرية جديدة نرى من خلالها الوضع الراهن وجميع التغييرات التى تطرأ عليه في كل آن. "آرئيل لفيتا، النظريه العسكرية الإسرائيلية: دفاع وهجوم".(1)
المبحث الرابع :
مصادر النظرية الأمنية
أعتقد أن علينا أن نتناول في هذا الفصل الدوافع المادية الأساسية لتبني النظرية الأمنية، ولأغراض التوضيح نفترض أن اختيار النظرية لم يأت مصادفة، أو أنه كان ينبع من غريزة التفكير المفرط لتقليد جيش أجنبي أياً كان.
يتركز البحث هنا على مصادر النظرية في مجموعة الفرضيات والتقديرات التي جمعت من مصادر مختلفة وتبلورت على المستويين السياسي والعسكري الإسرائيلي وأجمع الكل على نجاعتها النسبية، وتمت ملاءمتها من النواحي (الجغرافية، السياسية، الإجتماعية، والإقتصادية) وما شابه ذلك مع متطلبات وضغوطات وظروف المنطقة التى تتميز بها اسرائيل.
إن حجر الزاوية الخاص بالنظرية الأمنية الإسرائيلية يمكن العثور عليه في الفرضيات الأساسية التي صاغها "ديفيد بن غوريون"، وأن الفرضية الأساسية بين تلك الفرضيات هي (أن وجود اسرائيل بالذات معرض للخطر من جانب الأعداء المحيطين بها من كل جانب ويطمحون للقضاء عليها بكافة الطرق، أي أن الخطر هو خطر وجودي)، وقد كرر بن غوريون هذه الفرضية في مناسبات عديدة، اخترنا هنا بعضاً من أقواله لكي نتناولها بالتحليل والدراسة.(2)
_________________
1) الموسوعة الفلسطينية ، ج4، ص458.
2) مركز الإعلام والمعلومات، الجدار الفاصل مجلة تقارير جامعة الأزهر، عدد (9) 2003، ص146.

"... إن جوهر مشكلة أمننا هو وجودنا بالذات وهذا هو المعنى الفظيع لمشكلتنا الأمنية، إن هذه الحرب تهدف إلى إبادة الإستيطان اليهودي وتدميره، وإن العرب يعرفون بأنه لن تكون هناك سلطة عربية في هذه البلاد طالما بقي اليهود هنا مع أنهم يشكلون أقلية بالنسبة للعرب، وإن الهدف السياسي للعرب يستوجب القضاء على هذه الحقيقة المزعجة أي محو اليهود من على وجه هذه الأرض". "أرئييل لفيتا، مرجع سابق".
وانطلاقاً من هذا التعريف لمشكلة الأمن الإسرائيلية انبثقت ضرورة البحث عن الحلول والوسائل لضمان بقاء وجود الدولة العبرية.
وخلال البحث عن الحلول لمشكلة الوجود تبنّى واضعو النظرية فرضيتين أساسيتين:
الأولى: أنه لا يمكن لإسرائيل أن تعتمد على عنصر أو عناصر خارجية مهما كانت لضمان وجودها.
الثانية: أن إسرائيل لن تستطيع تسوية النزاع بالوسائل العسكرية، وأنه لن يكون بالإمكان تحقيق حسم عسكري يؤدي إلى فرض شروط إسرائيلية للتسوية في الشرق الأوسط.
وهذا ما صرح به زعماء سياسيون وعسكريون إسرائيليون منهم رابين وبيريس وشارون نفسه، وقبلهم موشيه ديان وزئيف شيف ورفائيل إيتان ... وآخرون.(1)
إن المغزى العملي لهاتين الفرضيتين هو ضرورة تأسيس أمن إسرائيلي على قوة الجيش من أجل الردع والعمل وقت الضرورة، ولكن استخدام الجيش يجب أن يكون فقط لأهداف إستراتيجية دفاعية، أي المحافظة على الوضع الراهن، ونظراً لأهمية هذه الفرضية في رسم الطريق التي يمكن للجيش أن يوفر من خلالها الأمن للدولة ويضمن بقاءها نرى أنه من المناسب التوسع في الحديث عنها.
إن الإفتراض الأساسي لدى إسرائيل هو أنها لا تستطيع أن تعتمد في ضمان أمنها على أي عنصر أجنبي، فقد تبنت إسرائيل تقدير الموقف الذي بلوره بن غوريون لدى قيام الدولة وهو أن التأييد والتعاطف والمساعدة السياسية والعسكرية التي حظيت بها إسرائيل من دول مختلفة أثناء التصويت في الأمم المتحدة على قرار التقسيم، لا يمكن أن تشكل دليلاً على استعداد هذه الدول لأن تهبّ لنجدة إسرائيل إذا تعرضت لخطر يهدد وجودها. وقد ذهب بن غوريون لتوضيح هذه الفرضية إلى تقسيم العالم إلى خمس كتل حسب علاقتها مع إسرائيل، وكانت الكتلة الأكثر تأييداً لإسرائيل في نظره هي الكتلة التي اعترفت بإسرائيل وبوجودها ولكنها في الوقت نفسه لا تبدي مبالاة بِشأن تعرض هذا الوجود للخطر.(2)
_________________
1) صحيفة القدس ، ص416.
2) الموسوعة الفلسطينية ، ج4، ص452.

