بعد صفقة القرن : لا مناص من المفاصلة السياسية!!

تابعنا على:   15:08 2020-02-19

د.غازي حمد

أمد/ (1) أوان الاعتراف والمصارحة

بعد الاعلان عن صفقة القرن(تصفية القضية الفلسطينية) لم يعد في القوس منزع , كما يقال !!

هي القشة التي قصمت ظهر البعير, وهي(جهيزة)  التي قطعت قول كل خطيب!!

لم يعد  ما نجامل او نناور به من الفاظ ومصطلحات, ولم يبق مجال للهروب من مواجهة الحقيقة الصادمة التي تقول أن اتفاقات اوسلو قد انتهت, وأن حل الدولتين كان مجرد سراب, وأن السلام مع دولة الاحتلال والبلطجة مستحيل ,وان الطموحات التي بنى عليها الرئيس ابو مازن أحلامه اضحت وهما وذهبت ادراج الرياح!!

هذا أوان الاعتراف والمصارحة والمراجعة واتخاذ القرارات الصعبة والجريئة.

يجب ان نعترف  اننا فشلنا -طوال سبعين عاما- في وقف تمدد السرطان الاحتلالي او الضغط عليه او دفعه للتراجع, وان خياراتنا لمتؤت ثمارها, وان خلافاتنا ونزاعاتنا التي أرهقتنا كانت سببا رئيسا في نموه وجبروته.

السبب ليس قاصرا علينا وحدنا انما يتعدى الى غيرنا.

ويجب ان نعترف- كفلسطينيين- اننا خضنا مرحلة عبث طويلة, تشتت فيها خياراتنا بين السلام الموهوم, والمصالحة المملة, والتهدئة المرتبكة, والانتخابات الخديعة, وجولات الحوار العقيمة, وقدمنا نموذجا سيئا في الفرقة والانقسام, وانحرفنا بشكل سحيق- وببعد سنوات ضوئية- عن هدفنا المركزي, تحرير فلسطين, وغرقنا/خدعنا في لجج سلطة هشة وضعيفة بكل تفاصيلها المرهقة, ووضعنا منظمة التحرير خلف ظهورنا, واستبدلنا التحرير بالدولة الموهومة, والبندقية بسيف من خشب!!

ويجب ان نعترف ان السلطة الفلسطينية – بقدها وقديدها- خاضت ربع قرن من العمل السياسي والدبلوماسي  أفضت الى فشل ذريع, لم تنجح فيه بفرض شرط واحد على اسرائيل او زحزحتها عن مواقفها ,ولم تحصد سوى الاوهام, ومع ذلك تعاند وتكابر ان السلام مع دولة البلطجة والاستيطان ممكن وغير مستبعد, ولا زال الرئيس يبحث عمن يصافح يده الممدودة للسلام لاكثر من عشرين عاما!!

الشعب  الفلسطيني (عمره) ما عرف لغة الاستجداء الا في مسيرة( السلام) هذه!!

ويجب ان نعترف اننا خدعنا انفسنا وضللنا شعبنا بتسويقنا شعارات ووعود لا رصيد لها, من باب ان الدولة على مرمى حجر أو ان لحظة التحرير باتت على الابواب, ويجب ان نعترف ان عملنا الوطني لازال تسوده (البركة) والاستعجال والسطحية, وانه يفتقد الرؤية الاستراتيجية طويلة الامد, متقنة التخطيط, متكاملة الاركان, وان عملنا الفصائلي لا زال مشتتا, غير متكامل ولا قائما على قواعد صلبة.

ويجب ان نعترف ان كل ما قيل عن (هالة) المجتمع الدولي والشرعية الدولية لم تكن الا وهما وكذبا وتضليلا, ولم تقدم لنا دعما حقيقيا, بل فشلتفي زحزحة حجر في مستوطنة, أو في فرض عقوبة -ولو صغيرة-على دولة الاحتلال أو ثنيها عن جرائمها واجراءاتها.

ويجب ان نعترف ان كل القرارات التي صدرت عن مجلس الامن والامم المتحدة, والتي تفخر بها السلطة وبعض الفصائل وتنادي بالعمل بها,لم تكن الا مجرد بيع أوهام وابر تسكين!!