لذلك قال: "علينا أن نعي الحقيقة المجردة البسيطة والقاسية في آن واحد ألا وهي أنه بالنسبة لأمننا يجب علينا أن نعتمد أولاً وقبل كل شيء على أنفسنا فقط وعلى قدرتنا وليس على قوى خارجية ..."، وقال في مناسبة أخرى: "علينا أن نعتمد على أنفسنا وعلى قوتنا نحن، ويجب أن تكون هذه القوة قادرة على الحسم ... وعلينا الإستعداد للحرب من خلال الإعتماد على قدرتنا نحن ... إن مصيرنا ومصير الإستيطان اليهودي والشعب والدولة اليهودية يتوقف علينا قبل كل شيء".
ويستدل الإسرائيليون المؤمنون بهذه الفكرة بالموقف الأمريكي الضاغط على إسرائيل من أجل الخروج من سيناء عام 1956، واتفاقية الدول العظمى بشأن التنسيق في بيع الأسلحة لمنطقة الشرق الأوسط، كأمثلة على صحة هذه الفرضية.(1)
إلا أن هذا التقدير لم يمنع بن غوريون ومن جاء بعده من زعماء إسرائيل من السعي إلى التوصل إلى تفاهمات وتعاون استراتيجي على الأقل مع دولة عظمى، وعلى سبيل المثال فرنسا في الخمسينيات ومطلع الستينيات، ومن ثم الولايات المتحدة بعد ذلك، ولكن حتى ذروة هذا التعاون ومع تلك الدول العظمى، ورغم أهميته البالغة إلا أنه لم يعتبر في يوم كضمان كاف للمحافظة على وجود الدولة، والذي يمكن أن يوفر عليها ضرورة بناء قوة دفاعية ذاتية كاملة. وذلك لأن الأحداث التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط أثبتت لدى القادة الإسرائيليين بأنه لا يمكن الثقة المطلقة بتعهدات أية دولة من هذه الدول، وأن مصداقيتها بحاجة إلى وقت طويل واختبارات عملية لإثبات نفسها.
ومن بين هذه الأحداث نذكر على سبيل المثال: موقف الولايات المتحدة عام 1956 الذي أدى إلى تراجع كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل في الحملة على مصر، ومثال آخر يكمن في التحول في الموقف الفرنسي تجاه مشكلة الشرق الأوسط وإسرائيل في النصف الثاني من سنوات الستينيات، وكذلك عدم قيمة الوعود الأمريكية بشأن ضمان حرية الملاحة في مضائق تيران عام 1967، والعراقيل والصعوبات التي واجهت عملية تسيير القطار الجوي الأمريكي لإسرائيل في حرب تشرين أول / أكتوبر عام 1973.
علاوة على ما سبق يمكن القول إنه تولدت لدى الزعامة الإسرائيلية قناعة بأن بناء القدرة الدفاعية المستقلة تعتبر شرطاً لا بد منه، حتى تبدي الدول العظمى استعدادها لدعم إسرائيل والتعاون معها، أي أن كسب تأييد الدول العظمى والتعاون الإستراتيجي معها يصبح ممكناً فقط اذا رأت هذه الدول أن إسرائيل قوية وقادرة على الدفاع عن نفسها. وفي هذا السياق يقول: بن غوريون: "إنني لا أقول أننا لن نحصل علي مساعدات خارجية.(2)
_________________
1) صحيفة القدس ، ص417.
2) الموسوعة الفلسطينية ، ج4، ص459.


ولكن إذا كان هناك أمل في تطور في مجال تكنولوجيا الأسلحة الموجهة وبعيدة المدى، وميزة هذه الظاهرة هي القدرة على تدمير أهداف بعيدة للغاية، الأمر الذي من شأنه فصل عنصر تدمير الأهداف عن عنصر احتلال الأرض، وما قد يترتب على هذا المتغير من دخول دول عربية بعيدة عن حدود إسرائيل إلى دائرة الصراع دون إرسال جيوش في حالة نشوب حرب جديدة مثل العراق أو ليبيا أو حتى إيران ... كما أدخلت إسرائيل طائرة الهيلوكبتر الهجومية إلى سلاحها الجوي.(1)
جاءت قبل فترة وجيزة من بداية القرن الحادي والعشرين، وبعد فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية واستمرار انتفاضة الأقصى.
ويمكن اعتبار مكمن الخطورة في وثيقة هرتسيليا في الدعوة إلى تطبيقها وجعلها سياسة عامة، أو خطوط أساسية لحكومة يمينية قادمة، الأمر الذي سيعرض المنطقة الشرق أوسطية إلى حالة من عدم الاستقرار، التي قد تؤدي لاحقاً إلى الحرب، وفيما يلي عرض تحليلي لأهم بنود ومرتكزات وثيقة هرتسيليا.(2)

_________________
1) الموسوعة الفلسطينية ، ج4، ص459.

2) أحمد ،صلاح زكي ، نظرية الأمن الإسرائيلي، دار ابن زيدون بيروت، 1986، ص134.

الفصل الثالث :
منهجية تحليل الوثيقة ونتائجها
المبحث الاول :
منهجية تحليل الوثيقة ونتائجها


المبحث الثاني :
الركيزة اليهودية

المبحث الثالث :
الركيزة السياسية

المبحث الرابع :
الركيزة العسكرية


الفصل الثالث :
منهجية تحليل الوثيقة ونتائجها
المبحث الاول : منهجية تحليل الوثيقة ونتائجها
تضمنت وثيقة هرتسيليا ثمانية بنود أو مرتكزات شملت في مجملها مواضيع تتمحور حول الأمة اليهودية، والسياسة، والاقتصاد، والمجتمع، والتكنولوجيا، وآلية العلاقة بين مكونات المجتمع اليهودي، سواء الموجود داخل إسرائيل أو خارجها، وعلاقة هذا المجتمع بالبيئة المحيطة به، ولقد استخدمت في تحليل هذه الوثيقة كمضمون أمني منهج تحليل المضمون في جانبه الكيفي بحيث ركزت على مظاهر وجود أو غياب ظاهرة الأمن بأشكالها المختلفة ومن مستوياتها المتعددة في هذه الوثيقة، وذلك في إطار الوقوف على العلاقة بين نظرية الأمن الإسرائيلية وطبيعة سيكولوجية الشخصية الإسرائيلية، واستخدمت القراءة النقدية بمستوياتها الثلاثة الاستنتاجية، والاستنباطية، والاستكشافية، مما يساعد على استقراء الواقع الفعلي لتطبيقات نظرية الأمن الإسرائيلية في الحياة بأبعادها المختلفة، وما تنطوي عليه هذه النظرية من مضامين مستقبلية، وفي ضوء هذه المنهجية وهذا التحليل أمكن التوصل إلى الملامح الأمنية التالية(1)
الملخص الأساسي الذي تدور عليه هذه المرتكزات هو اعتبار إسرائيل دولة الشعب اليهودي فقط، وهي بذلك لا تشمل سكان إسرائيل غير اليهود، وفي مقدمتهم فلسطينيو 1948.
يمكن اعتبار ما ورد في هذا البند ملخصاً لجميع المرتكزات التي شملتها الوثيقة سواء اليهودية أو التربوية أو غيرها، وتبدو النزعة العنصرية واضحة في كل بند من المرتكزات الواردة في الوثيقة، وتعود الوثيقة وتؤكد على أن الشعب اليهودي بحاجة إلى مناعة قومية ووحدة هدف. وقد تكررت هذه المفاهيم في الوثيقة، التي أكدت أنها للتعبير عن اليهود (فقط)، وهذه المفاهيم هامة من أجل اكتساب قيم الصهيونية من خلال الأطر التعليمية.
إلا أن الوثيقة تذهب إلى أبعد من ذلك في عنصريتها، إذ تقسم حسب المعيار الاجتماعي/ الاقتصادي سكان إسرائيل إلى مجموعتين: الأولى فلسطينيو 1948 والحرديم اليهود الذين يتمتعون بالخصائص الإجتماعية / الإقتصادية لمجتمعات دول العالم الثالث، أما المجموعة الثانية فتضم الأغلبية، وهي عبارة عن مجتمع متكامل يقوم على التطور التكنولوجي. السبب الأساسي لهذا التقسيم هو كثرة الإنجاب، ومعدلات المواليد المرتفعة في المجموعة الأولى، إذ يعتبر فلسطينيو 1948 والحرديم من أكثر سكان إسرائيل إنجاباً، ولديهم القدرة على مضاعفة أنفسهم كل 15 ذ 20 سنة، ولذلك فهم يشكلون جماعة فتية جداً وفقيرة جداً وتسبب ضغطاً على النمو والتطور الذي تسعى إليه المجموعة الثانية، كما تؤثر سلباً على الوضع الاقتصادي.(2)
_________________
1) الموسوعة الفلسطينية ، ج4، ص460.