ويجب ان نعترف ان كثيرا من الانظمة العربية التي كنا نتغنى بدعمها ومساندتها  في خطاباتنا اننا كنا نكذب عليها ونجاملها على حساب حقوقنا, وأنها كانتتكذب علينا وتخدعنا, وتلعب مع اسرائيل (من تحت الطاولة) وتتساوق مع الامريكان بكل وقاحة وقلة حياء. ومع ذلك نصمت عن كذبهم وخداعهم, ونعجز ان نقول لهم (عيب).. وبيسموها شطارة دبلوماسية !!

(2)    مواجهة صفقة القرن بهتافات!!

هي نفس العادة التي تتلبسنا مع كل كارثة او مصيبة وطنية !!

نخرج الى الشوارع, نصرخ ..نهتف...نزمجر و(ندلق) التهديدات المرعبة المتلبسة  بالشعارات الكبيرة.. نحمل يافطات كبيرة ..نوزع بيانات مدوية..نسير مسيرات هادرة...نسارع الى مؤتمر وطني جامع...نتنادى الى حوار وطني ..ثم نعود الى البيوت وقد شعرنا براحة كبيرة اننا أدينا واجبنا المقدس, وان رسالتنا وصلت للعالم !!

بمجرد انتهاء المهرجانات والمسيرات يبدأ اعداؤنا في التنفيذ الفوري لمخططاتهم الخبيثة!!

لقد عرفوا حدود قوتنا وطاقتنا, ولم يعودوا يخشون كثيرا من ردود افعالنا!!

يقول أعداؤنا : سننقل السفارة ونعلن عن القدس عاصمة لاسرائيل وسنضم المستوطنات وبقية اراضي الضفة, ومن حق السلطة ان تلجأ الى مجلس الامن لتنفس غضبها, ولن نمنع الرئيس عباس من السفر بحرية الى نيويورك لالقاء خطاباته!!

ان مواجهتنا لصفقة القرن –وما قبلها –ان لم تتجاوز حدود المسيرة والمهرجان والبيانوالحوارات (العقيمة) ,الى الفعل المدروس والمخطط والمؤثر, فستفرض رغما عنا وتصبح أمرا واقعا, ويصبح العودة الى أوسلو مطلبا وطنيا ملحا وعاجلا !!!!!.

مطلوب الخروج من دائرة المراوحة في المكان,ومغادرةرصيف الانتظار الممل,وهجر سياسة ردود الافعال الجوفاء المهترئة.

(3)    قلب صفحة الماضي

اليوم, مطلوب,وبكل شجاعة, قلب صفحة الماضي المتعثر والفاشل, وفتح صفحة جديدة.

صفحة تقوم على ركنين رئيسين : وحدة وطنية  حقيقية ورؤية استراتيجية للتحرير وليس للسلام.

البدء يجب ان يكون بالدعوة الى حوار وطني شامل, على الا يكون الحوار (همروجة) او مهرجانيا خطابيا نستعرض فيه العضلات الكلامية, بل ينبغي ان يكون مختلفا في الشكل والمضمون, ويتجاوز السرعة والسطحية وتبادل الخطابات, الى حوار جدي مبني على اسس قوية صلبة .

الحوار لابد ان يكون استراتيجيا , شاملا, غير مستعجل, ضامنا لمشاركة كل المكونات السياسية والوطنية للشعب الفلسطيني اينما كان.

التحضير المهني والعلمي للحوار اهم ضمان لنجاحه, بمعنى ان يتم تشكيل لجان تحضيرية تخصصية واحدة خاصة بترتيب جداول الحوار والمشاركين واماكن عقده , ولجنة أخرى مختصة باعداد الرؤية السياسية , وثالثة للمتابعة, وغيرها من اللجان المتخصصة.

يمكن للحوار المتأني والمهني ان يخرجنا من النفق المظلمويقودنا الى رؤية استراتيجية جديدة... والى قيادة وطنية جديدة.

هذه الرؤية يجب ان تكون حاسمة وحازمة, غير ضبابية ولا مموهة, تؤسس على انه لا عودة لاتفاقات اوسلو, ولا عودة للاعتراف باسرائيل , وان كل حراك مهما كان نوعه يجب أن يؤسس على الحقوق الوطنية الثابتة للشعب الفلسطيني.

من لا يريد هذه المعادلة فليبحث عن فلسطين اخرى.