2) أحمد ،صلاح زكي ، نظرية الأمن الإسرائيلي، دار ابن زيدون بيروت، 1986، ص137.
الذي يعاني من مشكلتين أساسيتين في سوق العمل مقارنة بالدول الغربية وهما: - نسبة المشاركة المنخفضة في سوق العمل - مستوى إنتاج منخفض للعامل. وتضع الوثيقة مجموعة من السيناريوهات أو التصورات للخروج من هذه الأزمة تتمثل في العمل على تغيير السياسة الديموغرافية من خلال مجموعة كبيرة من الاستثمارات في المجال الإجتماعي.
إلا أن الوثيقة عادت واعترفت بعدم قدرة هذه الاستثمارات على سد الفجوة بين الوسطين. وقد وضعت الوثيقة إستراتيجيتين للتخلص من استمرار الإتجاهات الديموغرافية المتصاعدة، وتتمثل هاتان الإستراتيجيتان في (كبح جماح ومواجهة)، حيث تستوجب هذه الإستراتيجيات الإعتماد على الرموز الصهيونية التي من شأنها تعزيز الطابع اليهودي للدولة، وتعزيز العلاقة مع الشعب اليهودي في العالم أجمع.(1)
أما بالنسبة للعملية السياسية، فترى الوثيقة أن صيغة مدريد قد انتهت، وأنه يجب التفكير بصيغة جديدة. وليس بمقدور إسرائيل التفرد بهذه الصيغة أو صياغتها، ولكن في مقدورها أن تفرض آراءها وأفكارها على راعي هذه العملية سواء أكان الولايات المتحدة أو أوروبا، يمكن ملاحظة ترجمة هذه السياسة في التحفظات الإسرائيلية على خارطة الطريق، حيث تضع الوثيقة نطاقاً زمنياً مطولاً قد يستمر لجيلين قادمين من أجل التوصل إلى تسوية، ولذلك دعت إلى جاهزية إسرائيل الدائمة سواء للردع أو الحرب، وأوصت بتبني إستراتيجيات تدعم ركائز وجود إسرائيل.
المبحث الثاني :
الركيزة اليهودية
تقوم هذه الركيزة على تعزيز يهودية الدولة من خلال استمرار تهجير اليهود إليها، وذلك في محاولة للتخلص من الكابوس الديمغرافي وإسقاطاته على طابع وهوية إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، وقد بيّنت الوثيقة بشكل لا يقبل الشك من خلال إيرادها لمقارنات بين نسبة الولادات سواء الفلسطينية داخل إسرائيل، أو بالنسبة للفلسطينيين داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، بيّنت أن العامل الديمغرافي يشكل امتحاناً مباشراً وصعباً على مستقبل إسرائيل كدولة يهودية - صهيونية وديموقراطية، وكذلك على أمة إسرائيل، ولذلك وضعت عدة بدائل إستراتيجية أهمها:
- إيجاد نوع من التوازن في نسبة الزيادة الطبيعة.
- تشجيع وتسريع الهجرات.
- اتخاذ موقف مناهض لعودة اللاجئين الفلسطينيين إلى إسرائيل.(2)
_________________
1) صحيفة القدس ، ص418.
2) مركز الإعلام والمعلومات، الجدار الفاصل مجلة تقارير جامعة الأزهر، عدد (9) 2003، ص147.

- توزيع السكان اليهود في إسرائيل بما يحفظ تفوقهم إقليمياً وداخلياً.
بالإضافة إلى ذلك، فقد دعت الوثيقة إلى القيام بمبادرات من أجل ربط اليهود في العالم بإسرائيل من خلال ندوات تثقيفية، في محاولة لتعزيز الوازع القومي الديني، حيث دعت الوثيقة صراحة إلى تدخل عميق من إسرائيل في حياة الشعب اليهودي أينما وجد. ولا شك أن ما ورد في الوثيقة يعبر عمّا يطرحه قادة إسرائيل من أزمات سابقة، ونذكر هنا قضية تهويد الجليل والتي على أساسها جاءت وثيقة كنج.(1)
أما مشاريع التبادل السكاني التي يقترحها عدد من وزراء إسرائيل الحاليين مثل أفيغدور ليبرمان، فهي تعبر بشكل واضح عمّا يطرحه أساتذة الجغرافيا في إسرائيل مثل البروفسور آرنو سوفير، والذي يعتبر الوضع الديمغرافي من أشد الأخطار التي تواجهها إسرائيل، ولذلك فإن توصية المؤتمر بتغيير الوضع الديمغرافي من خلال المبادرات السياسية، يحمل في طياته نزعة عنصرية واضحة، ودعوة واضحة إلى تطبيق الترانسفير أو التبادل السكاني.
المبحث الثالث :
الركيزة السياسية
استعرضت الوثيقة في بداية عرضها للركيزة السياسية، عملية التسوية السلمية في الشرق الأوسط، كما بينت من خلال عرض موجز مرتكزات ومطالب كل فريق، وخلصت إلى أن إسرائيل تتطلع إلى وضع حد للنزاع يحفظ كونها دولة يهودية، بينما يتطلع الفلسطينيون إلى استعادة حقوقهم بطريقة تضع حداً عملياً لماهية إسرائيل اليهودية. ولذلك دعت الوثيقة إلى التعامل مع العملية السلمية كعملية تسوية، على أن تكون نتائج التسويات نهائية وثابتة، وهي إن دلت على شيء فإنها تدل على غياب تصور حقيقي إسرائيلي لعملية الصراع العربي - الإسرائيلي أو الفلسطيني - الإسرائيلي.
كما طرحت الوثيقة تصوراً آخر في ظل غياب سلام إقليمي شامل، ودون تسوية مع الفلسطينيين، وأيضاً في غياب تطبيق التسوية، فإن البدائل المطروحة أمام إسرائيل تكمن فيما يلي(2)
أ- العودة إلى المفاوضات الثنائية الأطراف، مع مشاركة أمريكية وفي مستويات مختلفة.
ب - الفصل أحادي الجانب من دون مفاوضات.
جـ - العمل على وجود مفاوضات متعددة الأطراف.
_________________
1) مركز الإعلام والمعلومات، الجدار الفاصل مجلة تقارير جامعة الأزهر، عدد (9) 2003، ص148.
2) صحيفة القدس ، ص419.