ويجب ان نقول بكل وضوح – وبدون خجل-ان فلسطين من بحرها  الى نهرها لن تكون الا للفلسطينيين الذين ضحوا سنوات عمرهم في سبيلها, وانه لم يعد لاحد مبرر ان يمنح الغزاة والمحتلين -بكل بساطة- 78% من وطننا, ويحشرنا في حدود ال67.

 لقد مضي عهد هذه الخديعة, وثبت اننا أخطأنا جميعا- تحت وهم البراغماتية والسياسة الواقعية- حينما تنازلنا عن جزء من الارض لمن قتلونا وشردونا وارتكبوا مجازر يندى لها التاريخ, وقلنا لهم (راضين ان نسجن انفسنا في كانتونات معزولة ومحاطة بغلاة المستوطنين).

نعم أخطانا, واخطأ كل من قال نريد دولة على حدود 67 , ضحكوا علينا عشرين عاما فلا اعطونا دولة 67 ولا اقل من ذلك., ولن يعطونا.

(4)    أبو مازن.. القرار المفقود

الرئيس ابو مازن يجب ان يكون أول من يجهر بهذه الحقيقة امام شعبه. يكفي انه ناور وحاور وفاوض طوال ربع قرن ولم يستطع ان يعطي شعبه مجرد بارقة امل, عدا عن انجاز حقيقي.

على الرئيس ان يعترف بفشل  مساره السياسي, وان يعلن مغادرته مربع اوسلو وانحيازه الى شعبه وقواه الحية للتوافق على رؤية وطنية جامعة.

 لولا اتفاق اوسلو الهزيل وضعف الاداء السياسي للسلطة, وتركها اسرائيل تسرق الارض وتبني المستوطنات وتعزز الاحتلال في كل بقعة لما تجرأوا على طرح الصفقة بكل صلافة وعجرفة.

وللاسف ان الرئيس للان لم يتخذ قرارا واحد يثبت صدق رفضه للصفقة.

كان ينبغي عليه أن يكون جريئا ويدافع بقوة عن شعبه وقضيته, لا أن يعيد نفس الاسطوانة المشروخة ( انا مع السلام.. انا ضد المقاومة.. انا اريد ان تعيش اسرائيل بسلام.. انا عندي معلومات..).

يا سيدي الرئيس لم يعد أحد يسمع منك. والسيف اصدق انباء من الكتب.

كان ينبغي عليك أن تعلن بشجاعة ودون تردد سحب الاعتراف باسرائيل والانسحاب من اتفاق اوسلو, حيننها سيصفق لك الشعب الفلسطيني ويلتف حولك , وحينها سيجري العالم كله خلفك.

لكن للاسف انك لم تفعل شيئا سوى تكرار الخطابات.

الوطن أهم من السلطة , والكرامة والحرية مقدمة على لقمة العيش.

للاسف أن الرئيس استفرد بالمسار السياسي, واستخف بكل القوى والفصائل والمكونات السياسية والوطنية وجعلها خلف ظهره, مما كشف ظهره ودفع الغرباء والاعداء الى ان يستفردوابه ويقتلوا احلامه.

لقد ارتكب خطأ فادحا حينما علق مصير شعبه وتضحياته على حسن نوايا اسرائيل والامريكان وعلى الملهاة المسماة الشرعية الدولية!!

هذا الحال الانهزامي والبائس والضبابي والفاشل يجب أن يدفن وللابد, لانه لا يليق بشعب حر ومناضل.

يوم ان يتوحد الفلسطينيون, ويوم ان تشعر اسرائيل بالخطر والتهديد الحقيقي, ويوم ان يشعر المستوطنون انهم غير امنين  حينها ستسقط صفقة القرن من تلقاء نفسها, وسيتراجع كل الذين صفقوا لامريكا وداهنوا اسرائيل على حساب حقوقنا.

يجب ان تعود القوة والهيبة للحالة الفلسطينية , تلك الهيبة التي تمنع العرب والامريكان واسرائيل أن يتجرأوا –بكل وقاحة- على طرح هكذا صفقات سمسرة ومتاجرة بالحق الفلسطيني.

بعد فضيحة صفقة القرن , مطلوب ان نرسم طريقا جديدا, وان تكون لنا قيادة وطنية قوية وامينة قادرة على حمل المسئولية وعلى قدر التحديات الكبيرة, والا سنشهد صفقات.

اخر الأخبار