ويجب أن يجري كل ما سبق حسب شرطين إسرائيليين مسبقين:
1. أن تدار المفاوضات في ظل هدوء تام.
2. قبل بداية أية مفاوضات، يجب التأكيد على تنفيذ متطلبات المفاوضات السابقة.
يلاحظ في كل ما سبق غياب العنصر الزمني المرحلي، كما يلاحظ أن المعيار الأساسي لنجاح أية خطوة هو المصالح الإسرائيلية، أو حسب ما عبّرت عنه الوثيقة بـ "الشروط المريحة لإسرائيل".
المبحث الرابع :
الركيزة العسكرية(1)
حددت هذه الركيزة دوائر المواجهة مع إسرائيل، والتي تمركزت حول ثلاث دوائر تم تقسيمها جغرافياً إلى:
أ. دائرة محاذية، وتشمل الفلسطينيين بمن فيهم فلسطينيو 1948، وكذلك اللبنانيين. ويعتبر هؤلاء ذوو قتالية متدنية مثل حرب العصابات أو العصيان المدني.
ب. دائرة قريبة، وتشمل سوريا ومصر والأردن والعراق، وهي ذات قدرة قتالية كبيرة براً وبحراً وجواً.
جـ. دائرة بعيدة، وتشمل العمق السوري والعراق وإيران، كما أن استخدام الأسلحة غير التقليدية وارد. و الأمر الأهم الذي تطرحه الوثيقة هو ارتباط هذه الدوائر ببعضها البعض، أي حدوث انفجار في إحداها قد يؤدي إلى انفجارات في الدوائر الأخرى.
ثم تطرح الوثيقة بعض القضايا التي قد تؤثر على الاستقرار في المنطقة مثل:
الصراع العربي - الإسرائيلي، بما يحتويه من احتمال تصعيد عنيف مع احتمال أسلمة الصراع أو تدويله، وتزايد النزعات العسكرية للعرب، وتطوير السلاح غير التقليدي، والتكاثر السكاني العربي، حيث تؤدي هذه العوامل إلى عدم وجود تسويات. ولكن الملاحظ أن الوثيقة تذكر العرب فقط، ولا تأتي على الأعمال والممارسات التي تقوم بها الحكومة الإسرائيلية، مثل استمرار الاحتلال، واستمرار التطور التكنولوجي العسكري الإسرائيلي سواء بالأسلحة التقليدية أو غير التقليدية، وأثر كل ذلك في استمرار الصراع الإقليمي.(2)

_________________
1) بهاء الدين ، أحمد ، إسرائيليات، دار الهلال القاهرة، ص1965، ص189.
2) مركز الإعلام والمعلومات، الجدار الفاصل مجلة تقارير جامعة الأزهر، عدد (9) 2003، ص149.


ولكن الأغرب أن الوثيقة تؤكد أن هدف مجمل السياسة الإسرائيلية هو زيادة الاستقرار بواسطة منع محاربة أو تهديد إسرائيل. ولا تخفي الوثيقة أن سبيلها لتحقيق ذلك هو التحالف مع الولايات المتحدة، وهو استمرار لمبادئ الحركة الصهيونية منذ نشأتها في استراتيجياتها المتمثلة في الاعتماد على دولة خارجية قوية، ومع ذلك تؤكد الوثيقة أكثر من مرة على قوة إسرائيل، وقدرتها على الحسم العسكري، واستمرار الصراع عبر عدة أجيال قادمة، ولذلك جاء السيناريو الذي طرحته للمستقبل عاماً، حيث سيتأرجح بين التسويات والحرب، وألحقت ذلك بعبارة أكثر غرابة وهي تشكيكها في وجود تسوية إقليمية كاملة وشاملة. والتصور المطروح للرد هو الإعتماد على الردع ، الذي هو أيضاً بحاجة إلى مزيد من القوة أكثر من أي مجال آخر.(1)
تضع الوثيقة خطوطاً عريضة وأحياناً تفصيلية لبيان الردع الإستراتيجي الذي قد يشكل أحدث التطورات على النظرية الأمنية الإسرائيلية. ففي الدائرة البعيدة، دعت إلى استمرار نظام العقوبات المفروض على العراق، كما دعت إلى تطوير ترسانتها العسكرية خاصة في المجال الجوي مثل تطوير الصواريخ المضادة للصواريخ مثل حيتس وباتريوت، وحيازة طائرات .(2)

_________________
1) مركز الإعلام والمعلومات، الجدار الفاصل مجلة تقارير جامعة الأزهر، عدد (9) 2003، ص148.
2) صحيفة القدس ، ص419.


الخاتمة :
إن قراءة تحليلية متأنية للإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية ومتابعة تغيراتها تعتبر مؤشراً لتقييم الأمن القومي الإسرائيلي من منظور قادتها وخبرائها، وهي كفيلة بفهم السياسات الخارجية الإسرائيلية الإقليمية والدولية خلال الفترة التي تلي وضع هذه الإستراتيجية، التي ترسم تقديرات رؤساء المؤسسات الأمنية والسيادية والخبراء في المجالات المختلفة فيما يخص كل التحديات القائمة والمحتملة.
ومن خلال استعراض هذه الدراسة نلاحظ أن موضوع الأمن حاز على النصيب الأكبر في عقيدة التفكير الإستراتيجي للأمن القومي الإسرائيلي، ومن خلال متابعة مؤتمرات هرتسيليا منذ العام 2000 والذي يحمل كل عام العنوان ذاته (مؤتمر ميزان المناعة والأمن القومي) إحتل موضوع الأمن الأولوية لما تواجهه إسرائيل داخلياً وخارجياً، ففي المؤتمر الرابع تم طرح خطة فك الإرتباط والإنسحاب من بعض المستوطنات، وفي المؤتمر الخامس تم طرح خطة التجمعات، وفي المؤتمر السادس طُرح تقويم للوضع الأمني القومي إلى جانب الاتجاهات الإقتصادية والديموقراطية، وتحول إيران إلى قوة نووية.
ورصدت هذه الدراسة المناخات التي أسهمت في رسم الإستراتيجية الأمنية لإسرائيل وعملت على تحليل وإبراز مصادر التهديد المحتملة لهذه النظرية، كما قدمت رؤية توضح التغيرات والتحولات التي طرأت على مفهوم الأمن الإسرائيلي في ظل تغيير المعطيات الإستراتيجية والسياسية في المنطقة.
كذلك سعت إلى قراءة إستراتيجية إسرائيل الأمنية وأثرها على سياستها الحالية والمستقبلية، وتأثيرها في مجمل الصراع القومي العربي عموماً والفلسطيني خصوصاً.
وقد نخلص من هذه القراءة إلى استنتاجات نوردها على سبيل المثال لا الحصر، منها أن النظرية الأمنية قامت على ركائز ثابتة أهمها:
أولاً، نظرية الردع التي تبنتها إسرائيل في إطار عقيدتها الأمنية إلى جانب إستراتيجية الحرب الإستباقية.
ثانياً، مفهوم الحدود الآمنة وهي في إطار هذه النظرية عبارة عن مفهومٍ متغيرٍ قابلٍ للتبديل والتعديل حسب متطلبات الأمن الإسرائيلي.
ثالثاً، عامل العمق الإستراتيجي الذي يُعدّ غيابه حتى الآن من أكبر التحديات التي تواجه النظرية الأمنية الإسرائيلية نظراً للوضع الجغرافي لدولة إسرائيل.
ورغم الهالة الكبيرة التي تحيط بالنظرية الأمنية الإسرائيلية، إلا أن هذه النظرية لم تستطع توفير أهدافها وغاياتها بتحقيق الأمن والسلام لإسرائيل، فالأمن والسلام لن يتحققا في ظل هيمنة العقلية الأمنية على تفكير واضعي هذه النظرية، فقد قام الجانب العربي والجانب الفلسطيني إلى جانب بعض الجهود الدولية بتقديم رؤى ومبادرات عديدة لإحلال السلام، فشلت جميعها بسبب عقدة الأمن الإسرائيلية، بل إن إسرائيل لم تستطع استثمار أي جهد لتحقيق السلام ولم تستطع تقديم أي من استحقاقات العملية السلمية.
إن السلام العادل لا يحتاج إلى نظريات أمنية بقدر ما يحتاج إلى استرداد وردّ الحقوق والقبول بالآخر، وعدم استخدام القوة لفرض سياسة الأمر الواقع.
فإذا كانت إستراتيجية السلام الفلسطيني قائمة على قاعدة أن أمن إسرائيل مرتبط بالاستقلال والأمن الفلسطيني، وإنهاء معاناة اللاجئين الفلسطينيين حسب قرارات الشرعية الدولية، فإن إستراتيجة إسرائيل ما زالت قائمة على قاعدة السلام مقابل الأمن.

المراجع :
v أحمد بهاء الدين، إسرائيليات، دار الهلال القاهرة، 1965.

v حامد ربيع، "نظرية الأمن القومي العربي"، دار الموقف العربي القاهرة، 1980.


v عبد الوهاب المسيري، "الموسوعة اليهودية"، دار الشرق القاهرة، 1999.

v صلاح زكي أحمد، "نظرية الأمن الإسرائيلي"، دار ابن زيدون بيروت، 1986.


v صائب العاجز، "نظرية الأمن الإسرائيلي وأثرها على الأمن القومي العربي"، مؤسسة الفيروز عمان، 1989.

v مركز الإعلام والمعلومات، الجدار الفاصل مجلة تقارير جامعة الأزهر، عدد (9) 2003.


v صحيفة "الأيام".
v صحيفة "القدس.
v صحيفة "الحياة الجديدة

v الموسوعة الفلسطينية ، ج4، ص452.

 

اخر الأخبار